خاص لـ "هي": كيف يروي الطعام حكايات المجتمعات؟ قراءة مختلفة مع ريما البليهي
الطعام ليس مجرد تجربة تذوق عابرة، بل هو لغة عالمية تعبر عن هوية الشعوب، وتختزن في تفاصيله قصصاً من التاريخ والثقافة. من الأسواق المحلية إلى أطباق المطاعم الراقية، يحمل كل عنصر في الطبق دلالة تتجاوز شكله ومذاقه، ليعكس أسلوب حياة كامل وفلسفة مجتمع بأكمله.
ومن بين الأصوات التي تتعامل مع الطعام بهذا العمق، تبرز ريما البليهي، الدكتورة والباحثة في علم اللغة التطبيقي، التي رغم مسارها الأكاديمي البعيد عن هذا المجال، استطاعت أن تحول شغفها إلى منصة تروي من خلالها حكايات الطعام، وتقدم قراءة مختلفة لكل تجربة.
في لقاء خاص مع "هي"، تشارك البليهي رؤيتها الخاصة لعالم الطعام، وكيف يمكن لطبق واحد أن يكشف تاريخاً كاملاً، ويقودنا لاكتشاف ثقافات الشعوب بعمق مختلف.
من التجربة الشخصية إلى فهم الثقافات

لم يكن ارتباط ريما بالطعام سطحياً، بل تشكل منذ الطفولة عبر تجربة عائلية مختلفة. تسترجع ذلك قائلة: "كان التأثير الأكبر من جهة والدتي الروسية، حيث كنا نزرع طعامنا ونقطف التوت والفطر والأعشاب من الغابة، ثم نقوم بحفظه استعداداً للشتاء، وكنا نشارك في هذه التجارب حتى في سن مبكرة."
هذه التجربة المبكرة فتحت أمامها باب التساؤل، خاصة عندما لاحظت اختلاف الطعم بين بلد وآخر، رغم تشابه المكونات. وتوضح: "كنت أستغرب لماذا لا يكون طعم المخللات في السعودية مثل روسيا، رغم أن التقنية نفسها. لكن الحقيقة أن الماء والمناخ وحتى نوع الملح مختلف."
وتضيف: "هذه التفاصيل الصغيرة تفتح لنا عوالم من الثقافة والتاريخ والجغرافيا، وتجعل من الصعب أحياناً إعادة إنتاج الشيء نفسه."
الطعام كقراءة إنسانية: مفهوم Anthro-gastro

في محتواها، لا تكتفي ريما بعرض الطعام بصرياً، بل تتعامل معه كوثيقة إنسانية، وتشرح: "أتعامل مع الطعام كأنه تجسيد لآلاف السنين من تاريخ الشعوب، وتنقلاتهم وصراعاتهم وحتى خصوصيات المواسم."
وتركز دائماً على التفاصيل التي تحمل معنى، قائلة: "أحب أن أركّز على عنصر واحد يوضح لماذا وُجد هذا المكوّن هنا وليس في مكان آخر. كل هذه الحكايات يمكن قراءتها من خلال طبق واحد."
كيف نقرأ المدن من خلال طعامها؟

بالنسبة لريما، فهم الثقافة يبدأ من الملاحظة اليومية البسيطة. تقول: "أفضل طريقة هي أن نلاحظ كيف يتفاعل الناس مع الطعام؛ ماذا يطلبون، ومتى يأكلون، وكيف يتسوّقون، وحتى الكميات التي يشترونها."
ولا تقتصر على ذلك، بل تهتم بالتفاصيل الدقيقة: "أنظر إلى طعام الشارع، إلى الخبز، وحتى إلى النكهات الأكثر شيوعاً أو الأجزاء التي تُؤكل من الحيوان وما يُعد مبالغاً فيه."
حين يحكي الطبق قصة التاريخ
ترى ريما أن بعض الأطباق تحمل في طياتها تاريخاً كاملاً، خاصة تلك التي نشأت من القيود أو الظروف. وتوضح: "في بعض الثقافات، نشأت أنظمة طهي كاملة من القيود، مثل الصوم، حيث يظهر الإبداع الإنساني في تحويل المكونات البسيطة إلى نكهات عميقة وغنية، حتى دون استخدام الدهون الحيوانية، وأحياناً عبر الوقت نفسه كعنصر في الطهي."
وتشارك قصة شخصية تعكس ذلك: "جدتي في روسيا بعد الحرب العالمية الثانية كانت تطبخ البورش بدون لحم، باستخدام السمك المعلّب والفطر الذي كانت تجمعه بنفسها من الغابة. واليوم ما زلنا نطبخه، وكل من يجرّبه يطلبه."
تجربة الطعام بين الهدوء والفوضى

تؤمن ريما أن المكان يغيّر التجربة بالكامل، وتقول: "أحياناً نحتاج مكاناً هادئاً لنقدّر التقنية في طبق فاخر، وأحياناً نأكل في الشارع وسط الضوضاء، حيث نتفاعل مع الطعام بكل حواسنا، وكأننا نأكل بأذاننا وبشرتنا. في هذه اللحظات، لا نحلل الطعام فقط، بل نعيشه."
أما عن أسلوب التقديم، فتربطه بثقافة المجتمع، قائلة: "الأكل الجماعي في بعض البيئات يعكس قيمة الجماعة، بينما في المدن يصبح الطعام سريعاً ومحمولاً."
السفر… بوابة لفهم العالم
ترى ريما أن السفر الحقيقي يبدأ من الطعام، وتقول: "أنا شخص يخطط رحلاته حول الطعام، بين المطاعم الفاخرة والأماكن المحلية البسيطة. أحب زيارة البقالات والأسواق، ومراقبة الناس وطريقة تسوقهم، وأؤمن أن الطعام هو أسرع وأفضل وسيلة لفهم أي ثقافة."
بين السائح والمستكشف
تفرّق ريما بين التجربة السطحية والعميقة، موضحة: "السائح يبحث عن نسخة جميلة ومتوقعة من الطبق، لكن الفهم الحقيقي يحتاج فضولاً ومغامرة. عليك أن تكون مستعداً للضياع قليلاً، وتجربة أشياء قد تبدو مخيفة."
فلسفة أوروبية تلهم
وعن أكثر ما أثّر فيها، فتختتم بقولها: "لا أستطيع تحديد تجربة واحدة، لكنني مبهورة بثقافة الطعام في أوروبا، حيث تنعكس فلسفتهم حتى في طريقة تسوقهم اليومية من الأسواق المحلية. وتعلّمت أن صحة المجتمعات لا تُقاس بالأرقام، بل بجودة ما تأكله حتى في أبسط الأشياء مثل الخبز والزبدة."