بواسير الحمل وبعد الولادة.. لماذا تعاني منها النساء بصمت ومتى يجب عدم تجاهل الأعراض؟
لا شك في أن الحمل هو من أجمل مراحل حياة الأنثى على الإطلاق، بالرغم من مشقته والمتاعب التي يُخلَفها على صحة الحامل.
وأيًا كانت تلك المشكلات الصحية التي قد تتعرض لها المرأة أثناء الحمل وبعد الولادة، لا بدَ من التذكير بوجوب الاعتناء جيدًا بصحة المرأة الحامل، وعدم إغفال أو إهمال أية مشكلة تُلمَ بها، خاصةً إذا ما كانت لها تأثيرٌ قوي على صحتها ورفاهها.
وبين الصور المثالية للحمل والأمومة التي تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، والواقع الذي تعيشهُ المرأة خلال هذه الرحلة الاستثنائية؛ توجد مشكلات صحية شائعة لا تحظى بالقدر نفسه من الحديث والاهتمام. من أبرزها البواسير، التي قد تظهر خلال الحمل أو بعد الولادة، وتؤثر بشكلٍ ملحوظ على الراحة اليومية وجودة الحياة.
ورغم أن بواسير الحمل والبواسير بعد الولادة من الحالات الشائعة جدًا، إلا أن كثيرًا من النساء يترددنَ في الحديث عنها أو طلب المساعدة الطبية، بسبب الحرج أو الاعتقاد بأنها جزءٌ طبيعي من تجربة الحمل والأمومة.
للحديث عن هذه المشكلة، أسبابها وأبرز طرق الوقاية منها، تحدثنا إلى الدكتور جهاد مصري، أخصائي الجراحة العامة وأمراض الشرج والمستقيم ومؤسس يوجين كير، الذي أجاب عن أكثر الأسئلة شيوعًا وكشف أهم الحقائق والخرافات المرتبطة ببواسير الحمل وبعد الولادة. فإذا كنتِ مهتمةً عزيزتي بهذه المسألة الحيوية وتبحثين عن إجابات شافية، ننصحكِ بقراءة المقابلة أدناه..

دكتور جهاد؛ لماذا تظل البواسير من أكثر مشكلات الحمل التي لا تتحدث عنها النساء؟
بالفعل، لا تزال البواسير من المشكلات الصحية التي تحيطُ بها مشاعر الخجل والحرج، رغم أنها شائعة جدًا بين النساء خلال الحمل وبعد الولادة.
وكثيرٌ من النساء يعتبرنَ تلك الأعراض جزءًا طبيعيًا من الحمل أو ما بعد الولادة، لذلك يتأخرنَ في طلب المساعدة الطبية رغم تأثير المشكلة على الراحة الجسدية والنفسية. لكن الحرج لا يجب أن يكون سببًا لتجاهل الأعراض أو تأخير العلاج، فالتشخيص المبكر والصحيح يجعل التعامل مع المشكلة أسهل بكثير.
هل البواسير مشكلة شائعة بين معظم النساء الحوامل؟
بالطبع؛ البواسير هي من أكثر المشكلات الصحية شيوعًا خلال الحمل وبعد الولادة. وتحدث نتيجة مجموعة من العوامل تتضمن:
• زيادة الضغط على أوردة الحوض والمستقيم
• التغيرات الهرمونية المصاحبة للحمل
• الإمساك المتكرر
• الضغط الناتج عن الولادة الطبيعية.
تجعل هذه العوامل نسبةً كبيرة من النساء أكثر عرضةً للإصابة بالبواسير خلال الحمل أو بعد الولادة.
تعتقد بعض النساء أن الولادة الطبيعية هي السبب وراء البواسير؛ هل هذا الأمر صحيح؟
للأسف، هذا واحدٌ من المعتقدات الخاطئة والمنتشرة بين النساء، والتي لا بدَ من تصحيحها. فالولادة الطبيعية ليست السبب الرئيسي وراء البواسير. يمكن أن يكون الحمل نفسه غالبًا، العامل الأكبر وراء هذه المشكلة، نتيجة التغيرات الهرمونية والضغط المتزايد على أوردة الحوض.
إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أن الولادة الطبيعية قد تؤدي إلى زيادة الأعراض أو ظهورها بشكلٍ أوضح، لكنها ليست السبب الوحيد.
هل يمكن بعد الولادة القيصرية، أن تظهر البواسير؟
قد تتفاجأ بعض النساء بظهور البواسير بعد الولادة القيصرية، رغم عدم خضوعهنَ للولادة الطبيعية.
والمشكلة هنا غالبًا تبدأ خلال الحمل نفسه، كما أن الإمساك وقلة الحركة خلال الأيام الأولى بعد العملية، قد يُسهمان في ظهور الأعراض أو زيادة شدتها.

سؤال تطرحه بعض السيدات وقارئات "هي"؛ لماذا تعاني بعض النساء من البواسير أكثر من غيرهنَ؟
ليست جميع حالات الحمل متشابهة، لذلك تختلف احتمالية الإصابة بالبواسير من امرأة إلى أخرى.
ويلعب عدد من العوامل دورًا في ذلك، منها:
• زيادة الوزن أثناء الحمل
• الإمساك المتكرر
• مستوى النشاط البدني
• طبيعة الأنسجة الداعمة للأوردة
• التاريخ الصحي السابق.
ولهذا قد تظهر البواسير لدى بعض النساء خلال أول حمل، بينما لا تعاني منها أخريات حتى بعد عدة حالات حمل.
هل تلعب الوراثة دورًا في الإصابة بالبواسير؟
نعم، يمكن أن يكون للعامل الوراثي دورٌ مهم في بعض الحالات.
بعض الأشخاص يرثون قابلية أكبر لضعف الأوردة أو الأنسجة الداعمة في منطقة الشرج والمستقيم، ما يجعلهم أكثر عرضةً للإصابة بالبواسير عند وجود عوامل إضافية مثل الحمل أو الإمساك أو زيادة الوزن.
هل تتكرر المشكلة مع كل حملٍ جديد؟
بالفعل؛ النساء اللاتي عانينَ من البواسير خلال حملٍ سابق، يكنّ أكثر عرضةً لتكرار المشكلة في الأحمال اللاحقة.
فكل حملٍ يُضيف ضغطًا إضافيًا على أوردة الحوض، كما قد تتكرر العوامل المُسببة نفسها مثل الإمساك أو زيادة الوزن أو قلة الحركة.

ما هي المعلومات الخاطئة التي تسمعها في العيادة يوميًا عن البواسير؟
من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا بين النساء، الاعتقاد بأن البواسير تختفي دائمًا من تلقاء نفسها بعد الولادة، أو أنها مشكلة لا تحتاج إلى علاج.
صحيح أن بعض حالات البواسير قد تتحسن تدريجيًا بعد الولادة، لكن هذا لا ينطبق على جميع الحالات. بعض النساء يحتجنَ إلى تقييمٍ طبي وعلاجٍ مناسب، لتجنب استمرار الأعراض أو تفاقمها.
متى يجب عدم تجاهل الأعراض، مثلًا النزيف البسيط؟
قد يكون النزيف البسيط المصاحب للبواسير أمرًا شائعًا، خاصةً إذا ظهر على شكل دم أحمر فاتح أثناء التبرز.
لكن هناك 5 علامات تستدعي مراجعة الطبيب، منها:
• النزيف الغزير أو المتكرر
• الشعور بالدوخة أو الإرهاق
• الإصابة بفقر الدم
• تغيَر طبيعة البراز
• استمرار النزيف لفترة طويلة.
أكبر خطأ ترتكبه بعض النساء هو افتراض أن كل نزيف سببه البواسير.
لذا أنصحُ كل سيدة بضرورة استشارة طبيبها في حال كانت تمرَ بالحالات التالية:
1. ألم شديد ومستمر
2. ظهور كتلة مؤلمة ومتورمة
3. نزيف متكرر أو متزايد
4. تغيَر مستمر في عادات التبرَز
5. وجود دم داكن أو مختلط بالبراز.
كما أن فقدان الوزن غير المبرر أو استمرار الأعراض رغم العلاج، يستدعيان تقييمًا طبيًا شاملًا.
كيف تؤثر البواسير على حياة المرأة وثقتها بنفسها؟
رغم أن البواسير ليست حالةً خطيرة في معظم الأحيان، إلا أن تأثيرها قد يتجاوز الجانب الجسدي. فالألم، الحكة، النزيف، صعوبة الجلوس أو الحركة قد تجعل الأنشطة اليومية أكثر صعوبةً، خاصةً خلال الحمل أو الأسابيع الأولى بعد الولادة.
كما قد تشعر بعض النساء بالحرج أو القلق من الحديث عن المشكلة، ما يؤثر على راحتهنَ النفسية وثقتهنَ بأنفسهنَ.
والحقيقة أنني ألاحظ الكثير من النساء، يؤجلنَ زيارة الطبيب؛ لاعتقادهنَ أن الأعراض ستختفي تلقائيًا بعد الولادة، أو لأنهنَ يشعرنَ بالحرج من الحديث عن المشكلة. لكن هذا التأخير قد يؤدي إلى استمرار المعاناة لفتراتٍ أطول، كما قد يؤخر تشخيص حالاتٍ تحتاجُ إلى تقييم وعلاج مختلف.

هل ثمة أطعمة تساعد في الوقاية من البواسير خلال الحمل؟
بالتأكيد؛ الوقاية من البواسير تبدأ من المطبخ، وإليكِ أهم الأطعمة التي تُعزَز هذه الوقاية:
• الخضروات الطازجة
• الفواكه
• الحبوب الكاملة
• البقوليات.
تساعد هذه الأطعمة على تحسين حركة الأمعاء وتقليل الإمساك، وهو أحد أهم أسباب البواسير خلال الحمل.
هل هناك أطعمة، في المقابل، قد تزيد أعراض البواسير سوءًا؟
لا توجد أطعمة تُسبَب البواسير بشكلٍ مباشر، فلنكن واضحين؛ لكن بعض الخيارات الغذائية قد تزيد الإمساك أو الانزعاج، مثل:
• الوجبات السريعة
• الأطعمة قليلة الألياف
• الإفراط في الكافيين
• الأطعمة الحارة لدى بعض الأشخاص.
لذا من الأفضل تجنَبها قدر الإمكان.
هل تساعد الرياضة في تقليل خطر الإصابة؟
ممارسة الرياضة المعتدلة والمناسبة للحمل، تساعد على تحسين الدورة الدموية، تقليل الإمساك والحد من زيادة الوزن المفرطة.
أما الجلوس لفتراتٍ طويلة وقلة الحركة فهما من العوامل التي قد تزيد المشكلة سوءًا.
هل لكَ أن تُفنَد لنا بعض الخرافات حول البواسير، وتستعرض مقابلها الحقائق التي يجب معرفتها؟
الخرافة الأولى: البواسير تصيب فقط النساء اللاتي يلدنَ طبيعيًا.
الحقيقة: قد تظهر البواسير أيضًا بعد الولادة القيصرية، لأن الحمل نفسهُ هو العامل الرئيسي في كثيرٍ من الحالات.
الخرافة الثانية: تختفي البواسير دائمًا بعد الولادة.
الحقيقة: بعض الحالات تتحسن تلقائيًا، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى متابعة وعلاج.
الخرافة الثالثة: أي نزيف شرجي يعني وجود بواسير.
الحقيقة: قد يكون النزيف ناتجًا عن أسبابٍ أخرى، لذلك يجب تقييمه طبيًا.
ما هو السؤال الذي تفكر فيه معظم النساء ولا يجرأنَ على طرحه؟
إن السؤال الأكثر تكرارًا داخل العيادة هو: "هل ما أعانيه طبيعي أم أن حالتي خطيرة؟"
أعود وأذكّر، كثيرٌ من النساء يشعرنَ بالتردد عند الحديث عن النزيف أو التغيَرات التي تحدث في المنطقة الحساسة، ما يدفع بعضهنَ إلى تأخير طلب المساعدة الطبية. في حين أن التشخيص المبكر يمنح المرأة الطمأنينة ويضمن الحصول على العلاج المناسب في الوقت المناسب؛ لذا لا تترددي في زيارة الطبيب عند الضرورة، أو بصورةٍ دورية، للحفاظ على صحتكِ ورفاهكِ.
في الختام؛ ما النصيحة التي يود دكتور جهاد أن تعرفها كل امرأة حامل؟
النصيحة الأهم والأكثر فعالية التي يمكن أن أسديها لكل حامل هي: "حافظي على ليونة البراز وتجنبي الإمساك".
ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
• شرب كمياتٍ كافية من الماء
• تناول الألياف يوميًا
• ممارسة النشاط البدني المناسب
• عدم تأجيل التبرَز
• تجنَب الإجهاد أثناء التبرَز.
وقبل أن تبدئي رحلة الأمومة.. هذه الرسالة لكِ: البواسير خلال الحمل وبعد الولادة، مشكلةٌ شائعة جدًا، لكنها ليست أمرًا محرجًا ولا علامة على وجود مشكلةٍ خطيرة في معظم الحالات.
إلا أن تجاهل الأعراض أو تأخير طلب المشورة الطبية، قد يؤدي إلى استمرار المعاناة لفترةٍ أطول، بينما يمكن للوقاية المبكرة والعلاج المناسب أن يجعلا تجربة الحمل والأمومة أكثر راحةً وسهولة.
لذلك، فإن أهم خطوة هي عدم الصمت أمام الأعراض أو اعتبارها جزءًا لا مفر منه من الحمل، بل التعامل معها باعتبارها مشكلةً صحية يمكن الوقاية منها وعلاجها بفعالية عند التشخيص المبكر.