بين تحسين الصحة والترويج المبالغ على وسائل التواصل: كيف نصلُ للمعلومة الصحية الموثوقة؟
تصوري عزيزتي، لو أنني أعطيتكِ دواءً كنتُ قد جربتهُ بنفسي، وحصلت من خلاله على نتائج جيدة، ونصحتكِ بتناوله لأنه "رائع"؛ هل كنتِ ستسارعين للحصول على هذا الدواء وتناوله، دون معرفة ما إذا كان يُناسب حالتكِ الصحية، ودون أدنى فكرة عن محتوياته وتفاعلاته في الجسم؟ هل ستثقين بي وبتجربتي؟
قد لا تفعلين، بما أنكِ واعيةٌ وناضجة، وتتعاملين مع الأشياء بحكمة وتروٍ؛ لكن للأسف، هناك العديد من النساء الآخريات اللاتي قد يقعنَ في هذا "الفخ" وبسهولة تام. والحقيقة، لا يمكن لوم بعضهنَ؛ فطريقة الترويج المميزة التي نجدها في أيامنا الحالية، وسُبل الإقناع المخيفة التي يُمارسها البعض على منصات التواصل الاجتماعي، قد تدفع بالبعض للأخذ بهذه "النصيحة المجانية" والمدعمة بتجربةٍ فردية.
لكن بعض الرغبة الشديدة في تحسين الصحة، والترويج المبالغ فيه لأدوات الصحة على العالم الافتراضي؛ نقعُ في مصيبةٍ أكبر. وفيما يبدو أن الصحة "تامة الوضوح والسهولة" كما يُصوَرها البعض؛ من الروتين الصباحي ومكملات الطعام إلى تعديلات الهرمونات، العلاج بالضوء الأحمر، الغطس في الماء البارد، أجهزة قياس السكر، ومضادات الالتهاب، تُخبرنا تلك المنصات باستمرار بوجود طريقةٍ أفضل، أسرع وأكثر فعالية للشعور بالراحة.
والسؤال الذي يطرحهُ كثيرون، ونحن منهم: كيف نُفرَق بين الصحة القائمة على الأدلة العلمية واتجاهات وسائل التواصل الاجتماعي؟ لم نجد أفضل من المدربة مي شلهوب، أخصائية تغذية مرخصة ومدربة صحية في فاليو هيلث، لإجابتنا على هذا التساؤل، فكَ رموزه، وتوضيح الصورة الشاملة لكيفية تحسين الصحة دون الوقوع في فخ الترويج غير المنضبط.
فإذا كنتِ عزيزتي تشاطرينا الرأي، وتبحثين عن إجاباتٍ وافية؛ ما عليكِ سوى متابعة القراءة..

تحسين الصحة مقابل الترويج المبالغ فيه للصحة
في نواحٍ عديدة، يُعد تحسين الصحة أمرًا إيجابيًا، وعلى كافة الصُعد. فالنساء اليوم، أصبحنَ أكثر استباقيةً في الاهتمام بصحتهنَ؛ يطرحنَ أسئلةً أفضل، يبحثنَ عن دعمٍ شخصي، ويرفضنَ قبول الإرهاق، الانتفاخ، قلة النوم أو الأعراض الهرمونية على أنها "طبيعية". ويعكس ازدياد الاهتمام بتحسين الصحة تحولًا قويًا: فالنساء يرغبنَ في فهم أجسامهنَ، الوقاية من الأمراض قدر الإمكان، والعيش بمزيدٍ من الطاقة، الصفاء والثقة.
لكن إلى جانب هذا التقدم، يأتي تحدٍ؛ فليس كل ما يُصنَف على أنه "صحة"، يكون قائمًا على الأدلة العلمية. وليست كل صيحةٍ رائجة آمنة أو ضرورية أو مناسبة لكل امرأة، كما ليس كل من يقدم نصائح صحية عبر الإنترنت مؤهلاً لذلك.
فكيف يمكن للمستهلكين التمييز بين الصحة المثلى الحقيقية والضجة الإعلامية؟
تبدأ الصحة المثلى بالأدلة، لا بالخوف.
لا يتعلقُ الأمر بالسعي وراء الكمال، بل باستخدام معلوماتٍ موثوقة، فحوصاتٍ مناسبة، واستراتيجياتٍ شخصية لدعم الجسم على المدى الطويل. وجميعها تُراعي جوانب السيدة كافةً: نمط حياتها، تغذيتها، هرموناتها، صحتها النفسية، نومها، مستوى التوتر لديها، نشاطها البدني، تاريخها الطبي، ومرحلتها العمرية.
أما الضجة الإعلامية، فتعتمد غالبًا على الإلحاح، أو الخوف، أو الوعود غير الواقعية. وقد تُوحي بأن مكملاً غذائياً واحداً، أو برنامجاً للتخلص من السموم، أو نظاماً غذائياً واحداً، أو جهازاً واحداً، قادرٌ على "علاج" مشاكل صحية معقدة. وغالباً ما تُبسَط الجسم بشكلٍ مُفرط، وتُشجع النساء على التشخيص الذاتي بناءً على أعراضٍ قد يكون لها أسبابٌ متعددة.
قواعد تحسين الصحة.. على أسسٍ مُثبتة علميًا
من القواعد الأساسية الجيدة التي يجب البحث عنها: أن الصحة القائمة على الأدلة، تبدو متوازنة، بينما تبدو الضجة الإعلامية مُبالغاً فيها. إذا ادعى أي اتجاهٍ أنه فعال للجميع، أو أنه يحل جميع المشاكل، أو أنه يحقق نتائج مذهلة في أيام، فإنهُ يستحق منكِ دراسة متأنية.
وليكن معلومًا لكِ عزيزتي: وسائل التواصل الاجتماعي هي نقطة انطلاق، وليست تشخيصًا. لقد سهّلت منصاتٌ مثل إنستغرام وتيك توك، الوصول إلى المعلومات الصحية أكثر من أي وقتٍ مضى. فهي تُساعد النساء على تعلّم مصطلحاتٍ جديدة، اكتشاف أعراضٍ ربما لم يفهمنها من قبل، والشعور بأنهنَ أقل وحدةً في تجاربهنَ.

مع ذلك، لا تُغني هذه الوسائل عن الاستشارة الطبية. فالخوارزميات تُكافئ الانتباه، لا الدقة. وغالبًا ما ينتشر المحتوى العاطفي أو الدرامي أو الجذاب بصريًا، أسرع من المحتوى الحذر والمبني على الأدلة. وهذا الأمر بالغ الأهمية في مجال صحة المرأة؛ حيث تُعدّ مواضيع مثل الهرمونات، الخصوبة، الوزن، صحة الجهاز الهضمي، البشرة، فترة ما قبل انقطاع الطمث، والإرهاق مواضيع شخصية للغاية.
قد تجد المرأة نفسها في قائمة الأعراض التي تُشاهدها في مقطع فيديو مدته 30 ثانية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الحل المُقترح هو الأنسب لها. قد يكون للعرض نفسه أسبابٌ عديدة؛ فالإرهاق قد يكون مرتبطًا بقلة النوم، أو التوتر، أو نقص الحديد، أو خلل في وظائف الغدة الدرقية، أو الإرهاق الشديد، أو نقص التغذية، أو الأدوية، أو الاكتئاب، أو مشكلة صحية أخرى. أما الانتفاخ فقد يكون مرتبطًا بالنظام الغذائي، أو الهضم، أو الهرمونات، أو التوتر، أو عدم تحمَل الطعام، أو مشاكل في الجهاز الهضمي. إذن، وبدون سياقٍ مناسب، حتى النصائح الحسنة النية قد تُضلّل الناس.
النصيحة الأهم: تحقّقي من المصدر
في هذه الأوقات، من أهم ما يمكن للمستهلكين فعله هو التحقق من المصدر وفرز من يتابعون على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقبل الأخذ بأي نصيحة، اسألي: من هذا الشخص؟ وما هي مؤهلاته للتحدث في هذا الموضوع؟
عادةً ما يكون الأشخاص ذوو الخلفيات الصحية الحقيقية والمؤهلات المعترف بها، أكثر موثوقيةً من أولئك الذين لا يملكون تدريبًا سريريًا أو علميًا. ابحثي عن أخصائيي تغذية مسجلين، أطباء، صيادلة، أخصائيي علاج طبيعي، أخصائيي علم نفس، ممرضين، أخصائيي تغذية معتمدين، وباحثين، أو غيرهم من الممارسين المرخصين الذين يتسمون بالشفافية بشأن نطاق ممارستهم.
غالبًا ما يكون المهنيون الموثوقون حذرين في اختيار كلماتهم؛ يشرحون الفروق الدقيقة، يقرّون بالقيود، ويشجعون الناس على طلب المشورة الشخصية عند الحاجة. لا يدّعون أن بروتوكولًا واحدًا يُناسب جميع النساء، ولا يضغطون على متابعيهم لشراء شيءٍ ما باعتباره الحل الوحيد.
من المفيد أيضًا السؤال عما إذا كان الشخص يبيع منتجًا أو خدمة. لا يجعل البيع الشخص غير جديرٍ بالثقة بالضرورة، ولكنه يُنشئ تضاربًا محتملاً في المصالح. إذا كانت كل نصيحةٍ تُفضي إلى مُكمّل غذائي أو اختبار أو دورة تدريبية أو جهاز، فعلى المستهلكين التريث وتقييم الدافع وراء الرسالة.
ابحثي عن الأدلة العلمية، ولكن افهمي أولًا المعنى الحقيقي لكلمة "دليل".
عبارة "مدعوم علميًا" شائعة، ولكن قد تُستخدم بشكلٍ فضفاض. قد يدّعي منتجٌ ما أنه مدعوم علميًا لمجرد دراسة أحد مكوناته في تجربةٍ صغيرة، أو لوجود أبحاثٍ على فئة سكانية أو بجرعة مختلفة تمامًا.
يأتي الدليل الجيد عادةً من دراساتٍ متعددة عالية الجودة، وليس من دراسةٍ واحدة معزولة.
الادعاء، هو أيضاً مُحدَد. تعتمد الأدلة على فعالية عنصر غذائي أو علاج أو تدخل على الجرعة، المدة، الفئة السكانية، الحالة الصحية والنتيجة. على سبيل المثال، تحظى تمارين تقوية العضلات بدعمٍ قوي لصحة التمثيل الغذائي لدى النساء، كثافة العظام، القدرة على الحركة، والرفاهية على المدى الطويل. فيما يُعدَ النوم، التغذية المتوازنة، البروتين الكافي، إدارة التوتر والحركة المنتظمة تدخلاتٍ أساسية في مسار تحسين الصحة، كونها مرتبطةٌ باستمرار بنتائج صحية أفضل.

في المقابل، قد تكون بعض الممارسات الشائعة ذات أدلةٍ محدودة، أو أدلة في مراحلها المبكرة، أو فوائدها مقتصرة على فئات معينة. هذا لا يعني بالضرورة أنها عديمة الفائدة، ولكنه يعني أنه ينبغي التعامل معها بتوقعاتٍ واقعية.
لا ينبغي أن يبدأ تحسين الصحة بالخيار الأكثر تكلفة أو تعقيداً. غالباً ما تكون التدخلات الأكثر فعالية هي الأقل جاذبية: النوم، الغذاء المغذي، الترطيب، الحركة، أشعة الشمس، التواصل الهادف، الفحوصات الطبية، وتنظيم التوتر.
والتخصيص مهم، خاصةً للنساء؛ فصحة المرأة ليست حلاً واحداً يُناسب الجميع. قد لا يكون اتباع نظامٍ غذائي صحي مفيد لشخص ما، مناسبًا لشخصٍ آخر، وذلك تبعًا للعمر، الهرمونات، حالة الحمل، الدورة الشهرية، التاريخ الطبي، الأدوية، مستويات التوتر، ونمط الحياة. وينطبق هذا بشكلٍ خاص على الحميات الغذائية المُقيَدة، بروتوكولات الصيام، التمارين الرياضية المُكثَفة، واستخدام المكملات الغذائية. فما يبدو "مُنضبطًا" على الإنترنت، قد لا يكون مفيدًا لمن لديه تاريخٌ من اضطرابات الأكل، أو اختلال التوازن الهرموني، أو التوتر المزمن، أو نقص الحديد، أو مشاكل الخصوبة، أو أعراض ما قبل انقطاع الطمث.
يجب أن يُشعر تحسين الصحة المرأة، بمزيدٍ من التواصل مع جسدها، لا أن يزيد من قلقها بشأنه. وينبغي أن يدعم طاقتها، وظائفها الحيوية، ثقتها بنفسها، وقدرتها على التحمل. كما لا ينبغي أن يُثير الخوف من الطعام، أو الخجل من الأعراض، أو الضغط عليها لمتابعة حالتها الصحية، قياسها وتحسينها باستمرار.
علاماتٌ تحذيرية يجب التنبه إليها
ينبغي على المستهلكين توخي الحذر عندما يتضمن نظامٌ غذائي صحي وعودًا مبالغًا فيها، مثل "موازنة هرموناتكِ فورًا"، أو "تطهير جسمكِ من السموم"، أو "إعادة ضبط عملية الأيض"، أو "التخلص من الانتفاخ نهائيًا". فالجسم مُعقَد، ونادرًا ما يأتي الدعم الصحي الحقيقي بضماناتٍ مُطلقة.

تشمل المؤشرات التحذيرية الأخرى، النصائح التي تُشجع على التوقف عن تناول الأدوية الموصوفة دون إشرافٍ طبي، أو الترويج لتقييدٍ مُفرط، أو تجاهل الرعاية الصحية السائدة تمامًا، أو الإيحاء بأن جميع الأعراض ناتجة عن مشكلة واحدة.
قد تكون شهادات المريضات مُقنعة، لا شك في ذلك؛ لكنها ليست دليلًا قاطعًا على أنها تُناسبكِ أيضًا. وقد تكون قصة تحوّل شخصٍ ما حقيقية، لكنها لا تؤكد أن النهج نفسه سينجح بأمان مع الجميع.
مؤشرات إيجابية لنصائح صحية موثوقة
تميل الإرشادات الصحية الموثوقة إلى أن تكون عملية، متوازنة وواقعية. فهي توضح من قد يستفيد من التدخل، من يجب عليه تجنبه، ومتى يجب طلب الدعم المتخصص. كما تُقرَ بأن الصحة تتأثر بعوامل عديدة، منها العوامل البيولوجية والبيئية، سهولة الوصول إلى الخدمات الصحية، التوتر، الثقافة، والمرحلة العمرية.
لن يجعلكِ الخبير الموثوق تشعرين بالحرج من طرح الأسئلة، بل سيرحب بفضولكِ؛ سيوضح لكِ ما هو معروف، ما هو قيد البحث، وما يحتاج إلى تخصيص. كما سيُذكَركِ بأن الأعراض إشارات وليست فشلًا. بالنسبة للنساء على وجه الخصوص، يُعدّ الاستماع إليهنَ وتقييم حالتهنَ بشكلٍ صحيح، جزءًا أساسيًا من تحسين صحتهنَ.
مستقبل الصحة والعافية قائم على المعرفة، لا على التأثر
الهدف ليس رفض كل صيحةٍ جديدة، فبعض الابتكارات في مجال الصحة والعافية قد تكون قيّمة، ويمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تُساعد في نشر معلوماتٍ مفيدة. الهدف هو أن نصبح مستهلكاتٍ أكثر وعيًا.
وقبل تجربة أي إجراء جديد، اسألي نفسكِ هذه الأسئلة:
هل هذا الإجراء مدعوم بأدلة موثوقة؟
هل الشخص الذي يشاركه مؤهل؟
هل هو مناسب لجسمي، تاريخي الصحي ومرحلتي العمرية الحالية؟
هل هناك خطر حدوث ضررٍ، أو تأخير في التشخيص، أو تكلفة غير ضرورية؟
هل أختارُ هذا الإجراء بدافع التمكين، أم بدافع الخوف؟
في الخلاصة؛ يجب أن يكون تحسين الصحة بمثابة رعاية ذاتية واعية، لا تصحيحًا ذاتيًا مستمرًا. كما يجب أن يساعد النساء على بناء علاقة أقوى مع أجسادهنَ، لا أن ينجذبنَ وراء كل وعدٍ جديد يظهر على الإنترنت.