هيا البيطار، خبيرة القيادة والتحول الشخصي ومدربة علم الوجود (الأنطولوجيا) والمعالجة بالفن المقيمة في دبي

خاص "هي".. هيا البيطار عن مصيدة المقارنة: ما الذي يحدث لدماغك عندما تراقبين حياة الآخرين؟

ترى هيا البيطار، خبيرة القيادة والتحول الشخصي ومدربة علم الوجود (الأنطولوجيا) والمعالجة بالفن المقيمة في دبي، أن المقارنة بالآخرين ليست المشكلة الحقيقية التي تواجهها النساء اليوم، وإنما هي انعكاس لشيء أعمق بكثير. وتكشف أن رحلتها الشخصية والمهنية قادتها إلى إعادة النظر في مفهوم المقارنة الذي غالباً ما يُختزل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي أو ضعف الثقة بالنفس.

تقول البيطار: "لم أكن أعتقد يوماً أنني من الأشخاص الذين يقارنون أنفسهم بالآخرين. لم أكن أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي متمنية امتلاك حياة شخص آخر أو جسده أو مسيرته المهنية. كانت نسختي من المقارنة أكثر هدوءاً من ذلك؛ شعوراً مستمراً بأنني لست كافية تماماً. لم يكن شعوراً واضحاً بما يكفي لأتمكن من تسميته أو مواجهته، لكنه كان حاضراً دائماً كهمهمة خافتة في الخلفية".

وتضيف أن سنوات من دراسة التدريب الأنطولوجي، الذي يركز على كيفية تشكيل معتقداتنا ولغتنا وإدراكنا لواقعنا، إلى جانب تخصصها في التدريب القائم على علوم الدماغ، جعلتها تدرك أن ما كانت تعيشه هو شكل من أشكال المقارنة غير المرئية. وتؤكد أن "المقارنة ليست المرض، بل أحد أعراضه".

كيف يبرمج الدماغ نفسه على المقارنة؟

تشرح البيطار أن الدماغ البشري مهيأ بطبيعته للمقارنة، إذ يعمل كآلة متخصصة في التعرف على الأنماط وتصنيفها بشكل مستمر، ليس بدافع انعدام الثقة بالنفس، وإنما بدافع البقاء. وتوضح أن نظام التنشيط الشبكي في الدماغ يعمل كمرشح يحدد ما يستحق انتباهنا، ويتم تدريبه من خلال التكرار. لذلك، كلما تعرض الإنسان لصور متكررة لأنماط معينة من الحياة أو الأجساد أو العلاقات، يبدأ الدماغ في اعتبارها المعيار الطبيعي الذي تُقاس عليه الأشياء كافة، بما فيها صورة الفرد عن نفسه.

وتضيف أن هذه الأنماط لا تتكون فقط نتيجة التصفح المستمر، بل بسبب عوامل أعمق بكثير. فبمجرد ترسخ المسار العصبي المرتبط بالمقارنة، يبدأ الدماغ في تشغيله تلقائياً. وتقول: "في كل مرة نفتح فيها إنستغرام ونشعر بذلك الوخز المألوف، لسنا نتخذ قراراً واعياً، بل نسير في مسار عصبي بناه الدماغ دون أن يطلب إذننا".

المقارنة أحد أعراض الاستهلاك!

ترى البيطار أن المقارنة في جوهرها ليست سوى أحد أعراض الاستهلاك المستمر. وتستعيد مرحلة من حياتها قائلة إنها أمضت سنوات العشرينيات والثلاثينيات في البحث عن ذاتها وطرح الأسئلة الكبرى حول هويتها، لكن مع ازدياد مسؤوليات الحياة من عمل وزواج وأطفال ومتطلبات يومية، تراجع ذلك الحوار الداخلي وسط الضجيج المتواصل.

وتلفت إلى أن تحولاً مهماً حدث عندما بلغت الأربعين، إذ بدأت تلاحظ أن الناس يسلكون أحد طريقين. الأول يتمثل في الإصغاء مجدداً لذلك الصوت الداخلي الهادئ والتوجه نحو الداخل لاستكشاف الهوية والغاية ومواجهة الأسئلة الصعبة حول الذات الحقيقية خلف الأدوار الاجتماعية المختلفة. أما الطريق الثاني، فتصفه بأنه الهروب نحو الخارج عندما يبدو هذا العمل الداخلي مؤلماً أو معقداً.

وتقول إن الاستهلاك في هذه الحالة لا يكون قراراً واعياً، وإنما استجابة تلقائية. وتوضح: «ما يجعل الأمر صعب الملاحظة أن الاستهلاك يخدر المشاعر. فهو لا يحل شعورك بعدم معرفة نفسك، بل يخففه مؤقتاً. ولبرهة من الزمن يبدو هذا التخفيف وكأنه سلام».

لماذا ترتفع حدة المقارنة؟

تؤكد البيطار أن المقارنة تصبح أكثر صخباً في هذه المرحلة تحديداً، لأن الانشغال المستمر باستهلاك حياة الآخرين عبر التصفح والمشاهدة والمتابعة يضعف اتصال الإنسان بحياته الخاصة. وتضيف: «تتحول المقارنة إلى الضجيج الذي يملأ المساحة التي كانت تشغلها معرفة الذات. وعندما توقفت عن الاستهلاك وبدأت أتجه إلى الداخل، لم تهدأ المقارنة فقط، بل أصبحت غير ذات أهمية».

العبء الذهني لمحاولة الاندماج

في حديثها عن المرأة العربية، تشير البيطار إلى وجود عبء إضافي لا يحظى بالنقاش الكافي، وهو العبء الذهني الناتج عن محاولة الاندماج. وتوضح أن كثيرين لا يتساءلون عن عكس الاندماج، بينما يكمن الجواب في مفهوم الانتماء.

وتشرح الفرق بينهما قائلة إن الانتماء تجربة طبيعية تظهر فيها المرأة كما هي ويتم تقبلها، في حين أن الاندماج يتطلب جهداً مستمراً وغير مرئي لإعادة تشكيل الذات وإخفاء أجزاء منها أو التخلي عن جوانب معينة من الشخصية حتى تتوافق مع التوقعات السائدة.

وتضيف أن هذا الجهد قد يتخذ أشكالاً مختلفة، مثل التظاهر بأن الشخص مختلف عما هو عليه أو تعلم رفض بعض جوانب ذاته. وترى أن الثقافة غالباً ما تمنح هذه السلوكيات مسميات إيجابية مثل الاحترام أو الحياء أو كون المرأة ابنة أو زوجة صالحة، بينما يبقى أثرها النفسي قائماً في الخلفية.

وتصف هذا العبء الذهني بأنه يشبه البرامج المفتوحة باستمرار على جهاز الكمبيوتر، حيث يستهلك الطاقة بهدوء ويؤثر في الأداء العام دون أن يكون ظاهراً بوضوح. وتوضح أن تأثيره لا يظهر دائماً على هيئة إرهاق مباشر، بل قد يتجلى في صورة ضباب ذهني أو شعور دائم بالاستنزاف أو عدم القدرة على الراحة رغم غياب أي مشكلة واضحة.

وتطرح البيطار سؤالاً محورياً: "كم من يومك تعيشينه وأنت تنتمين؟ وكم منه تمضينه وأنت تحاولين فقط الاندماج؟".

سؤال واحد يغيّر كل شيء

في المقابل، تؤكد البيطار أن الدماغ يمتلك قدرة كبيرة على التغيير وإعادة تشكيل نفسه. وتشير إلى أن مفهوم المرونة العصبية يثبت أن التجارب الجديدة والمتكررة قادرة على بناء مسارات عصبية جديدة، ما يعني أن الإنسان ليس أسير أي نمط أو سلوك اعتاد عليه.

وترى أن البداية الحقيقية تكمن في طرح سؤال صادق عند ظهور مشاعر المقارنة: "هل أريد هذا فعلاً؟". وتوضح أن المقصود ليس السؤال العابر، بل التحقق بعمق مما إذا كانت الرغبة في امتلاك جسد معين أو وظيفة أو منزل أو نمط حياة معين تنبع من رغبة حقيقية أم من شعور بضرورة مواكبة الآخرين والاندماج معهم.

من التصفح إلى الفعل

تضيف أنه إذا كانت الإجابة نعم، فمن المهم فهم الدافع الحقيقي وراء هذه الرغبة والتأكد من أنها نابعة من قناعة شخصية لا من الخوف من عدم القبول. بعد ذلك تأتي الخطوة العملية، سواء تمثلت في تبني نمط حياة أكثر نشاطاً أو الاهتمام بالنفس أو تبسيط الحياة أو الشروع في مشروع جديد. وتشدد على ضرورة تحويل الرغبات إلى اتجاهات عملية بدلاً من تحويلها إلى مقاييس للمقارنة.

أما إذا كانت الإجابة لا، وإذا أدرك الإنسان أنه لا يريد تلك الحياة في الأصل، فتعتبر البيطار أن هذه اللحظة قد تكون بداية العودة الحقيقية إلى الذات.

العمل الأعمق... العودة إلى الذات

وتختتم حديثها بالتأكيد على أن هناك مستوى أعمق بكثير من النصائح والأدوات والحلول السريعة. وتقول إن التحول الحقيقي يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن استهلاك حياة الآخرين ويبدأ في عيش حياته الخاصة بصورة فعلية، بحيث تصبح الهوية والغاية والحب غير المشروط للذات تجارب معاشة وليست مجرد مفاهيم نظرية.

وتؤكد أن هذا النوع من التحول لا يمكن أن تصنعه أي تطبيقات أو أدوات لإدارة الوقت، مضيفة أن هذه الرحلة الأطول تبدأ بسؤال واحد:

"كم من حياتك تعيشينه فعلاً، وكم منها تكتفين بمشاهدته من بعيد؟".

مسؤولة التحرير في النسخة الورقية من مجلة "هي" ومسؤولة قسم تطوير الذات في الموقع الإلكتروني.