رحلة الفنان حاتم الأحمد

خاص بـ "هي": من المفتاحة إلى "هشاشة الأطلال".. رحلة الفنان حاتم الأحمد بين الذاكرة التاريخية واللغة البصرية المعاصرة

16 يوليو 2026

بدأ الفنان السوري حاتم الأحمد مسيرته الفنية من قرية المفتاحة للفنون التشكيلية في أبها، حيث كوّن رؤيته الفنية الخاصة من خلال تفاعله مع بيئته الغنية، مقدّمًا ممارسات معاصرة عبر الرسم، والتصوير، والنحت، والطباعة الفنية، فيما لفت الأنظار خلال السنوات الماضية بتطوره الفني، وتميّزه في التنقل بين الذاكرة التاريخية واللغة البصرية المعاصرة، وها هو اليوم يضع بصمة جديدة في مسيرته الفنية من خلال النجاح الذي حققه أول معرض فردي له مع أثر جاليري بعنوان "هشاشة الأطلال"، تحت إشراف القيّمة الفنية رانيا ماجينان، وهو المعرض الذي يستعرض موضوعات متعددة تشمل علم البيئة، والتدهور البيئي، والتلوث، وتبرز تداعيات هذه الأزمات في فضاء يتأرجح بين بقايا الأنقاض الناجمة عن الدمار، حيث تجسّد اللوحات والأعمال التركيبية طبيعة الأطلال الهشّة.. ومن خلال هذا الحوار الخاص مع "هي" يفتح الفنان حاتم الأحمد أبواب تجربته الفنية، وممارساته المتنوعة، ويتحدث عن خفايا وأسرار المعرض، وكذلك المشاريع الفنية التي يود استكشافها في المرحلة المقبلة.

‎‎بدايةً.. كيف تقدم نفسك كفنان؟ وكيف تصف أسلوبك وفلسفتك الفنية؟

الفنان حاتم الأحمد
الفنان حاتم الأحمد

أنا فنان متعدد التخصصات، تتجه ممارساتي نحو الاهتمام الإنساني بالبيئة وما ينتج عنه من رصد قضايا ومعامل تكشفها ممارستي عن علاقة الإنسان بالحياة غير بشرية بشكل شمولي، تتبع ممارساتي الفنية خطوط زمنية تأخذ من الماضي ركائز بحثية يمكن من خلالها قراءة المستقبل، هذا ما يجعل التجربة البشرية في الحاضر مهملة كزمن، حيث تتصاعد حكمة الإنسان القديم في التعايش ويتضح منها حجم الفرق الذي سيكون عليه المستقبل في خضم تفاعل الإنسان مع محيطه، ليكون عصر (الأنثروبوسين) هو الخلفية المفاهيمية التي يتحرك عملي الفني ضمنها، وهنا تكون أعمالي بمختلف تطبيقاتها (لوحة، أعمال التركيبية، طباعة وفيديو) قوالب بصرية تعكس القلق المستقبلي تجاه البيئة بشكل خاص وجودة الحياة كمفهوم بشكل عام.

على امتداد مسيرتك الفنية، ما المحطات التي تراها الأكثر تأثيرًا في تشكيل تجربتك الفنية، وكيف انعكست على أعمالك؟

تأثرت ممارستي الفنية بشكل مبكر ضمن قرية المفتاحة التشكيلية في مدينة أبها، حيث كانت هناك البداية العملية تجاه الفنون وتعلم الاساسيات التطبيقية، ومع بداية تفعيل برامج الإقامات الفنية كانت (إقامة مساحة في معهد مسك للفنون) هي البداية، حيث كانت إقامة ( تجلي الذكريات- 2022) أثر في تركيز مفاهيمي الفنية وضمن هذه الفترة كانت الفترة التحضيرية لمعرض (أبحث عني بين الضباب) والذي يعد أحد معارض هيئة الفنون البصرية وتحت إشراف أثر جاليري والقيّمة الفنية: مريم بلال، حيث كان يتزامن المعرض مع فترة الإقامة الفنية ما نتج عنه كثافة مفاهيمية وعملية، أستطيع أن أعتبره هو البداية التي انعكس صداها على عملي للآن.

حدثنا عن معرضك الأخير "هشاشة الأطلال".. كيف وُلدت فكرة المعرض، وما الرسالة التي رغبت في إيصالها من خلاله؟

تعتبر المنطقة التي اعيش واعمل بها (منطقة عسير) مختبر مفتوح ومنطقة ذات ثراء جغرافي ومعرفي يمكن من خلاله عكس العديد من المفاهيم وإعادة بنائها بشكل مثير للاهتمام، حيث كانت زيارتي للعديد من المزارع المهجورة هي الشرارة الأولى التي دعتني إلى التفكير في نزع الأطلال من الشكل الأدبي وتفكيك مفردات الاطلال، ثم إعادة بنائها لا كظاهرة شعرية وإنما كحلقات بيئية تأخذ من التشييد البشري بداية لقياس شدة الزمن وحياة كل ما هو غير بشري على تفعيل دورات الاضمحلال ومدى قدرتها على تفكيك الأثر البشرية واعادته للطبيعة الأم. هنا كان المعرض كعتبات بصرية تعيد تعريف الأطلال كحالة زمنية بيئية اتخذت من اللوحة والتراكيب أدوات، تم عرضها في أثر جاليري- حي جاكس، وتحت إشراف القيم الفني: رانيا ماجنيان.

أول معرض فردي للفنان حاتم الأحمد مع أثر جاليري بعنوان هشاشة الأطلال
أول معرض فردي للفنان حاتم الأحمد مع أثر جاليري بعنوان هشاشة الأطلال

تعتمد في أعمالك على مواد وتقنيات متنوعة.. كيف تختار الوسيط الأنسب لكل فكرة، وهل تفرض الفكرة المادة أم العكس؟

تتخذ ممارساتي الفنية طابع خوارزمي يتخذ من الشكل الخطي في البحث نهج يقوم بإزاحة اي اراء شخصية او نظرة شاعرية، هنا تصبح ممارستي الفنية مجردة من الأنا وذات طابع الحياد فيه أهم سماته.
وما ينتج عن هذه المنهجية هي أن المفهوم يأخذ الدور الذي ينتج عنه قرار الاختيار الانسب للمادة، دائما ما احب ان اشير الى ممارستي بشكل مجازي لخط الأعداد حيث الانزياح للأرقام موجبة أو سالبة هو ما احاول الابتعاد عنه حيث افضل ان تستقر ممارستي عند الصفر، وهنا استطيع تقديم رؤية موضوعية ذات طابع أفقي، يستطيع أن يرى الموضوع الذي ابحث فيه واختار انسب توجه مادي له.

تحضر في أعمالك مفاهيم مثل الزمن والتحول والأثر الإنساني.. كيف تترجم هذه الأفكار إلى لغة بصرية دون أن تفقد بعدها التأملي؟

كما ذكرت سابقا ان الزمن وترتيبه الخاص بالنسبة لي هو أحد ركائز عملي، حيث تلاقي الماضي ودروسه مع المستقبل هو ارضية استثنائية يمكن من خلالها قراءة حالة البيئة وعكسها ضمن اطارات بصرية تتخذ من تأثير الانسان على محيطه هو الشاغل الأكبر لممارساتي، فالبعد التأملي ليس مبني على انطباع شخصي وانما على قراءة دروس الماضي ورؤية أثرها على مستقبل الأجيال القادمة وشكل محيطهم، هنا تصبح القضايا البيئية ذات طابع إنساني وتتخذ فلسفاته طابع شمولي لا يقتصر على النظرة الذاتية.

كيف أثرت البيئة التي نشأت فيها في أبها على مفرداتك البصرية، وهل ما زالت حاضرة في أعمالك حتى اليوم؟

كون منطقة عسير تحتوي بيئات مختلف بين الجبل والسهل والبيئة الصحراوية والبحرية، فهي مختبر استطيع من خلاله تكوين مفاهيم جدا مهمة لأعمالي، حيث احب ان ارى حكمة الأجيال الأجداد في تحقيق استدامة الموارد وطريقة استغلالها في جوانب العمارة والغذاء والطبابة على سبيل المثال جوانب مثيرة للاهتمام.
ومن جانب آخر يوفر هذا الثراء في البيئات موسوعة مادية وحيوية يمكن من خلالها أن ترتبط ممارساتي بالسياق العالمي حيث هذا الثراء استطيع من خلاله أن أتفاعل مع العديد من المواضيع كهجرة الطيور أو تقنيات الزراعة المختلفة والاستثنائية التي تطورت في هذه البقعة، وهذا ما اعتقد انه يميز أعمالي، وهنا استطيع ان اصف منطقة عسير بأنها ملهمة على كافة الجوانب لاي فنان يتبنى هذا النهج، لذا لا افكر بمغادرتها نظرا لتكوينها الاستثنائي جغرافيا ومعرفيا.

يستضيف أثر جاليري معرض “هشاشة الأطلال” للفنان حاتم الأحمد
يستضيف أثر جاليري معرض “هشاشة الأطلال” للفنان حاتم الأحمد

أعلن أثر جاليري مؤخرًا عن تمثيلك رسميًا.. ماذا تعني لك هذه الخطوة في مسيرتك الفنية، وكيف ترى أثر هذا التعاون على مشاريعك المستقبلية؟

أجد في هذا التمثيل آفاق ايجابية ومنها أستطيع ان اقول ان ممارستي الفنية انتقلت الى بيئة ثقافية وعملية يمكن من خلالها أن احقق نقلات نوعية في ممارستي، هنا ارى حجم "أثر جاليري" ومدى تأثيره الواعد في ممارستي كفنان، ليس من جانب تفاؤلي فقط، وإنما نظرا للنماذج الفنية التي قدمها أثر والتي كان لها حضور فعال في إثراء المشهد الفني محليا وحتى عالميا.

سيُختتم المعرض بجلسة حوارية مع القيّمة الفنية رانيا ماجنيان.. ماذا تمثل لك هذه الجلسة، وما الذي تتطلع إلى مشاركته مع الجمهور خلالها؟

يمثل لي هذا الحوار حضور ينتقل منه المعرض من المخرج النهائي الى نظرة سردية لما صاحب المعرض من تحضيرات خلف الكواليس، هنا لا يكون الحوار عن ماذا بطرح هذا المشروع أو ذاك، إنما كيف تم تركيب هذا المشهد وكشف التفاصيل التي كانت ضمن طبقات العمل الفعلي بيني وبين القيمة الفنية.

بعد هذا المعرض.. ما الأفكار أو المشاريع التي تود استكشافها في المرحلة المقبلة، وهل هناك اتجاهات جديدة تتطلع إلى تجربتها؟

لا ابالغ إذا قلت بأن اطمح في المرحلة القادمة أن اتخذ صوت (الغير بشري) ومن هنا أفكر في ان تتوسع ادواتي النظرية والتطبيقية بشكل يتجاوز الحدود ويولي لحياة كل ماهو غير بشري اولوية، اعتقد انه حان الوقت لرؤية الوجود بشكله الكامل من نظرة ذات بعد مختلف عما تبناه الانسان سابقا، فالمرحلة القادمة احاول ان أجد لنفسي مساحة ضمن هذا الحضور.

رحلة الفنان حاتم الأحمد - الصورة الرئيسية
رحلة الفنان حاتم الأحمد

كلمة أخيرة..

كل الشكر لكم لطرح تلك التساؤلات الثرية، حيث وجدت فيها تفاصيل من شأنها أن تكون استعادة ثرية لمشاريع فنية واعدة مستقبلا.. وها هي حضرت خلال هذا الحوار.

حساب الفنان حاتم الأحمد على الانستجرام.

https://www.instagram.com/hatem_al_ahmad/?hl=ar

الصور تم استلامها من أثر جاليري.

شروق هشام – محررة صحافية تقيم في الرياض، انضمت لمجلة "هي" عام 2012 للعمل في قسم السعودية، متخصصة في الفنون واللايف ستايل والأزياء والجمال. حاصلة على شهادة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة دار العلوم في الرياض.