أخصائية نفسية تشرح لـ"هي" الأثر النفسي للصمت حول السرطان
لا تقتصر رحلة مواجهة السرطان على التشخيص والعلاج، بل تمتد إلى تحديات نفسية واجتماعية قد تجعل التجربة أكثر صعوبة، لا سيما حين تحيط بها الوصمة ويُفرض عليها الصمت. وفي بعض المجتمعات، قد تجد المرأة نفسها مضطرة إلى إخفاء مرضها ومخاوفها، خشية نظرة المجتمع أو حرصًا على الحفاظ على تماسك عائلتها. فكيف يؤثر هذا الصمت في صحتها النفسية، وما الدور الذي يمكن أن يؤديه الدعم العائلي والاجتماعي في رحلتها؟ في هذا المقال، تقدّم شراف شانكار، الأخصائية النفسية المرخّصة في بننسولا سايكولوجي، وجهة نظرها حول كلفة الصمت الثقافي المحيط بالسرطان، وأهمية كسر حاجز الخوف والوصمة لفتح المجال أمام الدعم والتعافي.

غالبًا ما يكون فهم تشخيص صحي جديد والتخطيط للتعامل معه أمرًا صعبًا من نواحٍ عديدة؛ فنحن نحتاج إلى فهم تأثير المرض على صحتنا، وما الذي ستتضمنه رحلة العلاج، وما التغييرات التي قد نحتاج إلى إدخالها على حياتنا. إلا أن "ذلك المرض" يربك هذا المسار من التفكير، إذ يبعد الانتباه عن تأثيره الصحي المباشر، ويحوّل الحديث إلى سؤال مختلف: «كيف أتحدث مع أحبتي عن هذا الأمر؟".
داخل العائلات العربية، لا يُعدّ تشخيص السرطان تغييرًا مؤلمًا ومفصليًا في الحياة فحسب، بل قد يصبح أيضًا سببًا للعزلة الاجتماعية. فعند مواجهة حقيقة السرطان، ولا سيما سرطان الثدي، قد يمتد أثر التشخيص إلى داخل البيت العائلي، لأن من يتأثر بهن غالبًا هن الأمهات والزوجات والأخوات والبنات. وغالبًا ما تجد المرأة التي يتم تشخيصها بسرطان الثدي نفسها أمام خيار قاسٍ: إما أن تواصل الحفاظ على صورتها كالدعامة العاطفية و"الرابط" الذي يجمع العائلة، أو أن تفصح عن مرض لا يزال كثيرون في المجتمع ينظرون إليه بوصفه "غير قابل للشفاء" أو "حكمًا بالموت". وفي المجتمعات الغربية، قد يتيح الإفصاح عن هذا النوع من المرض الحصول على قدر أكبر من الدعم الاجتماعي، لأن معاناة الشخص وتجربته تُفهمان ويتم الاعتراف بهما بصورة أوضح. لكن لا بد من تسمية المرض حتى يمكن التعرف إلى نوع الدعم الذي يحتاج إليه الشخص.
الحزن غير المعترف به اجتماعيًا هو شكل من أشكال الحزن الذي يعيش في مساحات الصمت، ويشير إلى فقدان لا يمكن الحزن عليه علنًا أو الاعتراف به اجتماعيًا. وعند مواجهة الصمت الثقافي المحيط بسرطان الثدي، قد تجد كثير من النساء العربيات أنفسهن يعشن هذا النوع من الحزن المرتبط بتشخيص السرطان. وتكون التجربة مؤلمة ومعزلة نفسيًا: تغيّرات في الجسد، وفقدان الإحساس بالصحة، وغموض المستقبل، إلى جانب القلق على أفراد العائلة، والمسؤوليات، وتكاليف العلاج وآثاره الجانبية.
ومع وجود هذه المخاوف والهموم، وما يصاحبها من يأس، قد تتردد المرأة في التعبير عنها بسبب الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالسرطان. فتُفسَّر التغيرات الجسدية بأسباب أخرى، وينسب التعب إلى ضغط العمل، وتُقدَّم زيارات المستشفى تحت عناوين «مقبولة اجتماعيًا» أكثر، أو يتم إخفاؤها تمامًا. وبذلك تصبح المساحات التي تستطيع فيها المرأة التحدث بصراحة عن مخاوفها وهواجسها المرتبطة بالسرطان قليلة جدًا، بينما تتحمل في الوقت نفسه عبئًا إضافيًا يتمثل في الظهور بمظهر "بخير"، والبقاء قوية عاطفيًا ونشطة في مسؤولياتها اليومية. ومع أن دعم العائلة عادةً ما يكون أهم ما تحتاج إليه في هذه الأوقات الصعبة، فقد تجد نفسها محاطة بعائلتها بينما يُمحى جزء مهم جدًا من حياتها وتجربتها. وهنا يمكن للصمت الثقافي والوصمة المرتبطة بالسرطان أن يسلبا منها أهم عامل في التعافي من السرطان: الدعم الاجتماعي.
تظهر الأبحاث أن الدعم الاجتماعي عنصر أساسي في التعامل مع السرطان والتعافي منه، إذ يجمع أحباء المرأة وأصدقاءها وعائلتها حولها، ليمنحوها شعورًا بالأمان والطمأنينة والانتماء الاجتماعي. وبينما يمكن للسرطان أن يعزل الشخص عن جسده ويضيّق تجربته للعالم من حوله، يستطيع التواصل والدعم الاجتماعيان أن يوسعا هذه التجربة بدلًا من ذلك، من خلال التشجيع والإيجابية والإحساس بالقبول الجماعي. وعندما تتمكن العائلة والمجتمع من تسمية المرض باسمه، أي السرطان، يصبح بإمكان الناجيات الأخريات دعمها ومشاركة تجاربهن ومشاعرهن من دون وصمة أو خجل. كما يتيح ذلك للعائلة، وللثقافة عمومًا، أن تدرك أن السرطان اليوم أصبح أكثر قابلية للعلاج من السابق، وأن كثيرين ممن يواجهون المرض يستطيعون أن يعيشوا بعده حياة كاملة وحافلة. أما في حالات السرطان الأكثر شراسة أو تعقيدًا، فإن القدرة على تسميته وفهمه تمنح الشخص قدرًا من الكرامة والاحترام في مواجهة المرض، بدلًا من تركه تحت وطأة الخوف والغموض الناتجين عن عدم التسمية.
إن كسر الصمت الثقافي حول "ذلك المرض"، أي حول السرطان، هو خطوة مهمة إلى الأمام في مواجهة الخجل الداخلي، والحزن غير المعترف به اجتماعيًا، والمعاناة الصامتة التي تعيشها النساء العربيات المصابات بالسرطان. فمن خلال دعم أحبائها، تصبح المرأة أكثر قدرة على تقبّل مرضها، وبناء استراتيجيات قوية للتأقلم، والتخطيط لمستقبلها وهي محاطة بمساندتهم. إن كسر الصمت الثقافي يمنحها القوة لمواجهة تجربتها مع السرطان بمرونة وتعاطف مع الذات.