كيف سيبدو طبيبكِ في عام 2030؟

كيف سيبدو طبيبكِ في عام 2030؟ خبيرٌ صحي يقدم الإجابة

جمانة الصباغ

لا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل غير الله سبحانه وتعالى؛ نتفق جميعًا على هذه الفكرة. لكن توقع بعض الأحداث، المرتبطة أصلًا بأحداث ووقائع حصلت في الماضي كنتيجةٍ طبيعية لترابط الأشياء، ليس بالأمر السيء، بل يمكن تبنَيه خصوصًا في مجالاتٍ علمية مثل الطب.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، وجعل الآلة "تفكر" تمامًا مثل الإنسان عبر المنطق والرياضيات؛ بات من الممكن استشراف بعض النواحي اليومية التي نعيشها، مثل شكل الطبيب على سبيل المثال في السنوات القادمة، وما نوع الخدمات التي سيقدمها.

لم يعد الحديث عن شكل الطبيب في عام 2030 مجرد نقاشٍ نظري. فنحنُ نشهد بالفعل تحولاً من عالمٍ يقتصر فيه العلاج على الاستجابة بعد حدوث المشكلة، إلى عالمٍ تُرشدنا فيه المعرفة قبل ظهور الأعراض بوقتٍ طويل؛ هذا ما يُخبرنا به الدكتور هاربیت سود، طبيب وماجستير في الصحة العامة - المدير الطبي لشركة سكاي هيلث. مضيفًا "إنه تحولٌ هادئ، ولكن عميق."

يُطلعنا الدكتور هاربيت سود، طبيبٌ ورائدٌ في مجال الصحة الرقمية وطبيبٌ عام ممارس في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية NHS على رؤية العلم لشكل الطبيب وخدماته في العام 2030، والذي بالتأكيد يحوز اهتمام الكثيرين مثلنا على موقع "هي".

كيف سيتطور الطب في المستقبل؟

في منطقةٍ تتسم بالسرعة والتنقل والتوقعات العالية، لن يكون طبيب المستقبل مجرد مرجعٍ طبي، يقول الدكتور سود؛ بل سيكون دليلكِ في الأداء، نظام إنذاركِ المبكر، وفي نواحٍ عديدة، صوتكِ الواضح وسط فيضٍ هائل من المعلومات.

اليوم، لا يزال معظم نظام الرعاية الصحية ينتظر.

الدكتور هاربيت سود المدير الطبي لشركة سكاي هيلث
الدكتور هاربيت سود المدير الطبي لشركة سكاي هيلث

ينتظرُ ظهور عرضٍ ما، أو أزمةٍ، أو لحظةٍ ما، حين يُجبرك شيءٌ ما على التباطؤ. ومع ذلك، فإن العديد من المشكلات التي تُضعف حيويتنا، كالإرهاق، اختلال التوازن الهرموني، اضطراب التمثيل الغذائي، والالتهابات الخفية، لا تظهر فجأةً، بل تستغرق وقتاً لتظهر. وفي عملي، يضيف الدكتور سود الذي يتمتع بخبرةٍ واسعةٍ في التشخيص المبكر والرعاية الوقائية وتكنولوجيا الصحة، سواء كطبيب أسرة أو ضمن نماذج الرعاية المدعومة رقميًا، قد تُغفل هذه المشكلات أو تُتجاهل أو يُساء فهمها.

يُغيَر الذكاء الاصطناعي هذه الديناميكية تمامًا؛ ليس من خلال التنبؤات الدرامية أو الأتمتة، بل من خلال قدرته على ربط المعلومات في وقتٍ أبكر وبدقةٍ تفوق قدرة العقل البشري وحده. وبحلول عام 2030، سيتمتع طبيبكِ برؤية مستمرة وغنية بالبيانات حول صحتكِ، أنماط نومكِ، استجاباتكِ للتوتر، مستويات تعافيكِ، إيقاعاتك الأيضية، ومؤشراتكِ الحيوية الرئيسية؛ وسيُترجم الذكاء الاصطناعي كل هذا إلى رؤى يومية مفهومة. يبقى الطبيب أساسيًا، يؤكد الدكتور سود؛ لكنه سيحظى بدعم طبقةٍ ذكية لا تنام أبدًا، لا تتشتت، ويمكنها اكتشاف التغيرات الطفيفة في وقتٍ مبكر جدًا.

"بدأت هذه الممارسة بالظهور بالفعل في نماذج الرعاية الاستباقية التي نبنيها" يشرح الدكتور سود، الذي يقدم استشاراته للمنظمات العالمية حول مستقبل الطب الاستباقي القائم على البيانات، ويساهم في منشوراتٍ مرموقةٍ مثل فايننشال تايمز، الغارديان، المجلة الطبية البريطانية، ومجلة لانسيت. ويضيف: "في سكاي هيلث، يجمع نهجنا بين المراقبة المستمرة والتشخيص المتقدم والتفسير الشخصي، مما يسمح لنا بالتدخل قبل تفاقم المشكلات، وتحسين الصحة بدقة للجميع، بعدما كانت حكرًا في السابق على نخبة الرياضيين أو كبار المديرين التنفيذيين."

بالنسبة لطبيب عام 2030، يصبح الذكاء الاصطناعي امتدادًا للحدس السريري. فهو لا يحلَ مكان التعاطف أو الحكمة أو الحوارات الدقيقة التي تُشكّل جوهر الطب الجيد، بل يُعزَزها، يقول الدكتور سود. "هذا يعني أنني عندما أُعاين مريضًا، لا أبدأ من الصفر، بل أدخلُ غرفة الاستشارة وأنا على دراية مسبقة بكفاءة نومه، مسار تعافيه بعد جدول سفرٍ مُرهق، كيف أثرَ التوتر بشكلٍ طفيف على مستوى الكورتيزول لديه، أو كيف يتغير مستوى الجلوكوز لديه تبعًا لما تناولهُ من طعام. هذا يُتيح للجانب الإنساني في الطبيب، الجانب الذي يُنصت ويُطمئن ويُحلَل، أن يعمل بفهمٍ أعمق بكثير."

ماذا بخصوص الوقاية من الأمراض؟

يجيب الدكتور سود على هذا السؤال بالقول: "أتوقعُ تحولاً آخر يتمثل في تخصيص الوقاية. ففي الماضي، كانت الوقاية تعني تقديم نصائح عامة: تناولي طعاماً صحياً، مارسي الرياضة، ونامي أكثر. أما الآن، فلم يعد مفهوم الصحة المثالية عاماً، بل أصبح قائماً على البيانات ومصمماً خصيصاً لكل فرد. سيتمكن الأطباء المدعومون بالذكاء الاصطناعي من إخباركِ بدقة بالعادات التي تحافظ على طاقتكِ، تلك التي تستنزفها (كي تتجنبيها)، والتعديلات البسيطة التي يمكن أن تُحسّن أداءكِ بطرقٍ واقعية ومستدامة."

كيف سيبدو طبيبكِ في عام 2030؟ - رئيسية
كيف سيبدو طبيبكِ في عام 2030؟

بحلول عام 2030، سيكون طبيبكِ متواجداً عبر نقاط اتصالٍ متعددة. سيكون جزءٌ منه في جيبك، يُقدّم توصياتٍ فورية، يُشير إلى الاتجاهات، ويتكيَف مع جدول سفرك، دورتكِ الشهرية، نظامكِ التدريبي، أو نومكِ. وسيكون جزءٌ منه هو الطبيب الذي تثقين به، شخصٌ يُفسّر البيانات، يفهم ظروف حياتكِ، ويُرشدكِ دون إصدار أحكامٍ أو إرهاق. كما سيكون جزءٌ منه عبارة عن أنظمة متكاملة تعمل بهدوء في الخلفية، تفحص المؤشرات الحيوية، تتنبأ بالمخاطر، وتُحسّن البروتوكولات المُخصصة.

هذا الطبيب الهجين، كما يصفه الدكتور سود، والذي يجمع بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، لا يهدف إلى استبدال الطبيب. يتعلق الأمر بتحريرهم، يضيف سود؛ لهذا الأمر دلالاتٌ عميقة، ونحن نشهدُ بالفعل بوادرها الأولى.

كيف سيبدو شكل الطب في عام 2030؟

بشكلٍ عام، سيتحول الطب من نموذج "العلاج" إلى نموذج "الوقاية والتخصيص الدقيق"، مع تمكين الأفراد من إدارة صحتهم بشكلٍ استباقي.

يتجه شكل الطب في عام 2030 نحو الطب الشخصي الدقيق، مدعومًا بالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، مع التركيز على الوقاية وتعديل الجينات (مثل CRISPR)، العمليات الجراحية عن بُعد، تطوير الأعضاء الاصطناعية والطباعة الحيوية، وتحويل المستشفيات إلى مراكز ذكية متصلة، مع توقعاتٍ بتزايد دور التطبيقات الصحية والرقاقات الذكية في مراقبة الصحة بشكلٍ يومي وتقديم نصائح مُخصصة، مما يقلل الحاجة للمستشفيات التقليدية ويزيد التركيز على الرعاية الاستباقية.

وفيما نخطو خطواتنا الأولى في العام الحالي، ساعين وراء بداياتٍ جديدة، انطلاقاتٍ متجددة، إيجابية وعافية؛ لا يسعنا سواء التطلع لمستقبلٍ طبي أفضل يُحلق بصحتنا نحو فضاءات أوسع، ويُوفر لنا الحلول الجذرية التي تتيح لنا الاستمتاع بسنوات حياتنا بصحةٍ ورفاهيةٍ أكبر.