أكثر من مجرد العطش: تأثير الجفاف على صحة القلب.. كما يشرحها خبير من مايو كلينك
الجفاف في الصيف ليس مجرد نقص في الماء؛ إنه ضغطٌ كامل على أجهزة الجسم، من الدماغ إلى القلب والجلد. وفي حرارة دبي ورطوبتها، يصبح الجفاف أكثر حدّةً؛ لأن الجسم يفقد السوائل بسرعة أكبر عبر التعرّق، حتى دون أن نلاحظ ذلك.
تزيد الحرارة والرطوبة التعرّق، ما يؤدي إلى فقدان الماء والأملاح مثل الصوديوم والبوتاسيوم؛ في المقابل ترفع الشمس القوية حرارة الجسم الداخلية، فيبدأ نظام التبريد الطبيعي (التعرّق) بالعمل بشكلٍ مضاعف. وقلة الشعور بالعطش في الحرّ تجعل كثيرين يشربون أقل مما يحتاجون فعلاً، وهو ما يؤدي إلى الجفاف.
قد يعتقد البعض أن الجفاف الخفيف لا يُسبَب أية مشاكل، وهم محقون في ذلك؛ لكن الجفاف الدائم والشديد قد يُخلَف آثارًا سلبية على الجسم ككل. منها التأثير السلبي والمباشر على صحة القلب والدورة الدموية؛ إذ أن انخفاض السوائل قد يؤدي إلى هبوط ضغط الدم، ما يُسبَب الدوخة أو الإغماء. وفي حالاتٍ معينة، يحاول الجسم التعويض، فيرتفع الضغط فجأة.
بتعبيرٍ آخر؛ يتجاوز تأثير الجفاف مجرد الشعور بالعطش. إذ يمكن أن يضع ضغطًا إضافيًا على القلب والأوعية الدموية، كما يوضح برودي مارثالر، طبيب القلب في نظام مايو كلينك الصحي في أو كلير.
نتعرفُ في مقالة اليوم على تأثير الجفاف على صحة القلب، وكيفية علاجه؛ بالإضافة إلى تداعياته السلبية على الصحة وكيف نحمي أنفسنا منه، خصوصًا في ظل ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة حاليًا في دولة الإمارات.

ما هو تأثير الجفاف على القلب؟
يقول الدكتور مارثالر: "فكّري في القلب باعتباره مضخة؛ ولكي تعمل هذه المضخة بشكلٍ سليم، يجب أن تعود إليها كميةٌ كافية من الدم مع كل نبضة. لكن عند الإصابة بالجفاف، تقلَ كمية السوائل التي تسري في مجرى الدم، وهو ما يعني عودة كمية أقل من الدم إلى القلب، وبالتالي يضطر الأخير لبذل جهدٍ أكبر للحفاظ على تدفق الدم عبر سائر الجسم."
على المقلب الآخر؛ يمتلك الجسم آلياتٍ طبيعية للتعامل مع الجفاف، منها تضيَق الأوعية الدموية، للمساعدة في الحفاظ على ضغط الدم، وازدياد معدل ضربات القلب للحفاظ على تدفق الدم. ولكن إذا زادت شدة الجفاف، فهذه الاستجابات التلقائية تبدأ في التداعي؛ ونتيجةً لذلك، قد لا تتلقى بعض الأعضاء مثل الدماغ، الكلى، الكبد والجهاز الهضمي كميةً كافية من الدم لأداء وظائفها بصورة سليمة.
ما هي أعراض الجفاف وعوامل الخطورة؟
مع تفاقم الجفاف، قد تشمل الأعراض:
• تسارع نبضات القلب أو الخفقان.
• التعب
• الدُوار
• الدوخة
• تغيرات في الرؤية
• ضيق النفس
• ضيق في الصدر.
ويشرح الدكتور مارثالر: "إذا أصبح الجفاف شديدًا، فقد يؤدي ذلك إلى الإصابة بضربة حرارة أو إغماء، وهي حالاتٌ طبية طارئة يجب فحصها من قِبل اختصاصي الرعاية الصحية فورًا."

أي شخص مُعرَض للإصابة بالجفاف، يضيف مارثالر؛ ولكن بعض الأشخاص هم أكثر عرضةً من غيرهم، منهم:
• البالغون الأكبر سنًا
• الأطفال
• الرياضيون
• العمال الذين يعملون في أماكن مفتوحة
• الأشخاص المصابون بأحد أمراض القلب
• الأشخاص الذين يتناولون أدوية معينة.
ينصح الدكتور مارثالر قائلًا: "يجب على الأشخاص المصابين بفشل القلب أو غيره من أمراض القلب أن يكونوا أكثر حرصًا، لأن قلوبهم قد لا تمتلك القدرة الكافية لتحمّل الضغط الإضافي الذي يُسبَبه الجفاف. كما أن الكثير منهم يتناول أدويةً تساعد الجسم على التخلص من السوائل، أو تُخفَض ضغط الدم، أو تُبطئ معدل ضربات القلب، مما قد يحد من قدرة الجسم المعتادة على التعويض."

كيف أحافظ على ترطيب الجسم وأتجنب مضاعفات الجفاف؟
في الحقيقة؛ لا توجد نصيحة واحدة تُناسب الجميع فيما يخص كمية المياه التي يحتاجها كل شخص. فبالنسبة للأشخاص الأصحاء، يُعدَ الشعور بالعطش مؤشرًا موثوقًا؛ لذلك، إذا شعرتِ بالعطش، فاشربي؛ وإذا كنتِ تعلمين مقدمًا أنكِ ستقضين بعض الوقت في الخارج أو ستتمرنين لمدة طويلة تحت أشعة الشمس، فاشربي كمية إضافية من السوائل مسبقًا.
مع ذلك، قد لا يكون إدراك الإصابة بالجفاف أمرًا سهلًا دائمًا، لذلك من المفيد التنبه للمؤشرات.
فقد يشير جفاف الفم والجلد، البول الداكن أو البول الرغوي، أو الشعور بحرقان أثناء التبَول إلى حاجتكِ لشرب المزيد من السوائل. ويُعدَ الانتباه إلى لون البول أحد أبسط الطرق لمتابعة مستوى الترطيب؛ فالبول الفاتح أو الصافي يشير بشكلٍ عام إلى أن الجسم لديه ما يكفي من السوائل، بينما يشير البول الداكن إلى أنكِ بحاجة للمزيد من السوائل.
ويُعدَ الماء الاختيار الأول والأمثل للحفاظ على ترطيب الجسم؛ ولكن في حال كنتِ مصابةً بحالة شديدة من الجفاف، فقد لا يكون الماء وحده كافيًا. فالدم يحتوي على أنواعٍ من الكهارل مثل الصوديوم، البوتاسيوم والمغنيسيوم؛ وقد يساعد شرب الماء مع تناول شيءٍ مملح، على تعويض السوائل والأملاح المفقودة. كما قد يستفيد الأشخاص الذين يمارسون تمارين رياضية لفتراتٍ ممتدة أو أنشطة، تتطلب قدرة على التحمل، من المشروبات الرياضية التي تحتوي على الكهارل.
قد تساهم المشروبات المحتوية على الكافيين في الإصابة بالجفاف. فإذا كنتِ تسعين لترطيب جسمكِ، ابدأي بشرب الماء أو المشروبات الغنية بالإلكتروليتات بدلاً من المشروبات السكرية أو الغازية. ويقول الدكتور مارثالر: "إن أفضل طريقة للوقاية من الجفاف هو أن تستعدي له. اجعلي شرب السوائل بانتظام جزءًا من عاداتك اليومية؛ وتذكري أن شرب كمياتٍ صغيرة على مدار اليوم قد يكون أكثر فاعلية من شرب كميةٍ كبيرة مرة واحدة. إذا كنتِ تنوين القيام بأعمال البستنة أو ممارسة الرياضة أو العمل في الجو الحار أو الرطب، فخططي مسبقًا، انتبهي لحالة جسمكِ، وعدّلي من أنشطتكِ عند الضرورة."
والأهم من ذلك، أن تكوني على دراية بعوامل الخطورة لديكِ. فإذا كنتِ من كبار السن أو مصابة بأحد أمراض القلب أو تتناولين أدويةً تؤثر في توازن السوائل في الجسم، فقد يلزم إيلاء اهتمامٌ خاص بالحفاظ على رطوبة جسمكِ.

ما هو تأثير الجفاف على الصحة ككل؟
كما أسلفنا؛ لا يقتصرُ تأثير الجفاف على القلب فحسب. بل إن معظم أجهزة الجسم تكون عرضةً لمضاعفات قلة الماء والكهارل في الجسم. وإليكِ التفاصيل:
1. تأثير الجفاف على الدماغ
يتمثل في الصداع، الدوخة، ضعف التركيز والتشوش الذهني. الجفاف الخفيف يمكن أن يُبطئ التفكير بنسبةٍ ملحوظة ويزيد الشعور بالتعب؛ كما قد يؤدي الجفاف إلى الغثيان بسبب اضطراب الإشارات العصبية.
2. اضطراب الأملاح في الجسم
الجفاف لا يعني فقدان الماء فقط، بل أيضاً فقدان الصوديوم والبوتاسيوم الضروريان لعمل العضلات والأعصاب. وبالتالي فإن اختلال الأملاح في الجسم قد يؤدي إلى تشنجاتٍ عضلية أو نوبات في الحالات الشديدة.
3. تأثير الجفاف على الجلد
يصبح الجلد باهتاً وجافاً بسبب نقص الماء في الطبقات السطحية. إذ يقل تدفق الدم إلى الجلد، ما يُضعف مرونته؛ وخلال الصيف، يتضاعف الضرر مع الشمس، فتزداد الخطوط الدقيقة والتصبغات.
4. تأثير الجفاف على الكلى
الجفاف المتكرر قد يُسبَب التهاباتٍ بولية، حصى الكلى، أو فشل كلوي في الحالات الشديدة.
ما هي علامات الجفاف التي يجب الانتباه لها؟
الاكتشاف المبكر للجفاف، كما هو الحال مع أي مشكلةٍ صحية أخرى، يُسهم بشكلٍ كبير في تجنب مضاعفاته وعلاجها. لذا من الضروري التنبه للعلامات التالية للجفاف:
• عطش شديد
• صداع، دوخة، إرهاق
• جفاف الفم والشفاه
• قلة التبول أو بول داكن اللون
• تسارع ضربات القلب
• تشوش أو صعوبة في التركيز.
كيف نحمي أنفسنا من الجفاف في صيف دبي؟
يُعدَ شهر أغسطس من أقسى أشهر الصيف في دبي والإمارات، وحتى في دول الخليج ومعظم دول العالم؛ لذا فالوقاية هي أفضل السُبل لتجاوز هذا الشهر بأقل الأضرار.
وينصحكِ الخبراء بحماية نفسكِ من الجفاف في الصيف باتباع التالي:
1. شرب الماء قبل الشعور بالعطش.
2. زيادة السوائل عند التعرض للشمس أو ممارسة الرياضة.
3. تجنَب المشروبات السكرية والكافيين لأنها تزيد فقدان السوائل.
4. تناول أطعمة غنية بالماء: بطيخ، خيار، لبن، وسلطات.
5. مراقبة لون البول: كلما كان أفتح، كان الجسم أفضل ترطيباً.
في الختام؛ فإن الجفاف يضغط على القلب ويُربك وظائف الجسم بالكامل. وعندما ينخفض مستوى السوائل في الجسم، يتراجع حجم الدم، يرتفع نبض القلب، تتشوّش وظائف الدماغ، وتضعف قدرة الكلى والعضلات على العمل بكفاءة. وهذا التأثير يبدأ عند فقدان 1–2% فقط من ماء الجسم ويزداد خطورةً مع استمرار الجفاف.
لذا فإن التخطيط المسبق، الانتباه إلى الإشارات التي يصدرها جسمكِ، والتعرف على مؤشرات الجفاف، كلها أمور يمكن أن تساعد في حماية قلبكِ وصحتكِ بشكلٍ عام.