اضطرابات الغدة الدرقية لدى المشاهير.. زيادة وزن واكتئاب وإرهاق
تُعد الغدة الدرقية واحدة من أكثر الغدد تأثيرًا على توازن الجسم وصحته العامة، ورغم صِغر حجمها، فإن اضطرابها قد يتسبب في سلسلة من التغيرات الجسدية والنفسية التي لا تُرى بالعين المجردة.
وفي السنوات الأخيرة، لم يعد هذا المرض حبيس العيادات الطبية فقط، بل خرج إلى دائرة الضوء، بعدما كشف عدد من المشاهير عن إصابتهم باضطرابات الغدة الدرقية، متحدثين عن معاناتهم مع زيادة الوزن، والاكتئاب، والإرهاق المزمن، رغم حياتهم المليئة بالأضواء.
هذه الاعترافات لم تكن مجرد حكايات شخصية، بل فتحت الباب أمام تساؤلات أوسع، وأعادت النقاش حول مرض شائع، لكنه في كثير من الأحيان لا يتم فهمه أو تشخيصه بالشكل الصحيح، وهو ما يجعل التوعية به ضرورة لا رفاهية، ومن هنا، تبدأ الحكايات الإنسانية التي قربت المرض من الناس أكثر.
وهنا يبرز السؤال نفسه: كيف ينعكس هذا الخلل الهرموني على من يعيشون تحت الأضواء طوال الوقت؟ وكيف تبدو المعاناة حين يكون صاحبها مطالبًا دائمًا بالظهور في أفضل صورة أمام الجمهور؟
مشاهير تحدثوا عن معاناتهم مع الغدة الدرقية

في عام 2018، كشفت عارضة الأزياء العالمية جيجي حديد عن إصابتها بمرض "هاشيموتو"، أحد أمراض خمول الغدة الدرقية. وأوضحت أن التغيرات في وزنها ومستوى طاقتها لم تكن نتيجة نمط حياتها كما كان يُشاع، بل بسبب اضطراب هرموني خارج عن إرادتها.
ومع الوقت، قررت جيجي أن تكشف تفاصيل التجربة كاملة، موضحة أن الأدوية التي كانت تتناولها لعلاج الغدة تسببت في زيادة وزنها بشكل ملحوظ، نتيجة احتباس السوائل داخل الجسم، إلا أنها تدريجيًا استطاعت العودة إلى وزنها الطبيعي مع انتظام العلاج.
قصة جيجي تكشف جانبًا من الصراع الخفي بين الجسد والهرمونات، لكنها ليست التجربة الوحيدة، فهناك من خاض المعركة نفسها لسنوات طويلة قبل أن يكتشف السبب الحقيقي وراء تقلبات وزنه وحالته النفسية.
ولم تكن جيجي وحدها من كسرت حاجز الصمت، إذ تحدثت الإعلامية الشهيرة أوبرا وينفري بجرأة عن معاناتها الطويلة مع تقلبات الوزن المرتبطة باضطرابات الغدة الدرقية. وأكدت أن الأمر يتجاوز حساب السعرات الحرارية والرياضة، موضحة أن الفحوصات الطبية كانت نقطة التحول التي جعلتها تفهم طبيعة مشكلتها الصحية وتتعامل معها بوعي.
هذه الاعترافات، كما تؤكد أوبرا، ساهمت في كسر الوصمة المرتبطة بزيادة الوزن، وأرسلت رسالة واضحة مفادها أن المرض قد يصيب أي شخص، مهما بدا ناجحًا أو صحيًا من الخارج.
وهكذا، تتحول الاعترافات الفردية إلى صورة جماعية لمعاناة متشابهة، تدفعنا للبحث عن الجذور العلمية لهذا التأثير العميق.
لكن بعد هذه القصص، يبقى السؤال الأهم: ما هي الغدة الدرقية أصلًا؟ ولماذا كل هذا التأثير؟
ما هي الغدة الدرقية وما مدى أهميتها؟

الغدة الدرقية هي غدة صغيرة على شكل فراشة تقع في مقدمة الرقبة، لكنها تتحكم في وظائف حيوية كبرى، من خلال إفراز هرمونات أساسية تنظم معدل الأيض، ودرجة حرارة الجسم، ونبضات القلب، ومستوى الطاقة، وحتى الحالة المزاجية.
وتؤكد دكتورة رانيا خضير، استشاري الباطنة والغدد الصماء، أن أي خلل في إفراز هذه الهرمونات، سواء بالزيادة أو النقصان، ينعكس على معظم أجهزة الجسم، وهو ما يفسر تنوع الأعراض، وصعوبة ربطها بالغدة الدرقية بشكل مباشر.
ومع هذا الدور المحوري في ضبط إيقاع الجسد، يصبح من الطبيعي أن يؤدي أي خلل، ولو كان بسيطًا، إلى سلسلة من الاضطرابات التي تختلف في صورتها وحدّتها من شخص لآخر.
ومع هذا التأثير الواسع، تتعدد أشكال الاضطراب نفسها.
أنواع اضطرابات الغدة الدرقية
تنقسم اضطرابات الغدة الدرقية بشكل رئيسي إلى نوعين:
1- خمول الغدة الدرقية: عندما تقل إفرازات الهرمونات عن المعدل الطبيعي.
2- نشاط الغدة الدرقية: عندما تفرز الغدة كميات زائدة من الهرمونات.
لكن هذا الخلل لا يظهر فجأة، بل تقف خلفه عوامل متعددة تتداخل فيها الوراثة مع التغيرات الهرمونية ونمط الحياة.
لكن الوصول إلى هذا الخلل لا يحدث من فراغ، فهناك أسباب متعددة تقف خلفه.
أسباب اضطرابات الغدة الدرقية
تكشف دكتورة رانيا خضير أن هناك العديد من العوامل التي قد تؤدي إلى الإصابة باضطرابات الغدة الدرقية، مشيرة إلى أن بعضها وراثي، والبعض الآخر يرتبط بنمط الحياة أو التغيرات الهرمونية، ومن أبرزها:

- أمراض مناعية ذاتية مثل هاشيموتو وغريفز.
- عوامل وراثية وتاريخ عائلي للمرض.
- اضطرابات هرمونية بعد الحمل أو الولادة.
- نقص أو زيادة اليود في الغذاء.
- التوتر المزمن والضغط النفسي.
- بعض العلاجات الطبية أو الإشعاعية.
ورغم وضوح هذه العوامل طبيًا، تبقى رحلة الاكتشاف هي الأصعب، لأن الجسد لا يعلن شكواه دائمًا بصوت مرتفع.
ورغم كل هذه الأسباب، تبقى المشكلة الأكبر أن الأعراض لا تكون واضحة دائمًا.
لماذا تعتبر أعراض الغدة الدرقية خفية؟
توضح دكتورة رانيا أن تشخيص مرض الغدة الدرقية غالبًا لا يتم من خلال الفحص السريري فقط، بل يحتاج إلى تحاليل دقيقة لقياس الهرمونات، وأحيانًا فحوصات بالموجات فوق الصوتية.
ويرجع ذلك إلى أن الأعراض تختلف حسب نوع الاضطراب، لكنها غالبًا ما تكون عامة ومربكة، وقد تُنسب إلى الإرهاق أو الضغط اليومي، ومن بينها:
- إرهاق دائم رغم الراحة.
- زيادة أو فقدان وزن غير مبرر.
- اكتئاب، قلق، وتقلبات مزاجية.
- تساقط الشعر وجفاف البشرة.
- اضطرابات النوم والتركيز.
- خفقان القلب بسرعة.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يبدأ الخلط بين المفاهيم، وتختلط المؤشرات الهرمونية بتفسيرات يومية قد تُبعد المريض عن التشخيص الصحيح.
وهنا يقع كثيرون في فخ التفسيرات الخاطئة.
ما الفرق بين خمول ونشاط الغدة؟
تشير دكتورة رانيا إلى أن من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا الاعتقاد بأن كل زيادة وزن سببها خمول الغدة، أو أن كل نحافة ناتجة عن نشاطها. وتؤكد أن التغيرات في الوزن غالبًا ما تكون محدودة، ولا يمكن الاعتماد عليها وحدها لتشخيص الاضطراب.
كما تلفت إلى أن التعب الدائم لا يعني بالضرورة كسلًا أو قلة نوم، بل قد يكون مؤشرًا هرمونيًا يحتاج فقط إلى فحص بسيط، مشددة على أن فهم الفروق بين الخمول والنشاط خطوة أساسية في رحلة العلاج.
فحين تتضح الصورة وتُفهم الإشارات التي يرسلها الجسد، يصبح الطريق ممهّدًا للانتقال إلى مرحلة التعامل والعلاج.
وبعد الفهم، تأتي المرحلة الأهم: كيف يتم العلاج؟
علاج اضطرابات الغدة الدرقية
تؤكد استشاري الباطنة والغدد الصماء أن خطة العلاج تعتمد بشكل أساسي على نوع الاضطراب. ففي حالات خمول الغدة، يتم العلاج بتناول هرمون تعويضي يومي يساعد على تنظيم مستوى الهرمونات في الجسم.
أما في حالات نشاط الغدة الدرقية، فيكون العلاج من خلال الأدوية المثبطة، وقد يتم اللجوء إلى التدخل الجراحي في بعض الحالات. ومع الالتزام بالعلاج والمتابعة المنتظمة، تؤكد دكتورة رانيا أن معظم المرضى قادرون على عيش حياة طبيعية تمامًا.
خلاصة القول
اضطرابات الغدة الدرقية ليست مجرد مشكلة طبية، بل تجربة إنسانية قد تؤثر على الجسد والنفس معًا. وقصص المشاهير تؤكد أن المرض لا يميّز بين الناس، وأن التشخيص المبكر والوعي هما مفتاح التعايش الصحي معه، وفي العديد من الحالات قد يصعب التشخيص في البداية بسبب أن الأعراض عامة ومتشابهة.