المعمارية ليال مرعي

خاص "هي": العمارة بين التّصميم والتّأويل مع المعمارية اللبنانية ليال مرعي

5 يونيو 2026

ليستِ العمارةُ أبراجًا تُلامس السّحاب، ولا جُدرانًا يحتضنُها التّرابُ، ولا صورًا تُبهر العيونَ ثمّ تغيبُ مع الزّمان، بل بحسب رؤيةِ ليال مرعي، المعماريَّة والباحثة والمُربِّيَة، لا تكمنُ عظمةُ العمارة فيما يرتفعُ من حجرٍ، بل فيما يرتقي من فكرٍ؛ فهي تغرسُ القيمَ كما تغرسُ الجُذورُ أشجارَها، وتُوقظُ الأسئلة كما تُوقظ الشّمسُ أزهارَها، وتفتحُ للنّاس نوافذَ جديدةً يُطلّون منها على العالمِ بعيونٍ أكثر وعيًا وعُمقًا. لذا كان لموقع "هي" حوار خاص معها لتسليط الضوء على أحدث التقنيات واستراتيجية العمل الحديثة في عالم التصاميم المعمارية.

المعمارية ليال مرعي
المعمارية ليال مرعي

تعملُ ليال مرعي بين الصّفوف الأكاديميّة والبحث والممارسة، متنقّلةً بين لبنان والولايات المتّحدة، في فضاءٍ يتداخلُ فيه التّصميم مع المُلاحظة، حيث لا تنفصلُ الفكرةُ عن أثرِها الماديّ، ولا النظرُ عن ما يُنتجه من معرفة. تخرَّجت في مدرسة هارفرد للدراسات العُليا للتّصميم، وفي مدرسة بارتليت للهندسة المعماريّة، ثم راكمت خبرتَها عبر التّدريس في عددٍ من المؤسّسات الدوليّة، م فتعمّق اهتمامها بالعمارة بوصفها أكثر من مهنة؛ بوصفها بنيةً ثقافيّةً وتربويّةً خفيّة، تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمدينة بصمت، وتؤثّر في طريقة إدراكه لمكانه داخلها، وفي الكيفيّة التي يفهم بها العالم من حوله.

من أرشيف ليال مرعي
من أرشيف ليال مرعي

تقول: "كثيرًا ما يصلُ الطلاب إلى العمارة وهم يظنون أنها تقوم أساسًا على الفعل الإبداعي في البناء والتشكيل، لكن مع مرور الوقت يكتشفون أنّ التّصميم ليس مجرد صناعةٍ للأشكال، بل هو فعلُ قراءةٍ عميق؛ قراءةٌ للأماكن بما تحمله من طبقات، وللأنظمة التي تنظّمها، وللتواريخ التي تراكمت فيها، وللعادات التي تشكّل سلوك الناس داخلها، مع الانتباه الدقيق لما يُهمَّش أو يختفي أثناء عملية التحوّل".

الهندسة المعمارية من تنفيذ ليال مرعي
الهندسة المعمارية من تنفيذ ليال مرعي

هذا الفهم أصبح محورًا أساسيًا في ممارستها التعليمية. ففي استوديوهات التّصميم ومساقات التمثيل المعماري، تدفع ليال مرعي طلابها إلى تجاوز المهارة التّقنيّة والنتائج الشكلية، نحو تفكيرٍ أوسع يرى العمارة كعملية إدراك قبل أن تكون عمليّة إنتاج. بدلًا من النظر إلى العمارة بوصفها إنتاجًا لأجسامٍ منفصلةٍ ومستقلة، تُوجِّه طلابها إلى فهمها داخل نسيجها الأوسع؛ في السياق الذي يحتضنها، وفي السرديات الخفيّة التي تُشكِّل خلفيّتها، وفي الشروط التي تسبق لحظة التّصميم ذاتها. فالمشروع، في هذا التصوّر، لا يبدأ من صفحةٍ بيضاء، بل من طبقاتٍ ممتدّةٍ من الواقع والمعطيات السابقة، من كلّ ما كان قائمًا قبل التّدخل التّصميمي، وما يزال يواصل تأثيره في تشكيله.

هندسة معمارية من تنفيذ المعمارية ليال مرعي
هندسة معمارية من تنفيذ المعمارية ليال مرعي

تنبع هذه المقاربة من سنواتٍ من التنقّل بين أشكالٍ متعددة من الممارسة، حيث لم تقتصر تجربة ليال مرعي على التّعليم الأكاديميّ، بل امتدت إلى مبادراتٍ في الفضاء العام، ومشاريع يقودها المجتمع، وأبحاث تصميمية تتناول مدنًا تشكّلت تحت ضغط الصراع والتحوّل وإعادة التكيّف. وعبر هذه المستويات المتباينة من العمل، يتكرّر سؤالٌ محوريٌّ واحد، وإن اختلفت صِيَغُه وتبدّلت سياقاتُه: ما الافتراضات التي تتسلّل إلى المساحات التي نصمّمها من دون أن ننتبه؟

في نظرها، تحمل التّربية المعماريّة نفسها طبقةً خفية من التعلّم غير المعلن؛ لا تظهر فيما يُدرَّس صراحة، بل فيما يُعتاد اعتباره طبيعيًا وبديهيًا داخل العملية التعليمية.

من يُفكَّر به حين يبدأ المشروع؟ أيُّ تواريخ تُعدّ ذات صلة وأيّها يُهمَّش؟ ما الذي يُصان ويُحفظ، وما الذي يُترك ليغيب عن المشهد؟ أيّ أشكال المعرفة يُعترف بها، وأيّها يبقى خارج الإطار الرسمي؟

هذه الأسئلة قد لا تُكتب في المقررات الدراسية، لكنها تواصل حضورها في العمق، لتوجّه نتائج التصميم وتُشكّلها بصمت.

هندسة معمارية من تنفيذ المعمارية اللبنانية ليال مرعي
هندسة معمارية من تنفيذ المعمارية اللبنانية ليال مرعي

هذا المنظور انعكس أيضًا على مسارها البحثي، حيث تتناول في أعمالها الكيفية التي تحمل بها المدن سردياتٍ اجتماعيةً وسياسيةً من خلال شروطها المادية، لا عبر المعالم الرمزية أو التواريخ الرسمية وحدها، بل من خلال البنى التحتية، والمساحات اليومية، وأنماط التكيّف التي غالبًا ما تمرّ من دون انتباه.

وبدل النظر إلى العمارة بوصفها حياديّة، تتعامل معها بوصفها جزءًا من منظومات أوسع من الثقافة وتجربة العيش، حيث تتداخل المادّة مع المعنى، ويتشكّل الفضاء كامتدادٍ مباشر للبُنى الاجتماعية التي ينتج عنها ويعيد إنتاجها.

لا يقتضي هذا التصوّر أن يُحمَّل كلُّ مشروعٍ أجندةً اجتماعيّةً كبرى، بل يفتح الباب أمام فهمٍ أكثر هدوءًا وعمقًا للتّصميم؛ فهمٍ يقترب من الواقع كما هو، بكلّ تعقيداته وتفاصيله الخفيّة، لا كما يُراد له أن يكون.

ويمتدّ هذا المنظور إلى التمثيل البصري أيضًا، حيث لا تُعامَل الرسومات والنماذج كوسائط لاحقة لشرح فكرةٍ مكتملة، بل كمساحةٍ تتشكّل فيها الفكرة وهي في طور التكوين، كأنّ الصورة ليست انعكاسًا للتصميم، بل أحد مصادر ولادته.

تقول: "التّمثيل ليس مرحلةً منفصلة عن التصميم، بل قد يكون اللحظة التّي يبدأ فيها المشروع في اتضاح معناه".

هندسة معمارية من تنفيذ المعمارية اللبنانية ليال مرعي
هندسة معمارية من تنفيذ المعمارية اللبنانية ليال مرعي

وفي زمنٍ تُطالَب فيه العمارة بالاستجابة لتحوّلاتٍ اجتماعية وبيئية وسياسية متسارعة، تدعو مرعي إلى توسيع حدود ما يُعدّ فعلًا تصميميًا، وإعادة التفكير في لحظة البدء ذاتها.

فأكثر القرارات تأثيرًا لا تولد عند وضع الحجر الأول، بل قبل ذلك بكثير؛ في نظرةٍ تُصاغ، وفي سؤالٍ يُطرح، وفي انتباهٍ يُمنح لما كان مُهمَلًا. وهناك، في تلك المسافة الدقيقة بين الملاحظة والتشكيل، يتبلور جوهر مقاربتها: ألا يقتصر دور العمارة على صناعة المباني، بل أن يمتدّ إلى صناعة طريقةٍ أخرى لرؤية العالم.

مسؤولة قسم المجوهرات، متخصصة بمتابعة آخر الصيحات مع الإضاءة على الإبداعات العربية في هذا المجال.