عيد الحب والأكل العاطفي: التعامل الصحي مع المشاعر
أثناء الاحتفالات بعيد الحب، لا يقتصر الأمر على التعبير عن المشاعر وتقديم الهدايا والورود وتبادل الرسائل الرومانسية فقط، فالصورة ليست واحدة عند الجميع. في الوقت الذي يعيش فيه البعض أجواء دافئة مع الشريك، هناك عدد من الأشخاص لا يشاركون هذه التفاصيل، ويقضون اليوم بمفردهم دون وجود شخص قريب يتبادلون معه هذه المشاعر الإيجابية. وبين الزحام العاطفي المحيط بهم، تتسلل مشاعر الوحدة أو الفراغ بهدوء.
ومع تصاعد هذه المشاعر، يبدأ سلوك آخر في الظهور دون وعي. في مثل هذه الأوقات، يجد البعض أنفسهم يفتحون الثلاجة بلا تفكير، أو يطلبون وجبة سريعة مليئة بالسعرات الحرارية، وكأن الطعام أصبح لغة بديلة للتعبير عن مشاعر لا تجد من يصغي إليها. هنا، يتحول الأكل من مجرد عادة يومية إلى وسيلة للبحث عن الراحة والاحتواء، ليظهر مفهوم “الأكل العاطفي”، ذلك السلوك الذي يصبح فيه الطعام شريكًا يمنح شعورًا مؤقتًا بالسعادة والحب والفرح.
ومن هنا، يصبح من الضروري التوقف قليلًا لفهم ما يحدث داخلنا. وفي هذا السياق، تكشف دكتورة هبة عبد الحكيم، استشاري التغذية العلاجية وأمراض السمنة والنحافة، عن مفهوم الأكل العاطفي وعلاقته باحتفالات عيد الحب، موضحة في لقاء خاص مع “هي” أبرز أسبابه، وطرق التمييز بينه وبين الجوع الحقيقي، إلى جانب تقديم طرق صحية للتعامل مع هذه المشاعر دون إيذاء الجسم.
عيد الحب ولماذا نلجأ للطعام؟

يأتي عيد الحب كل عام وهو يحمل معه توقعات عالية، تبدأ من شكل الاحتفال، مرورًا بالهدية المنتظرة، وحتى طريقة التعبير عن المشاعر وتجديد الحب. وعندما لا تتحقق هذه التوقعات، أو تأتي أقل مما ننتظر، يظهر التوتر والإحباط بهدوء، ليبحث الشخص عن وسيلة سريعة تمنحه الإحساس بالراحة والاحتواء. في هذه اللحظة، يصبح تناول المزيد من الطعام هو الخيار الأسهل والأقرب.
وتوضح دكتورة هبة أن المخ في هذه الحالات يفرز هرمونات وإشارات تجعل اختيارات الطعام تميل غالبًا إلى السكريات والدهون، لأنها تحفّز إفراز هرمونات مرتبطة بالسعادة وتحسين المزاج. لكن هذه المشاعر الإيجابية لا تدوم طويلًا، إذ تكون مؤقتة وسرعان ما تتلاشى، ليشعر الشخص بتحسن لحظي يعقبه عودة مشاعر الحزن أو الإحباط من جديد.
ما هو الأكل العاطفي؟
ولتوضيح الصورة بشكل أدق، تشير استشاري التغذية العلاجية إلى أن الأكل العاطفي غالبًا ما يكون استجابة لمشاعر معينة مثل الحزن، الملل، التوتر، أو حتى الفرح الزائد، وليس نتيجة شعور حقيقي بالجوع أو حاجة الجسم للطاقة.
وهنا، تكمن المشكلة الحقيقية. فالأمر لا يتعلق بالطعام في حد ذاته، بل باستخدامه كوسيلة أساسية للتعامل مع المشاعر. ومع تكرار هذا السلوك، تزداد الاختيارات غير الصحية، ما يؤدي إلى زيادة الوزن، وقد يتطور الأمر لاحقًا إلى اضطرابات في علاقة الشخص مع الطعام، فيتحول الأكل من متعة طبيعية إلى مصدر ضغط وذنب.
الفرق بين الجوع الحقيقي والجوع النفسي
ومن أجل كسر هذه الدائرة، توضح دكتورة هبة أن أول خطوة للتعامل مع الأكل العاطفي هي التفرقة بين نوعي الجوع.
فالجوع الحقيقي يظهر بشكل تدريجي، ويمكن تأجيله لبعض الوقت، ويرتبط بأعراض جسدية واضحة مثل قرقرة المعدة أو الشعور بالإرهاق، ويُشبع بأي طعام متوازن دون اشتراط نوع معين.
أما الجوع النفسي، أو ما يُعرف بالجوع العاطفي، فيظهر فجأة، ويكون مرتبطًا برغبة ملحّة في نوع محدد من الطعام، وغالبًا ما يكون اختيارًا غير صحي. وتشير دكتورة هبة إلى أنه رغم تناول كميات كبيرة في بعض الأحيان، فإن هذا النوع من الجوع لا يختفي بعد الامتلاء، بل يتبعه شعور بالذنب أو الندم.
وتؤكد أن إدراك هذا الفرق يمنح الشخص لحظة وعي قبل تناول الطعام، لطرح سؤال صادق مع النفس: "هل أنا جائع فعلًا أم أبحث عن شعور مفقود؟". عندها، يكون أمامه خياران؛ إما إنقاذ نفسه والبحث عن وسيلة أخرى للتعامل مع مشاعره، أو الاستسلام للأكل والدخول في حلقة مفرغة.
لماذا يزيد الأكل العاطفي في المناسبات؟

المناسبات مثل عيد الحب تضع المشاعر في أقصى حالاتها. المقارنات، الذكريات، والضغط الاجتماعي للاحتفال، كلها عوامل ترفع مستوى التوتر، وتجعل الطعام وسيلة سهلة للهروب أو تعويض ما نشعر بنقصه. ومع تكرار هذا السلوك، يتحول الأكل العاطفي إلى عادة مرتبطة بكل موقف عاطفي قوي يمر به الشخص.
بدائل صحية للتعامل مع المشاعر
وفي هذا الإطار، تنصح دكتورة هبة بتجربة بدائل صحية تحقق نفس الهدف العاطفي دون الإضرار بالصحة، ومن أبرزها:
التعبير عن المشاعر: من خلال كتابة ما نشعر به أو التحدث مع شخص موثوق.
الحركة: كالمشي الخفيف أو التمارين البسيطة، التي تساعد على تفريغ التوتر وتشتيت الشعور بالجوع.
الاهتمام بالذات: مثل أخذ حمام دافئ، الاستماع إلى موسيقى مفضلة، أو قراءة كتاب.
الوعي بأهمية الحفاظ على الصحة: التوقف لدقيقة والتنفس بعمق قبل الأكل، لكسر سلوك الأكل العاطفي.
علاقة صحية مع الطعام في عيد الحب
وفي ختام حديثها، تؤكد دكتورة هبة أن الطعام ليس عدوًا، لكنه أيضًا ليس الحل السحري لكل المشاعر. فالعلاقة الصحية مع الطعام تبدأ بالإصغاء لمشاعرنا والتعامل معها بوعي. الراحة النفسية تنبع من الحب الحقيقي للذات، وفهم الاحتياجات النفسية والجسدية، لذلك شددت على ضرورة عدم الانسياق وراء الرغبة في تناول الطعام دون وجود شعور حقيقي بالجوع.
خلاصة القول
في عيد الحب، تزداد المشاعر وتختلف التجارب بين من يحتفلون بالحب ومن يمرون باليوم بشعور من الوحدة أو الفراغ العاطفي، ما يدفع البعض لاستخدام الطعام كوسيلة مؤقتة للراحة والاحتواء. وهنا يظهر الأكل العاطفي، الذي لا يرتبط بالجوع الحقيقي بقدر ما يعكس محاولة للهروب من المشاعر، لكن التفرقة بين الجوع النفسي والجوع الحقيقي تُعد خطوة أساسية لاستعادة التوازن.