سرطان الثدي الالتهابي: عدوٌ صامت لا ينتظر ظهور كتلة.. واكتشافه مبكرًا ينقذ حياة
لا شك عزيزتي أنكِ تعرفين اليوم، أن ظهور كتلةً في الثدي قد يكون أحد أعراض سرطان الثدي. ولكن ماذا عن سرطان الثدي الذي يتطور دون هذه العلامة التحذيرية؟
نتحدثُ هنا عن سرطان الثدي الالتهابي، الذي يتطور بسرعة ولا يُشكَل كتلةً عادةً؛ وبدلًا من ذلك، يطرأ تغيَرٌ سريع على جلد أحد الثديين، بحسب ما توضحه تينا هيكين، دكتورة في الطب، اختصاصية جراحة الأورام في مركز مايو كلينك الشامل للسرطان.
فهل هذا النوع من سرطان الثدي خطير أو نادر؟ هل يمكن الخلط بينه وبين الالتهاب، ما أبرز علاماته الشائعة وكيف يتم تشخيصه وعلاجه؟ هذه الأسئلة وغيرها نُجيب عليها في مقالة اليوم، بناءً على معلومات حصلنا عليها من الدكتورة تينا التي تحدثت في لقاء عبر الإنترنت إلى الإعلاميين في جميع أنحاء المنطقة، يوم الاثنين الفائت، شرحت خلالها كيف أنّ تغيّرات جلد الثدي - بما فيها اللون الوردي أو الأحمر أو الأرجواني أو شكل الكدمات، أو الشعور بدفءٍ غير معتاد، أو ملمس يشبه قشر البرتقال - قد تتكوّن خلال بضعة أشهر، وغيرها من المعلومات القيَمة المتعلقة بهذا المرض.

سرطان الثدي الالتهابي – الأعراض والأسباب
"ينبغي على النساء اللاتي يُلاحظنَ هذه التغيَرات (المذكورة أعلاه)، واللاتي لا يُرضعنَ أطفالهنَ رضاعة طبيعية، مراجعة أخصائي رعاية صحية على الفور بدلاً من انتظار زوال الأعراض."
هذا ما نصحت به الدكتورة تينا خلال الندوة، مضيفةً أنه غالبًا ما تظهر مع سرطان الثدي الالتهابي أعراضٌ تُحاكي أعراض التهاب الثدي؛ مثل تغيَرات في لون الجلد، حيث يظهر الثدي بلون أحمر أو أرجواني أو وردي أو يبدو مصابًا بكدمات؛ دفءٌ غير معتاد في الثدي المصاب؛ وجلدٌ يشبه قشرة البرتقال، ويُعرف هذا العرض باسم جلد البرتقال (peau d'orange).
ونتيجةً لذلك، قد يُشخَّص سرطان الثدي الالتهابي خطأً على أنه التهاب النسيج الخلوي أو التهاب الثدي أو مرض باجيت في الثدي، أو غير ذلك من الحالات الأقل خطورة.
يُشكَل سرطان الثدي الالتهابي ما بين 1% و5% تقريبًا من حالات سرطان الثدي المُشخَّصة، لكنه يقف وراء 10% من الوفيات الناجمة عن سرطان الثدي، بحسب ما تُظهره الإحصاءات.
تشير التقديرات الحديثة إلى أن العبء العالمي السنوي، يقع ضمن نطاقٍ نادر لكنه ثابت، مع اختلافاتٍ كبيرة حسب المنطقة.
• في الولايات المتحدة: 1.2–1.5 حالة لكل 100,000 امرأة سنويًا
• في شمال إفريقيا (تونس، الجزائر، المغرب، مصر): أعلى معدلات إصابة عالميًا مقارنة بالغرب.
• العمر الأكثر شيوعًا للتشخيص عالميًا:
53–60 عامًا كمتوسط عالمي.
60% من الحالات تُشخَّص بين 50–64 عامًا.

• الفئات الأكثر عرضة عالميًا:
النساء من أصول أفريقية/سوداء لديهنَ معدل إصابة أعلى بـ 2.5 مرة مقارنة بالنساء البيض في الولايات المتحدة.
في النساء تحت سن 40، يشكّل IBC نحو 5% من سرطانات الثدي.
• معدلات الوفيات عالميًا
يُعدَ سرطان الثدي الالتهابي من أعلى سرطانات الثدي من حيث الوفيات، بسبب عدوانيته وسرعة انتشاره. فيما تُشير تقارير عالمية حديثة إلى 27% كنسبة بقاء لخمس سنوات في المتوسط (أقل بكثير من 90% في سرطان الثدي غير الالتهابي).
أحدث ما يمكن استخلاصه من البيانات المتاحة حول سرطان الثدي الالتهابي (IBC) في المنطقة العربية، هو أن الإحصاءات المباشرة الخاصة بهذا النوع تحديدًا نادرة جدًا، ولا تُفصَل عادةً في قواعد البيانات الإقليمية. لكن يمكن تقديم صورة دقيقة عبر الاستناد إلى أحدث بيانات سرطان الثدي عمومًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA).
1. إصابات سرطان الثدي في المنطقة العربية:
وفق أحدث بيانات GLOBOCAN 2022 المنشورة في 2025؛ هناك 118,200 حالة جديدة لسرطان الثدي بين النساء في المنطقة سنويًا، ويُشكّل هذا النوع 25% من جميع السرطانات لدى النساء في المنطقة.
وبما أن IBC يُمثّل 1–5% من سرطانات الثدي عالميًا، فهذا يعني تقديريًا في المنطقة العربية، بين 1,180 و5,900 حالة سنويًا من سرطان الثدي الالتهابي. مع الإشارة إلى أن هذا تقديرٌ مبني على النسبة العالمية، لأن قواعد البيانات الإقليمية لا تُفصَل هذا النوع تحديدًا.

2. وفيات سرطان الثدي في المنطقة العربية (MENA):
وفق GLOBOCAN 2022؛ هناك 41,000 وفاة سنويًا بسرطان الثدي في المنطقة.
ليس المقصود من هذه الأرقام، بثَ الذعر في قلبكِ عزيزتي؛ فالنسبة المئوية للإصابة بهذا النوع من سرطان الثدي، نعود ونُذكَر، لا تتجاوز 5% على المستوى العالمي. إنما الهدف من نشر هذه الأرقام، التوعية بضرورة الفحص الدوري والكشف المبكر عن أية أعراض غير مألوفة يمكن أن تُنذر بالإصابة بسرطان الثدي الالتهابي في مرحلةٍ مبكرة، وبالتالي علاجها بالطرق المناسبة والحديثة.
وفي هذا الصدد، تقول الدكتورة هيكين: "عندما تطرأ تغيَرات على جلد الثدي، خاصةً لدى النساء اللاتي لا يُرضعنَ ولا يظهر لديهنَ احمرارٌ مرتبط بالرضاعة الطبيعية، فقد تكون هذه علامةٌ تحذيرية للسرطان، ينبغي أن يُقيّمها اختصاصي الرعاية الطبية". وتضيف: "في سرطان الثدي الالتهابي، قد تظهر الأعراض في غضون بضعة أشهر. وهذا يختلف عن ملاحظة شخصٍ ما وجود كتلة في الثدي مع مرور الوقت، ثم ظهور تغيَرات في جلد الثدي بشكلٍ ثانوي على مدار عام أو أكثر."
وتوضح الدكتورة هيكين أن الخلايا الشاذة في سرطان الثدي الالتهابي، تنتقل عبر الأوعية اللمفاوية في الجلد والأنسجة الرخوة، وهو ما يفسر التغيَرات التي تطرأ على جلد الثدي. مشيرةً إلى إن علاج سرطان الثدي الالتهابي يبدأ بالعلاج الجهازي، أي العلاج الذي يصل إلى الجسم بأكمله. ويعتمد هذا العلاج على الخصائص البيولوجية للسرطان، أي نمطه الفرعي، كأن تكون خلاياه تحتوي على مُستقبلات الإستروجين أو تُنتج كمياتٍ كبيرة من بروتين HER2.

سرطان الثدي الالتهابي – التشخيص والعلاج
يُعطى العلاج الجهازي عادةً عن طريق الوريد، وقد يشمل ما يلي:
• العلاج الكيميائي: الذي يستهدف الخلايا سريعة الانقسام.
• العلاج الاستهدافي: ويُركّز على الخلايا التي تُنتج كميات كبيرة من بروتين HER2.
• العلاج المناعي: الذي يساعد الجسم على مكافحة السرطان الذي لا تحتوي خلاياه على مُستقبلات الإستروجين ولا على بروتين HER2؛ وتقول الدكتورة هيكين إن هذا النوع هو الأقل شيوعًا.
بعد ذلك؛ قد تشمل الجراحة إزالة الثدي والعُقَد اللمفية القريبة، يتبعها عادةً العلاج الإشعاعي الذي يشمل الصدر، الإبط والكتف. وتشرح الدكتورة هيكين إن هذا النهج الثلاثي، الذي يجمع بين العلاج الجهازي الشامل للجسم، الجراحة والعلاج الإشعاعي، ضروريٌ للسيطرة على المرض في حالات السرطان التي يرتفع فيها خطر الانتشار إلى أجزاءٍ أخرى من الجسم أو عودة ظهوره في الثدي والمنطقة المحيطة به. مع التنويه إلى أنه قد لا تتطلب الأنواع الأكثر شيوعًا من سرطان الثدي اللجوء لجميع خيارات العلاج المتاحة.
سرطان الثدي الالتهابي – تطوراتٌ ملموسة في العلاج
الخبر الجميل هو أن علاج سرطان الثدي الالتهابي شهد عدة ابتكارات على مدار السنوات الماضية. وتقول الدكتورة هيكين: "على نحوٍ مشابه جدًا لما هو الحال في سرطان الثدي غير الالتهابي، فإن تقديم علاجٍ مُصمَّم في البداية لأحد تلك الأنماط الفرعية الثلاثة أو الأربعة لسرطان الثدي هو على الأرجح أكبر ابتكار. أعتقدُ أنه بالتوازي، يكون الابتكار الكبير الآخر هو تحسُّن التصوير المقطعي، بحيث نعرفُ منذ البداية ما إذا كان المرض لدى السيدات قد انتشر إلى ما بعد الثدي والعُقَد اللمفية الإقليمية."
وتضيف أنه من بين الأنماط الفرعية لسرطان الثدي، تحققَ تقدمٌ ولا سيما في سرطان الثدي الالتهابي إيجابي البروتين HER2، من خلال إضافة دواءين مختلفين يعملان على نحوٍ يُكمّل أحدهما الآخر، لمنع تأثيرات إنتاج الخلايا كميات كبيرة من بروتين HER2.
وتقول الدكتورة هيكين عن هذا الإنجاز: "لقد كان ذلك ميزةً هائلة، وأدى فعلًا إلى تحسين النتائج لدى النساء. وبالنسبة إلى أولئك النساء اللاتيَ لا يستجبنَ استجابةً كاملة لهذا العلاج الجهازي، فهناك علاجاتٌ استهدافية جديدة يمكن إعطاؤها بعد الجراحة."
شارحةً أن من أوجه التحسن الأخرى، العلاج الإشعاعي مُنظَّم الشدة (IMRT)، الذي يُعطى باستخدام التخطيط المدمج مع التصوير المقطعي المحوسب. ويُتيح ذلك لفريق الرعاية الصحية رؤية المريضة بصورة ثلاثية الأبعاد، وتحديد كيفية تخصيص العلاج الإشعاعي بما يُقلَل آثاره الجانبية إلى أدنى حد، عبر أساليب معينة مثل تدريب المريضة على حبس النفس، أو جعلها تستلقي على بطنها أثناء العلاج الإشعاعي. وتضيف الدكتورة هيكين: "نتعلمُ الكثير."
في الخلاصة؛ يتميز سرطان الثدي الالتهابي بانتشاره السريع، ولا يظهر على شكل كتلةٍ غالباً. وهو يُشكّل نحو 1% إلى 5% من حالات تشخيص سرطان الثدي، لكنّه مسؤول عن نحو 10% من وفيّات هذا المرض، وكثيراً ما تُشخّص أعراضه بالخطأ على أنّها عدوى حميدة، وفقاً للإحصائيّات المتوفّرة.
لذا لا تتوانِ عزيزتي عن مراجعة الطبيب المختص، في حال لاحظتِ أية تغيَرات في الجلد - بما فيها اللون الوردي أو الأحمر أو الأرجواني أو شكل الكدمات، أو الشعور بدفءٍ غير معتاد، أو ملمس يشبه قشر البرتقال – لأنها قد تكون علامات تحذيرية على الإصابة بسرطان الثدي الالتهابي يتم علاجها بالعديد من العلاجات الحديثة والمتطورة.