أمل جديد: اكتشاف مايو كلينك أسباب مقاومة سرطان الثدي HER2 للعلاج
كلما سمعتُ عن تطورٍ جديد في علاجات مرض سرطان الثدي أو اكتشافات تحدَ من قدرة هذا المرض على اختطاف النساء من أحبتهم، أسارعُ لمشاركة هذه المعلومات مع أخت زوجي، التي تُصارع هذا المرض منذ ما يقرب 10 سنوات.
ليس سهلًا أن يكون لديكِ في العائلة، من يعاني من سرطان الثدي؛ والذي وبالرغم من تضاعف نسب الشفاء منه لما يصل لحوالي 98%، في حال اكتشافه مبكرًا، ما زال يُسبَب الوجع والمعاناة للمريضات وعائلاتهنَ على حد سواء.
سرطان الثدي أكثر أنواع الأمراض التي تُصيب النساء، وهناك أكثر من نوعٍ له؛ بعضها عدائي جدًا والبعض الآخر قد ينتشر لأجزاءٍ أخرى من الجسم. منها سرطان الثدي من نوع HER2-positive، وهو أحد أكثر الأنواع عدوانيةً، لكنه اليوم من أكثرها قابلية للعلاج بفضل العلاجات الموجّهة الحديثة.
يتميز هذا النوع بارتفاع بروتين HER2 على سطح الخلايا السرطانية، ما يجعلها تنمو وتنقسم بسرعةٍ أكبر من الأنواع الأخرى. لكن وجود هذا البروتين المرتفع هو أيضًا نقطة ضعف، يمكن استهدافها بدقة عبر أدوية متقدمة أثبتت فعالية كبيرة. لكن هذا النوع من السرطانات قد لا يستجيب في كثيرٍ من الحالات، للعلاج مهما كان نوعه؛ وعدم استجابة سرطان الثدي HER2-positive للعلاج ليست صدفة، بل يأتي نتيجة آلياتٍ بيولوجية مُعقّدة تجعل بعض الأورام "تتعلّم" كيف تتجاوز العلاجات الموجّهة.
ورغم أن هذا النوع عادةً يستجيب بقوة لأدوية مثل Herceptin وPerjeta وEnhertu، إلا أن نسبةً من المريضات قد يواجهنَ مقاومة جزئية أو كاملة أثناء العلاج. لحسن الحظ، فإن الجهود الطبية والعلمية ما زالت مستمرةً، في محاولةٍ حثيثة لإيجاد الأسباب وراء مقاومة سرطان الثدي HER2-positive للعلاج، منها جهود الباحثين في مايو كلينك، الذين يبدو أنهم توصلوا إلى سبب رئيسي وراء هذه المقاومة. ويعكس هذا الاكتشاف محاولات الجسم الطبي، للغوص أكثر في كيفية مساعدة النساء على العبور بنجاح وسلام من سرطان الثدي العدواني هذا، والوصول إلى حالة التشافي التامة.

إليكِ التفاصيل..
أمل جديد للبعض بفضل اكتشاف مايو كلينك أسباب مقاومة سرطان الثدي للعلاج
إذن؛ اكتشف الباحثون في مايو كلينك، سببًا رئيسيًا لاحتمال عدم استجابة بعض أنواع سرطان الثدي لفئة جديدة مهمة من النهُج العلاجية المُسماة مقترِنات الأدوية بالأجسام المضادة ADCs. وتجمع هذه العلاجات جسمًا مضادًا يستهدف الخلايا السرطانية، مع دواء علاج كيميائي قوي.
ففي حالات العديد من المصابات بسرطان الثدي مع بروتين مستقبِل عامل النمو الأدمي المنشأ 2-إيجابي (HER2+) ، حققت مقترنات الأدوية بالأجسام المضادة مثل تراستوزوماب ديروكستيكان (T-DXd) تحسنًا هائلاً في النتائج.
نُشرت الدراسة في مجلة Nature Cancer، وفي تعليقه على نتائجها؛ يقول الدكتور بيتر لوكاس، المؤلف الرئيسي المشارك ونائب الرئيس لشؤون الأبحاث في قسم الطب المختبري وعلم الأمراض في مايو كلينك: "فيما أظهر علاج T-DXd نتائج مهمة للعديد من المريضات، فإن فعاليته لم تظهر مع جميع المصابات بسرطان الثدي إيجابي البروتين HER2+. ما يشير إلى أن بعض الأورام، لديها آلياتٌ داخلية للمقاومة، تمنع الدواء من أداء وظيفته."
في هذه الدراسة؛ اكتشف الباحثون في مختبر إشارات وعلاجات الأورام والمناعة في مايو كلينك، أنه ثمة نسخة قصيرة من بروتين HER2 تُسمى p95HER2، تُنتجها مجموعة فرعية من سرطانات الثدي إيجابية البروتين HER2+ يمكن أن تُحدث تغييرًا في الاستجابة للعلاج. فالبروتين p95HER2يُصدر إشارات مختلفة عن البروتين الورمي HER2؛ الأمر الذي ثبت أنه العامل الرئيسي في تحفيز المقاومة للعلاج.
ويضيف د. لوكاس: "يُشكَل اكتشافنا أن بروتين p95HER2 لديه قدرة فريدة على تحفيز الإشارات التي تؤدي إلى إنتاج بيئة دقيقة محمية مناعيًا، إشارةٌ قوية إلى أن p95HER2 يمكن أن يعمل داخل الخلايا السرطانية على إحداث مقاومة فعالة لعلاج T-DXd."
كشفت الدراسة أيضًا أن عقارًا يُسمى نيراتينيب، له فعالية كبيرة في وقف عمل بروتين p95HER2، بل حتى يؤدي إلى تفكيكه. ويُعلّق المؤلف الرئيسي دونغ هو، الحاصل على الدكتوراة، وعالم الأبحاث في قسم الطب المختبري وعلم الأمراض في مايو كلينك على هذه النقطة بالقول: "في الواقع، يؤدي العلاج باستخدام نيراتينيب إلى تفكيكٍ كامل للبروتين p95HER2، ما أدى إلى إبطال تأثير هذا البروتين في الخلايا السرطانية خلال نماذجنا قبل السريرية".
واستنادًا إلى هذه النتائج، يرى الفريق البحثي أن الخطوة التالية هي إجراء تجربة سريرية لتقييم فعالية مركب نيراتينيب و T-DXd على مريضات سرطان الثدي إيجابي البروتين HER2+ في مرحلة مبكرة. والهدف من ذلك، معرفة ما إذا كان هذا النظام العلاجي المتعدد، قادر على تحسين الاستجابة في حالات السرطان التي تُنتِج البروتين p95HER2، إلى جانب بروتين HER2 الكامل. ويشير الباحثون إلى أن هذا مُركبٌ واحد فقط من بين العديد من المُركبات العلاجية الخاضعة للبحث.
تقول د. ليندا مكاليستر الحاصلة على الدكتوراه وختصاصية دمويات/أورام الأطفال في مايو كلينك والمؤلف الرئيسي المشارك لهذه الدراسة: "لا يوجد نهج علاجي وحيد مناسب للجميع يمكنه أن يكون فعالاً لجميع مريضات سرطان الثدي إيجابي البروتين HER2+." ومع ذلك، فإن اكتشاف الدور الذي يؤديه p95HER2 يرسم خارطة طريقٍ واضحة لمستقبل العلاج.

يخلص د. لوكاس إلى القول: "يُساعدنا الفهم الذي توصلنا إليه مؤخرًا حول لماذا عقار T-DXd ليس فعالاً في جميع الحالات، على وضع تصورٍ واضح للخطوات التالية؛ نحو تقديم علاجاتٍ مخصصة والمزيد من العلاجات الشافية. فالأمر الأهم، أن نسبق السرطان بخطوة."
تجدر الإشارة إلى أن سرطان الثدي HER2، يتميّز بزيادة غير طبيعية في بروتين HER2 على سطح الخلايا السرطانية. ويعمل هذا البروتين كـ"محرّك نمو"، بحيث أنه عندما يكون مرتفعًا جدًا، يجعل الخلايا تنقسم بسرعةٍ أكبر من الطبيعي.
يُمثَل هذا النوع 15–20% من حالات سرطان الثدي عالميًا، ويتم عادةً تحديد حالة HER2 عبر فحص عيّنة من الورم باستخدام IHC لقياس مستوى البروتين، و FISH لتحديد عدد نسخ الجين HER2؛ لتُحدَد النتيجة خطة العلاج بالكامل.
لماذا يُعتبر هذا النوع من سرطانات الثدي مهمًا؟ لأنه:
• أكثر عدوانية من الأنواع الأخرى
• أكثر قابلية للعلاج بفضل العلاجات الموجّهة
• يستجيبُ بشكلٍ ممتاز عند اكتشافه مبكرًا.
العلاجات الموجهَة هي حجر الأساس ضمن العلاجات الأساسية لسرطان الثدي HER2، وتُستخدم غالبًا مع العلاج الكيميائي، الجراحة والعلاج الإشعاعي. مع العلاج الموجّه، تصل نسب البقاء إلى أكثر من 90% خلال 5 سنوات في الحالات المبكرة. وحتى في الحالات المتقدمة، تحسّنت النتائج بشكل كبير بفضل الأدوية الحديثة.
هل يمكن أن لا يستجيب هذا النوع للعلاج؟
نعم، في بعض الحالات كما أسلفنا؛ إذ قد يطوّر الورم مقاومةً. والأسباب تشمل:
• طفرات جينية إضافية
• تغيّر شكل مستقبل HER2
• عدم تجانس الورم
• ضعف المناعة
• انتشار المرض إلى أماكن يصعب علاجها.
لكن العلاجات الحديثة مثل Enhertu وTucatinib صُمّمت خصيصًا لتجاوز هذه المقاومة.
في الخلاصة؛ سرطان الثدي HER2 كان يُعتبر سابقًا من أخطر الأنواع، لكنه اليوم أصبح من الأكثر قابلية للعلاج بفضل التطور العلمي. ومع التشخيص المبكر والعلاج الموجّه، يمكن السيطرة عليه بشكلٍ كبير وتحقيق نسب شفاءٍ ممتازة.
حتى في حالات مقاومة العلاج؛ فإن البحث عن الأسباب الرئيسية وراء هذه المقاومة كما جاء في دراسة مايو كلينك الحديثة، ما زال يحمل الكثير من بريق الأمل لملايين النساء اللاتي يُعانينَ من هذا المرض، ليمنحهنَ فرصةً جديدة للاستمتاع بالشفاء والحياة مع من يحبون.