جراحة روبوتية متقدمة.. تقي من الإصابة بسرطان القولون في الحالات الوراثية النادرة
عادةً ما يربط الأطباء بين الوراثة واحتمالية الإصابة بأحد الأمراض، على أنه السبب الرئيسي وراء ذلك.
وتعتمد نسبة الوراثة في الأمراض على نوع المرض والعوامل الجينية والبيئية المرتبطة به. وبشكلٍ عام يمكن تقسيم الأمراض إلى:
1. أمراض وراثية أحادية الجين: تنتج عن طفرة في جين واحد، وتكون الوراثة فيها مرتفعة جدًا وقد تصل احتمالية انتقالها إلى 50% أو أكثر بحسب نمط الوراثة (سائد أو متنحٍ).
2. الأمراض متعددة العوامل: مثل السكري من النوع الثاني، أمراض القلب، ارتفاع ضغط الدم، وبعض أنواع السرطان. في هذه الحالات تلعب الجينات دورًا مهمًا، لكن العوامل البيئية ونمط الحياة يُساهمان أيضًا في ظهور المرض.
3. السرطانات الوراثية: تُشكَل نسبة محدودة من إجمالي حالات السرطان. على سبيل المثال، يُعتقد أن نحو 5-10% من حالات سرطان الثدي ترتبط بطفرات وراثية موروثة مثل BRCA1 وBRCA2، بينما تحدث غالبية الحالات بشكلٍ غير وراثي.

سرطان القولون قد يكون وراثيًا في بعض الحالات، لكنه ليس كذلك في معظم الحالات. ووفقًا لما تشير إليه المصادر الطبية، فإن معظم حالات سرطان القولون والمستقيم تحدث بشكلٍ متفرق وغير موروث، بينما ترتبط نسبةٌ أقل بمتلازمات وراثية تنتقل داخل العائلات. من هذه المتلازمات، داء السلائل الغدي العائلي؛ وهو اضطراب وراثي نادر يُسبَب ظهور مئات إلى آلاف السلائل (الزوائد اللحمية) في القولون والمستقيم، وغالبًا ما تبدأ هذه السلائل بالظهور خلال مرحلة الطفولة أو المراهقة. ويُعد أحد أشهر أسباب سرطان القولون الوراثي.
لماذا يُعدَ تشخيص داء السلائل الغدي مهمًا؟
إذا لم يُشخّص المرض ويُعالج في الوقت المناسب، يمكن أن تتحول بعض هذه السلائل إلى سرطان القولون مع مرور الوقت؛ لذلك يحتاج المصابون إلى متابعة دقيقة ومنتظمة مع الاختصاصيين.
ينتقل داء السلائل الغدي العائلي عادةً بنمط وراثي سائد، ما يعني أن إصابة أحد الوالدين بالطفرات الجينية المرتبطة بالمرض قد تؤدي إلى انتقالها إلى الأبناء. وهو أمرٌ مُقلق للكثيرين، لكن وبفضل التقنيات الحديثة الموجودة في دولة الإمارات ومنها مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي؛ بات بالإمكان اليوم الوقاية من سرطان القولون حتى مع وجود عامل وراثي قوي. وهو ما حدث لسيدة ثلاثينية في الدولة، خضعت لجراحة روبوتية متقدمة في المستشفى؛ إليكِ التفاصيل.
جراحة روبوتية تمنع سرطان القولون في حالة وراثية نادرة
إذن؛ نجح مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي في إجراء جراحة وقائية معقدة للغاية، للقولون والمستقيم، باستخدام الروبوت بالكامل لسيدة تبلغ من العمر 37 عاماً مصابة بداء السلائل الغدّية العائلي، وهي حالة وراثية نادرة تنطوي على خطرٍ شبه مؤكد بنسبة تقارب 100% للإصابة بسرطان القولون إذا تُركت من دون علاج.
كان لدى المريضة تاريخٌ عائلي قوي للإصابة بسرطان القولون، إذ فقدت والدها بسبب هذا المرض في سنٍ مبكرة. وتمَ تشخيصها بداء السلائل الغدّية العائلي في مطلع عام 2025، بعد تقييمٍ متخصّص وتنظير للقولون. ورغم أنها لم تكن تعاني سوى من أعراضٍ خفيفة، إلا أن خطر إصابتها بالسرطان كان شبه مؤكد، ولكن، يمكن الوقاية منه عبر التدخل الجراحي في الوقت المناسب.

ينجم داء السلائل الغدّية العائلي عن طفرة موروثة في جين APC الكابح للأورام، مما يؤدي إلى ظهور زوائد لحمية في القولون مع مرور الوقت. ومن دون الجراحة الوقائية، تتطور هذه الزوائد اللحمية في معظم الحالات تقريباً إلى سرطان القولون والمستقيم، مما يُبرز الأهمية البالغة للفحوصات الجينية الاستباقية، التشخيص والتدخل المبكر.
أُجريَت العملية بالكامل بمساعدة الروبوت، مما أتاح دقةً مُعزّزة داخل المنطقة الضيقة للحوض. ويُسهم هذا النهج في تحسين الرؤية والحفاظ على الأعصاب، وهما عاملان أساسيان للحفاظ على وظائف الجهاز البولي ووظائف الأمعاء، إلى جانب تقليل الألم بعد الجراحة وتسريع التعافي.
وفي تعليقه على نتائج الجراحة؛ قال الدكتور جون رودريغيز، رئيس معهد أمراض الجهاز الهضمي في كليفلاند كلينك أبوظبي: "هكذا ينبغي أن تبدو الرعاية الصحية؛ إذ نتجاوز علاج المرض إلى استباقه والوقاية منه. وعندما نجمعُ بين الرؤية المبكرة والدقة التي تُوفرها الروبوتات، فإننا لا نُغيّر النتائج فحسب؛ بل نُغيّر مسار حياة المريض. ومن خلال تمكيننا من رؤية الخطر قبل أن يتحول إلى واقع، يُتيح لنا الابتكار التصرف بدقة وهدف وتعاطف. هذا هو المستقبل الذي نعمل على تطويره كل يوم."
خلال العملية، خضعت المريضة لاستئصال كامل للقولون والمستقيم مع إجراء مفاغرة جيب لفائفي شرجي، وهي جراحة يتم فيها استئصال القولون والمستقيم بالكامل، ويُنشأ جيب داخلي جديد من الأمعاء الدقيقة لاستعادة وظيفة الأمعاء، من دون الحاجة إلى كيس خارجي دائم. ولحماية هذه المفاغرة الجديدة وإتاحة الالتئام السليم، كان لا بد من إنشاء فتحة إخراج جراحية لفائفية مؤقتة لمدة ثلاثة أشهر.
وقال الدكتور علي الجابري، طبيب استشاري جراحة القولون والمستقيم، في معهد أمراض الجهاز الهضمي في كليفلاند كلينك أبوظبي: "في حالة داء السلائل الغدّية العائلي، لا تكون الإصابة بسرطان القولون مسألة احتمال، بل مسألة وقت. إن استئصال القولون جراحياً قبل تطوَر السرطان يُحوّل التشخيص المُهدد للحياة إلى حالةٍ يمكن الوقاية منها. ويُعدَ استخدام الروبوت مفيداً على نحوٍ خاص للمرضى الشباب المصابين بداء السلائل الغدّية العائلي، إذ يُساعدهم على العودة إلى حياةٍ كاملة ونشطة مع تحقيق أفضل النتائج الممكنة".

وفي معرض حديثها عن تجربتها، قالت المريضة: "في الحياة فرصٌ ثانية، وصحتنا أمانة ينبغي أن نحافظ عليها. الإيمان بالله، وبالفريق الطبي، وبالتقدم العلمي أمرٌ بالغ الأهمية. وإذا كان لديكم أحد الأقارب ممن شُخّصت إصابته بسرطان القولون، فمن المهم الخضوع لفحص الكشف المبكر."
بعد الجراحة الأولى، خضعت المريضة لاحقاً في العام نفسه لإجراء ثانٍ لإغلاق الفغرة اللفائفية المؤقتة. وقد تعافت بصورة جيدة، وعادت منذ ذلك الحين إلى نمط حياة شبه طبيعي مع ابنها وعائلتها.
جديرٌ بالذكر أن سرطان القولون والمستقيم، يُعدَ من أكثر أنواع السرطان انتشاراً في دولة الإمارات؛ لكن معدلات النجاة منه يمكن أن تصل إلى 93% في حال اكتشافه مبكراً، حيث يمكن القضاء عليه بواسطة العلاج وبعض التغييرات في نمط الحياة.
التشخيص هو الخطوة الأولى، وغالباً ما تكون الأصعب، في رحلة المرض؛ إذ تثير الخوف والهلع والضعف في نفس المرضى وتضعهم تحت ضغط نفسي كبير لاتخاذ القرارات المتعلقة بالعلاج. لكن في حال الكشف المبكر عن سرطان القولون، تزداد فرص نجاح العلاج ويمكن أخذ الوقت الكافي لفهم طبيعة التشخيص، مناقشة التفاصيل مع الطبيب وبحث أفضل الخيارات المتاحة للعلاج. ناهيكِ عن إمكانية الوقاية مسبقًا من الإصابة بهذا المرض، من خلال معالجة المتلازمات الوراثية التي قد تتسبب بها كداء السلاسل الغدي العائلي.