في سعينا لفهم المخاطر: هل النساء أكثر عرضة للإصابة بسرطان الغدة الدرقية؟
تختلف أمراض النساء عن أمراض الرجالٍ بشكل واضح، لأن لكل منهما جهازًا تناسليًا مختلفًا، هرمونات مختلفة، وأنماطًا مرضية خاصة بكل جنس. لكن هناك أيضًا أمراضٌ مشتركة تظهر عند الجنسين بنِسَب مختلفة، وإن كانت القابلية عند النساء للإصابة بهذه الأمراض أكبر منها عند الرجال، والعكس صحيح.
على سبيل المثال؛ سرطان الثدي هو الأكثر انتشارًا بين النساء، فيما قد يُصيب هذا المرض نسبةً ضئيلة من الرجال. في المقابل، فإن السرطانات التي تُصيب الرجال أكثر من النساء تشمل مجموعةً واضحة من الأورام التي تُظهر فجوةً كبيرة بين الجنسين، أبرزها سرطان المريء، المثانة، الكبد، الكلى، المستقيم، الحنجرة، وبعض سرطانات الدم. هذه الأنواع تُسجّل معدلات إصابةٍ أعلى لدى الرجال وفق دراساتٍ وأبحاث واسعة النطاق.
وبما أننا نتطرق في هذه المقدمة لأمراض السرطان، دعينا نبقى ضمن الدائرة ذاتها، ونخص بالحديث اليوم سرطان الغدة الدرقية، والذي يُعدّ من أكثر السرطانات انتشارًا عالميًا؛ مع ارتفاعٍ واضح في معدلات الإصابة خلال العقود الأخيرة، مقابل ثباتٍ أو انخفاضٍ طفيف في معدلات الوفيات.
وتُظهر الإحصاءات الحديثة صورةً دقيقة عن حجم المرض عالميًا واتجاهاته المستقبلية:
• عدد الحالات عالميًا: في عام 2021، سُجّل نحو 2 مليون حالة سرطان غدة درقية حول العالم، وفق بيانات Global Burden of Disease 2021 . ويُمثّل ذلك زيادةً بنسبة 55% في معدل الانتشار منذ 1990 .
• معدل الانتشار العالمي: بلغ معدل الانتشار المعياري عمريًا 23.1 لكل 100,000 شخص في 2021 .
• النساء يُشكّلن حوالي 67% من الحالات عالميًا، ما يجعل المرض أكثر شيوعًا بين النساء بثلاثة أضعاف تقريبًا مقارنةً بالرجال .
ومع ذلك، تُظهر الأبحاث الحديثة أن الرجال يواجهون مستوى الخطر نفسه؛ ويقول خبراء مايو كلينك في هذا الصدد: "يجب على الرجال والنساء، على حد سواء، أن يكونوا على درايةٍ بخطر الإصابة بسرطان الغدة الدرقية."

في مقالة اليوم، نستعرض وإياكِ عزيزتي لكافة المعلومات المتعلقة بمرض سرطان الغدة الدرقية؛ أسبابه، أعراضه وطرق علاجه كما يُقدمها الدكتور إريك مور، جرّاح الرأس والعنق ورئيس قسم طب الأنف والأذن والحنجرة في مايو كلينك بمدينة روتشستر، مينيسوتا، والمدير الطبي في مايو كلينك إنترناشيونال، والدكتور فيكتور ر. بيرنيه، اختصاصي الغدد الصماء في مايو كلينك بولاية فلوريدا.
سرطان الغدة الدرقية: أسباب وعوامل خطر
الغدة الدرقية هي غدةٌ صغيرة تقع في مقدمة العنق، وتلعب دورًا في تنظيم عملية الأيض بالجسم. ويحدث سرطان الغدة الدرقية عندما تطرأ تغييراتٍ في الحمض النووي (DNA) لخلايا الغدة الدرقية.
على مستوى العالم، يُصنَف سرطان الغدة الدرقية بأنه سابع أكثر أنواع السرطان شيوعًا، وفقًا لإحصاءات المرصد العالمي للسرطان. ويقول الدكتور إريك مور، إنّ معظم أنواع سرطان الغدة الدرقية قابلة للعلاج، وقد يكون التدخل الجراحي المحدود خيارًا متاحًا؛ مما يُتيح في بعض الحالات، الإبقاء على جزءٍ كبير من نسيج الغدة الدرقية غير المصاب بالسرطان.
ويُضيف الدكتور مور قائلاً: "بعض أنواع سرطان الغدة الدرقية، رغم ندرتها، تكون شديدة العدوانية ويصعب علاجها. ورغم أن هذه الأنواع كانت تُعتبر في السابق غير قابلة للعلاج، إلا أننا أحرزنا تقدمًا كبيرًا في علاج أكثرها عدوانية؛ وقد أحدثت أبحاثنا وعلاجاتنا تغييراتٍ جذرية في نتائج المرضى المصابين بهذه الأنواع من سرطان الغدة الدرقية."
في معظم الحالات، لا يُعرف سبب التغيرات التي طرأت على الحمض النووي وأدت للإصابة بسرطان الغدة الدرقية. إلا أن التعرّض لمستوياتٍ عالية من الإشعاع، مثل العلاج الإشعاعي لمنطقة الرأس والعنق، قد يزيد من خطر الإصابة؛ كما أن بعض أنواع سرطان الغدة الدرقية قد تكون وراثية وتُورث بين أفراد العائلة.
بالعودة إلى سؤال المقالة الأبرز، هل النساء أكثر عرضة للإصابة بسرطان الغدة الدرقية؟ يُجيب الدكتور مور في السطور التالية..
في الماضي، كان يُعتقد أن النساء يُصبنَ بسرطان الغدة الدرقية أكثر من الرجال. ومع ذلك، تُظهر بياناتٌ أحدث أن النساء غالبًا ما يتم تشخيصهنَ بنوعٍ أقل عدوانية من سرطان الغدة الدرقية، وهو نوع لا يُهدد الحياة نسبيًا. أما في حالات سرطان الغدة الدرقية المتقدّم، فإن مستوى الخطر متساوٍ بين الرجال والنساء.
"الرجال مُعرَضون للخطر أيضًا، لكننا لا نكتشف حالاتهم بالقدر الكافي"، بحسب ما يقول الدكتور فيكتور ر. بيرنيه، اختصاصي الغدد الصماء في مايو كلينك بولاية فلوريدا.
ويضيف: "السبب غير واضح، لكن تُرجّح إحدى النظريات أن النساء أكثر اهتمامًا بصحتهنَ ويلجأنَ لزيارة الطبيب بانتظام؛ مما يؤدي إلى تشخيص المزيد من الحالات بينهنَ." ويوضح الدكتور بيرنيه قائلاً: "لذا، في الواقع، من المحتمل أن النساء لا يتعرضنَ لخطرٍ أعلى كما كنا نظن سابقًا."
سرطان الغدة الدرقية: أعراض وعلاجات
قد لا يُسبَب سرطان الغدة الدرقية أية أعراض في البداية. ولكن مع نموّه، قد يُسبَب هذا السرطان علاماتٍ وأعراضًا معينة، مثل التورم في الرقبة، تغيَرات في الصوت كزيادة البحة، ألم في العنق أو الحلق، وصعوبة في البلع.
معظم الأشخاص المصابين بسرطان الغدة الدرقية، ممن يحتاجون إلى علاج، سيخضعون لعمليةٍ جراحية لإزالة جزءٍ من الغدة الدرقية أو الغدة بأكملها. ويعتمد نوع العملية التي قد يوصي بها فريق الرعاية الصحية لدى المرضى، على نوع سرطان الغدة الدرقية الذي يصيبهم، حجم الورم، وما إذا كان قد انتشر خارج الغدة الدرقية إلى العُقد الليمفاوية، أم لا. كما يأخذ فريق الرعاية الصحية في الحسبان، تفضيلات المرضى عند وضع خطة العلاج.

تشمل العمليات الجراحية المستخدمة لعلاج سرطان الغدة الدرقية ما يلي:
• استئصال الغدة الدرقية بالكامل أو معظمها (استئصال الغدة الدرقية): قد تتضمن العملية الجراحية لإزالة الغدة الدرقية، استئصال نسيج الغدة الدرقية بالكامل (استئصال الغدة الدرقية الكلي) أو استئصال معظم نسيج الغدة (استئصال الغدة الدرقية شبه الكلي). ويترك الجرَاح عادةً حوافًا صغيرة من نسيج الغدة الدرقية حول الغدد الجار درقية لتقليل خطر تلف هذه الغدد، والتي لها دورٌ مساعد وكبير في تنظيم مستويات الكالسيوم بالدم.
• استئصال جزء من الغدة الدرقية (استئصال فص الغدة الدرقية): أثناء استئصال فص الغدة الدرقية، يُزيل الجرَاح نصف الغدة الدرقية؛ وقد يُوصى باستئصال الفص في حال الإصابة بسرطانٍ بطيء النمو في جزءٍ واحد من الغدة الدرقية، ولا توجد عُقيدات مشتبه فيها في أجزاءٍ أخرى من الغدة، كما لا توجد علامات على وجود سرطان في العُقد الليمفاوية.
• إزالة العُقد الليمفاوية في العنق (تشريح العُقد الليمفاوية): عادةً ما ينتشرُ سرطان الغدة الدرقية إلى العُقد الليمفاوية القريبة في العنق؛ وقد يكشف فحص العنق بالموجات فوق الصوتية قبل الجراحة، عن علاماتٍ تُشير إلى أن خلايا السرطان قد انتشرت إلى العُقد الليمفاوية. إذا كان الأمر كذلك، فقد يستأصل الجرَاح بعض العُقد الليمفاوية في العنق لفحصها وتحليلها.
سرطان الغدة الدرقية: سُبل الوقاية
للأسف؛ لا يمكن الوقاية من سرطان الغدة الدرقية بشكلٍ كامل في معظم الحالات، لعدم معرفة السبب الدقيق، ولكن بالإمكان تقليل المخاطر بصورة كبيرة عبر تجنَب التعرض غير الضروري للإشعاع (خاصةً في منطقة الرقبة)، وإجراء فحصٍ جيني للأشخاص الذين لديهم تاريخٌ عائلي لسرطان الغدة الدرقية النخاعي.
كما أن نمط الحياة الصحي، مثل التغذية المتوازنة، يساعد في دعم الصحة العامة. ونُود في نهاية المقالة الإشارة إلى معلومةً هامة ومُثلجة، مفادها أن معظم سرطانات الغدة الدرقية قابلة للشفاء بنسبةٍ عالية جدًا إذا تم اكتشافها مبكرًا.

لذا ندعوكِ عزيزتي لإيلاء أكبر قدرٍ ممكن من العناية بصحتكِ وصحة أحبتكِ، من خلال التركيز على نمط حياةٍ صحي ومتوازن، القيام بالفحوصات الطبية والجينية الضرورية على الدوام، واستشارة الطبيب في حال ملاحظة أية أعراض أو علامات غير طبيعية، يمكن أن تُنذر بالإصابة بسرطان الغدة الدرقية. فالكشف والتشخيص المبكر، هما أساس زيادة فرص العلاج والتخلص من هذا المرض الخطير للاستمتاع بحياةٍ ملؤها الصحة والرفاه.