التعايش مع سرطان الثدي التحديات العاطفية

ما وراء صورة "المحاربة الشجاعة": كيف تؤثر معركة سرطان الثدي على مشاعر النساء؟

24 أكتوبر 2026

الحياة معركةٌ يومية من التحديات والضغوط التي لا تنتهي؛ "من خلق علق"، مثلٌ شعبي أرددهُ طوال الوقت، كلما تحدث أحدهم أمامي عن التعب والإرهاق، وفقدان الأمل في وجه الصعوبات التي يواجهها.

نحن فعلًا في معركةٍ مستمرة، ما دمنا نحيا، نمشي على هذه الأرض، ونسعى لتحقيق أدنى طموحاتنا وأقصاها. فكيف إذا أُضيف تحدي جديد إلى هذه المعركة الطاحنة، يتمثلُ في الإصابة بمرضٍ صعب مثل سرطان الثدي؟

من المؤكد أن معاناة المرض شديدةٌ على كل من يمرَ بها، فكيف إذا كان ورمٌ ينشىء في الصدر ليمتد وينتشر في مراحل لاحقة، في حال لم يتم علاجه وهو في طور البداية؟ ضغطٌ هائل على الجانبي الجسدي والنفسي، لا يتمناهُ أحدٌ لنفسه؛ لكن ملايين من النساء حول العالم يرزحنَ تحته للأسف.

إن الضغط للبقاء "إيجابية" كما يحلو للبعض القول، قد لا يترك مساحةً كافية للمشاعر مثل الخوف، الغضب والحزن، وهي مشاعر طبيعية وجزءٌ لا يتجزأ من هذه التجربة. فكيف تؤثر معركة سرطان الثدي على مشاعر النساء، وماذا هناك وراء درع "المحاربة الشجاعة" الذي تتزين به نساءٌ كثر، بطواعية أو رغمًا عنهنَ؟

هذا ما تُجيب عليه ريبيكا كوب - مستشارة مرخصة في عيادة Peninsula Psychology دبي.

ريبيكا كوب مستشارة مرخصة في عيادة Peninsula Psychology دبي
ريبيكا كوب مستشارة مرخصة في عيادة Peninsula Psychology دبي

التعايش مع سرطان الثدي: التحديات العاطفية

يصف الشاعر روبرت بلاي، كيف يحمل كل منا حقيبةٌ سوداء غير مرئية، نضع فيها كل المشاعر التي نعتبرها غير مقبولة اجتماعياً.

الأمر ذاته يمكن تطبيقه لدى مريضات سرطان الثدي. إذ وعند تشخيص الإصابة بهذا المرض (الذي ووفقًا لأحدث البيانات العالمية المتاحة من منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لأبحاث السرطان، لا يزال أكثر أنواع السرطان شيوعًا بين النساء حول العالم)؛ من الطبيعي أن تمر النساء المصابات بتقلباتٍ عاطفية حادة، قد تبدو بعضها مخيفةً أو خارجة عن السيطرة. وهنا تحديداً، يصبح الضغط للحفاظ على الإيجابية عبئاً إضافياً؛ إذ تضطر المرأة لإخفاء مشاعرها الحقيقية خوفاً من ألا تكون مقبولةً لدى المحيطين بها.

لكن علم النفس يؤكد أن المشاعر التي لا نعترفُ بها، لا تختفي بالضرورة؛ بل إنَ تجاهلها غالباً ما يجعل الأمور أكثر صعوبةً. فمحاولة البقاء "إيجابية" أثناء تشخيص وعلاج سرطان الثدي تتطلب جهداً وطاقة، وهما في الواقع ما نحتاجهُ بشدة لمواجهة الرحلة القادمة.

قد تكون رحلة علاج السرطان طويلةً وشاقة جسدياً ومستنزفة عاطفياً؛ لذا يمكن تفهم سبب شيوع لغة "المعركة" وصورة "المحاربة الشجاعة" للتعبير عن عمق الصمود الذي يتطلبهُ هذا المرض. ومع ذلك، عندما تشعر المرأة بأنها غير قادرة على التعبير عن طيف مشاعرها الحقيقي، فقد ينتابها شعورٌ بالعزلة والوحدة.

قد تكون رحلة علاج السرطان طويلةً وشاقة جسدياً ومستنزفة عاطفياً
قد تكون رحلة علاج السرطان طويلةً وشاقة جسدياً ومستنزفة عاطفياً

وماذا عن الأيام التي تشعر فيها المريضة بأنها لا تملك الطاقة الكافية "لمحاربة" المرض؟ ماذا عن أولئك النساء اللاتي يُقال إنهنَ "خسرنَ" المعركة؟ ألم يحاربنَ بنفس القدر الذي حاربت به الأخريات؟ بالطبع، لقد فعلنَ ذلك.

إن رؤية خوف الآخرين أو غضبهم أو حزنهم، تضعنا في مواجهة مباشرة مع حقيقة هشاشتنا وضعفنا كبشر. تشعر كثيرات بحالةٍ من عدم اليقين عند مواجهة هذه المشاعر، فيندفعنَ لمحاولة "إصلاح" ألم الآخرين، وذلك لتجنب الشعور بعدم الارتياح العميق الذي تفرضهُ عليهم تلك المواقف. وفي بعض الأحيان، يدفع هذا الأمر المرأة التي تعاني، إلى إخفاء مشاعرها الحقيقية، وتجنَب ما قد تخشى أن يتحولُ إلى حوارٍ محرج أو غير مريح.

تقول الكاتبة مايا أنجيلو: "أنا أؤمن بالغضب؛ فالغضب أشبه بالنار، يمكنه أن يحرق كل الشوائب ويُبقي على جوانب إيجابية". في رحلة التعامل مع مرض السرطان، نحتاجُ إلى مساحةٍ تُتيح لنا استشعار ما نمر به فعلياً والتعبير عنه بصدق، مهما كان شكل هذا التعبير أو وقعه. إن الضغوط المفروضة لتقديم صورة الشخص القوي دائماً، والمستعد بلا كلل لخوض معركة التعافي الكبرى، قد تُشعر النساء بأنهنَ فاشلات إذا لم يستطعنَ الحفاظ على هذا القناع. فخوض تجربة السرطان بحد ذاته أمرٌ كافٍ؛ ولا ينبغي للمرء أن يضطر أيضاً إلى انتقاء كلماته بعناية فائقة لمراعاة مشاعر الآخرين أو توقعاتهم، أو أن يظهر بمظهر الشخص الإيجابي والقوي طوال الوقت، بينما الواقع غير ذلك.

إن العثور على المفردات التي تنصف الحقيقة المطلقة لتجربتنا، يُحررنا من قدرٍ كبير من المعاناة؛ إذ نصبح قادرين على الثقة بأن تجربتنا الداخلية مُعبَّر عنها بصدق. وحين تتمكن المريضة من تحقيق ذلك، تتوقف تلك المشاعر الداخلية عن الدوران المفرغ داخل العقل والجسد، وتتحول بدلاً من ذلك إلى جزءٍ من مسيرة تطورها كإنسانة قادرة على التعبير عن ذاتها بأصالة، وعلى أن تُرى وتُقدَّر على حقيقتها في اللحظة الراهنة. وهذا يمنحها القدرة على صياغة احتياجاتها الجسدية والعاطفية والعملية، والسعي لتلبيتها بالطريقة التي تستحقها فعلاً.

تحتاج المريضة إلى دعمٍ متكامل يشمل العلاج الطبي والجانب النفسي
تحتاج المريضة إلى دعمٍ متكامل يشمل العلاج الطبي والجانب النفسي

كيف نساعد مريضات سرطان الثدي على تجاوز المحنة جسديًا ونفسيًا؟

لتجاوز هذه المحنة أو المعركة كما أسلفنا؛ تحتاج المريضة إلى دعمٍ متكامل لا يقتصر على العلاج الطبي فقط، بل يشمل الجوانب النفسية، الاجتماعية، الغذائية والجسدية. فالتعافي الحقيقي لا يعني فقط محاربة المرض، بل استعادة الشعور بالأمان والثقة وجودة الحياة.

1.     الدعم النفسي والعاطفي

•       الاستماع دون إصدار أحكام أو تقديم نصائح غير مطلوبة. أحيانًا تحتاج المريضة إلى من يسمع مخاوفها أكثر مما تحتاج إلى حلول

•       تشجيعها على التعبير عن مشاعر الحزن أو الخوف أو الغضب بدل كبتها

•       دعمها للانضمام إلى مجموعات الدعم التي تجمع ناجيات ومريضات يشاركنها التجربة

•       الاستعانة بأخصائي نفسي عند ظهور أعراض القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات النوم.

2.     المساندة الجسدية أثناء العلاج

•       تشجيعها على ممارسة نشاط بدني خفيف مثل المشي أو اليوغا أو البيلاتس وفق إرشادات الطبيب، مما يساعد على تقليل التعب وتحسين المزاج

•       مساعدتها في إدارة الأعراض الجانبية للعلاج مثل الإرهاق والغثيان وآلام المفاصل

•       الحرص على النوم الكافي ووضع روتين يومي متوازن بين الراحة والحركة.

3.     التغذية الداعمة للتعافي

•       التركيز على نظام غذائي غني بالخضروات والفواكه الملونة والبروتينات عالية الجودة

•       المحافظة على الترطيب الجيد بشرب الماء والسوائل الصحية

•       تناول وجبات صغيرة ومتكررة عند فقدان الشهية

•       استشارة اختصاصي تغذية عند فقدان الوزن أو زيادة الوزن الناتجة عن العلاج.

التعايش مع سرطان الثدي التحديات العاطفية  - رئيسية
التعايش مع سرطان الثدي التحديات العاطفية

4.     دعم صورة الجسد والثقة بالنفس

يُعد فقدان الشعر أو التغيرات الجسدية بعد الجراحة من أكثر التحديات النفسية تأثيرًا على المرأة. ويمكن المساعدة عبر:

•       تشجيعها على التعبير عن مشاعرها تجاه هذه التغيرات.

•       توفير خيارات عملية مثل الأوشحة أو الشعر المستعار أو مستحضرات التجميل المخصصة للمرضى.

•       تذكيرها بأن أنوثتها وقيمتها لا ترتبط بمظهرها فقط.

5.     دور العائلة والأصدقاء

بدلًا من قول: "أخبرينا إذا احتجتِ شيئًا"، يمكن تقديم دعم عملي مباشر مثل:

•       مرافقتها إلى المواعيد الطبية

•       المساعدة في تحضير الوجبات

•       رعاية الأطفال أو بعض شؤون المنزل

•       إرسال رسائل تشجيعية منتظمة تبعث الطمأنينة.

6.     تعزيز الأمل والهدف

•       الاحتفاء بالإنجازات الصغيرة خلال رحلة العلاج

•       تشجيعها على ممارسة الأنشطة التي تحبها، مثل القراءة أو الفن أو التأمل أو الكتابة

•       التركيز على ما تستطيع فعله اليوم بدل الانشغال بالمستقبل المجهول.

رسالة إنسانية مهمة؛ مريضة سرطان الثدي لا تحتاج أن تُعامَل باعتبارها "مريضة" فقط، بل كامرأة كاملة لديها أحلام وأدوار وعلاقات وشغف. والدعم الحقيقي هو أن نُشعرها بأنها ليست وحدها في هذه الرحلة، وأن حياتها لا تُختصر في التشخيص، بل تستمر بقوةٍ وأمل ومعنى.

الدواء يعالج الورم، لكن الحب والدعم والاحتواء يعالجون جزءًا كبيرًا من الجروح غير المرئية التي يتركها المرض.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".