العلاج المناعي في سرطان الثدي

العلاج المناعي في سرطان الثدي: أين وصل العلم؟

23 أكتوبر 2026

لم يعد علاج سرطان الثدي اليوم، يقتصر على الجراحة والكيميائي؛ بل تقدم عصر الطب الدقيق والمناعة إلى الواجهة، حيث تُصمَم الخطط العلاجية حاليًا بما يتناسب مع البصمة البيولوجية لكل ورم، فاتحةً آفاقًا جديدة للأمل والشفاء لملايين السيدات حول العالم ممن يُصبنَ بهذا المرض.

والحقيقة تُقال؛ فقد شهد علاج سرطان الثدي تطورًا كبيرًا خلال العقود الأخيرة، ما أسهمَ في تحسين معدلات الشفاء والبقاء على قيد الحياة لنساءٍ كثر. ويعتمد اختيار العلاج على نوع الورم، مرحلته وخصائصه البيولوجية، بما في ذلك مُستقبلات الهرمونات وحالة بروتين HER2.

يطرح البعض السؤال التالي: هل تحتاج جميع مريضات سرطان الثدي إلى الجراحة، الكيميائي، الإشعاعي والعلاجات الحديثة؟

الإجابة هي لا؛ فسرطان الثدي ليس مرضًا واحدًا، بل مجموعةٌ من الأنواع المختلفة التي تتفاوت في سلوكها واستجابتها للعلاج. لذلك يضع الأطباء خطةً علاجية مُخصصة لكل مريضة، بناءً على خصائص الورم ومرحلته كما ذكرنها آنفًا، وقد تحتاج بعض المريضات إلى نوعٍ أو نوعين فقط من العلاج، بينما تتطلب حالاتٌ أخرى، مزيجًا من الجراحة، العلاج الإشعاعي أو الكيميائي أو الهرموني أو الموجه أو المناعي، لتحقيق أفضل النتائج الممكنة.

هذه المقاربة الشخصية، تُعدَ اليوم أحد أهم التطورات في علاج سرطان الثدي؛ إذ تساعد على زيادة فرص الشفاء مع تجنَب العلاجات غير الضرورية وآثارها الجانبية.

قد تحتاج بعض مريضات سرطان الثدي للعلاج المناعي حسب نوع المرض لديهنَ
قد تحتاج بعض مريضات سرطان الثدي للعلاج المناعي حسب نوع المرض لديهنَ

لمزيدِ من التفصيل؛ تتضمن الخيارات العلاجية الرئيسية لمريضات سرطان الثدي ما يلي:

1.     الجراحة: لإزالة الورم أو الثدي عند الحاجة.

2.     العلاج الإشعاعي: للقضاء على الخلايا السرطانية المتبقية بعد الجراحة.

3.     العلاج الكيميائي: الذي يستهدف الخلايا سريعة الانقسام.

4.     العلاج الهرموني: للأورام الحساسة لهرموني الإستروجين أو البروجسترون.

5.     العلاجات المُوجهة: التي تستهدف جُزيئات محددة داخل الخلايا السرطانية، مثل علاجات HER2.

بالتركيز على العلاج المناعي؛ فإنه يُعزَز قدرة الجهاز المناعي على التعرف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها، وقد حقق نتائج واعدة خصوصًا لدى مريضات سرطان الثدي الثلاثي السلبي. وأظهرت دراسة KEYNOTE-522 أن إضافة دواء بيمبروليزوماب إلى العلاج الكيميائي (وهو أحد عناصر العلاج المناعي)، حسّنت معدلات البقاء على قيد الحياة وخفَضت خطر عودة المرض لدى المريضات المصابات بسرطان الثدي الثلاثي السلبي المبكر عالي الخطورة.

ومع استمرار الأبحاث، يتجه مستقبل علاج سرطان الثدي نحو مزيدٍ من التخصيص، بحيث يحصل كل مريض على علاجٍ مُصمم وفق الخصائص الجينية والمناعية لورمه، بما يرفع فرص النجاح ويُقلَل الآثار الجانبية.

إذن؛ شهدَ العلاج المناعي تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، لكنه لم يصبح علاجًا قياسيًا لجميع أنواع سرطان الثدي. وحتى اليوم، تتركز أكبر النجاحات في سرطان الثدي الثلاثي السلبي (Triple-Negative Breast Cancer - TNBC)، وهو أحد أكثر الأنواع عدوانية وصعوبة في العلاج.

في مقالة اليوم؛ نتعرف سويًا على ماهية العلاج المناعي، التطورات فيه، وما الذي يحمله المستقبل لهذا العلاج الثوري.

دمج العلاج المناعي مع العلاج الكيميائي يمكن أن يُحسن معدلات الاستجابة ويُطيل البقاء
دمج العلاج المناعي مع العلاج الكيميائي يمكن أن يُحسن معدلات الاستجابة ويُطيل البقاء

ما هو العلاج المناعي؟

يعتمد العلاج المناعي على تنشيط الجهاز المناعي للمريضة، للتعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها. ومن أهم الأدوية المُستخدمة حاليًا في هذا العلاج، ما يُسمى مُثبطات نقاط التفتيش المناعية (Immune Checkpoint Inhibitors)، وعلى رأسها بيمبروليزوماب، وأتزوليزوماب في بعض السياقات العلاجية. وتعمل هذه الأدوية على إزالة "الفرامل" التي تمنع الخلايا المناعية من مهاجمة الورم.

ما هي أبرز الإنجازات السريرية حول العلاج المناعي؟

تُعتبر دراسة KEYNOTE-522 من أهم الدراسات التي غيَرت الممارسة السريرية عالميًا في سرطان الثدي الثلاثي السلبي المبكر عالي الخطورة.

وقد أظهرت النتائج النهائية طويلة الأمد، أن إضافة دواء بيمبروليزوماب إلى العلاج الكيميائي قبل الجراحة، ثم الاستمرار به بعد الجراحة، أدى إلى تحسنٍ ملحوظ في النتائج السريرية والبقاء على قيد الحياة.

من أبرز النتائج التي تضمنتها هذه الدراسة:

•       معدل البقاء الكلي بعد 7 سنوات، بلغ 85.1% لدى المريضات اللاتي تلقينَ بيمبروليزوماب مع العلاج الكيميائي؛ مقارنةً بـ 77.2% لدى المريضات اللاتي خضعنَ للعلاج الكيميائي وحده مع دواء وهمي.

•       انخفض خطر الانتكاس أو الوفاة بشكلٍ ملحوظ مع إضافة العلاج المناعي.

وقد دفعت هذه النتائج العديد من الخبراء إلى اعتبار العلاج المناعي مع العلاج الكيميائي، معيارًا علاجيًا جديدًا لمريضات سرطان الثدي الثلاثي السلبي المبكر عالي الخطورة.

أما في سرطان الثدي الثلاثي السلبي المنتشر (النقيلي)، فقد أثبت العلاج المناعي فعاليةً لدى المريضات اللاتي تُظهر أورامهنَ مؤشراتٍ مناعية مُعينة مثل PD-L1.

العلاج المناعي في سرطان الثدي - رئيسية
العلاج المناعي في سرطان الثدي

وتُشير الدراسات إلى أن دمج العلاج المناعي مع العلاج الكيميائي يمكن أن:

1.     يُطيل فترة السيطرة على المرض.

2.     يُحسَن معدلات الاستجابة للعلاج.

3.     يُطيل البقاء لدى بعض المجموعات المختارة من المريضات.

لكن الاستفادة ليست متساوية لدى جميع المرضى، لذلك تبقى اختبارات المؤشرات الحيوية ضروريةً لاختيار المريضات الأكثر استفادة.

ما هي التحديات الحالية أمام العلاج المناعي؟

رغم التقدم الملحوظ، لا يزال هناك عدد من التحديات أمام هذا العلاج؛ منها:

1.     محدودية الاستجابة: إذ لا تستجيب جميع المريضات للعلاج المناعي، حتى ضمن النوع الثلاثي السلبي.

2.     الحاجة إلى مؤشرات حيوية أفضل: يعمل الباحثون على تطوير اختباراتٍ أكثر دقة للتنبؤ بمن سيستفيد من العلاج المناعي.

3.     الآثار الجانبية المناعية: إذ قد يؤدي هذا العلاج إلى تنشيط الجهاز المناعي ضد أنسجة الجسم السليمة، مسببًا بعض المشكلات الصحية مثل اضطرابات الغدة الدرقية؛ التهابات الرئة المناعية، والتهابات الكبد أو القولون المناعية.

ورغم أن معظم هذه المضاعفات قابلة للعلاج عند اكتشافها مبكرًا، إلا أنها تتطلب مراقبةً دقيقة.

ماذا يحمل المستقبل للعلاج المناعي؟

حاليًا؛ تُركَز الأبحاث الطبية والعلمية على:

•       دمج العلاج المناعي مع العلاجات المُوجهة

•       تطوير لقاحات علاجية مُخصصة لسرطان الثدي

•       استخدام الخلايا المناعية المعدلة (Cell-based therapies)

•       تحسين اختيار المريضات عبر التحليل الجيني والمناعي للأورام

•       توسيع الاستفادة من العلاج المناعي لتشمل الأنواع الهرمونية وHER2-positive، التي ما زالت النتائج فيها أقل وضوحًا من سرطان الثدي الثلاثي السلبي.

في الخلاصة؛ يمكن القول إن العلاج المناعي، أحدثَ نقلةً نوعية في علاج سرطان الثدي الثلاثي السلبي، وأثبتَ قدرته على زيادة فرص الشفاء والبقاء طويل الأمد عند دمجه مع العلاج الكيميائي. أما بالنسبة لبقية أنواع سرطان الثدي، فما زالت الأبحاث مستمرة؛ لكن النتائج الحالية تشير إلى أن المستقبل سيكون أكثر اعتمادًا على العلاجات المناعية المُوجهة وفق الخصائص البيولوجية لكل ورم.

ما يمنح الأمل لكثيرٍ من السيدات المصابات بمرض سرطان الثدي، واللاتي يحتجنَ لاستخدام كافة العلاجات الحديثة والمُثبتة علميًا، في تحسين فرص تعافيهنَ من هذا المرض وإطالة أعمارهنَ قدر الإمكان.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".