الكاتبة الكويتية سارة العسكر تكتب لـ"هي": حكواتية الزمن – بيوت مجنّحة
لماذا تحلّقين نحو البيوت العربية القديمة؟ تبسطين الأجنحة وتذرعين الخريطة وأنتِ محشورة بين جدران منازلها. يشاكس هذا التساؤل رحلتي التي لم تكن مجرد تطواف ثقافي في شوارع المدن ومقاهيها ومتاحفها وآثارها العمرانية الشهيرة، بل خلف أبواب بيوتها.
"البيوت حكواتية الزمن" شاهدة ثرثارة على كل التواريخ بعيدا عن أجندة الساسة والمؤرخين. تهبني سفرا مؤقتا إلى الزمن القديم، تحقق حلم العودة إلى الفن والطقوس والعيش ببطء كما الأجداد، الدوران في محيط عائلي دافئ. كل موجود في قلب البيت، الغرف تدور حول الصالون، دون مسافات عازلة. صوت الأم مسموع من المطبخ إلى البلكون وحتى غرف الأبناء. أعياد المدينة حاضرة في حنايا البيوت، وإن اختلفت مذاهبها وميولها. الجار يوزع روائحه ومذاقاته لبقية الجيران، يبني ذاكرة مشتركة تتداخل مع من حوله. مهما علا شأن أصحاب البيت، يبقون على تواصل مع الحي وأهله والمدينة. البيوت التي منحتني مدينة عربية عميقة لا يعرفها العابر الغامر. كما هو بيت عائلة السيدة ابتسام.
بضع طَرقات على باب عتيق أدخلتني في زمن منسّي، ماضٍ محبب تألفه الروح لبساطته واتساع معناه ورحابة عروبته. فتحت لي الباب سيدة لبنانية أنيقة ترتدي "تايور شيك"، وتتحلّى بأقراط لؤلؤية لامعة، رحّبت بلهجة لبنانية عذبة "أهلا وسهلا". كنت قد أبرمت موعدا لدخول هذا المنزل العائلي الأثري في ضيعة "معاصر الشوف" في جبل لبنان. البيت الذي يستودع أزمانا طويلة منذ جدّة زوجها. دخلت مع السيدة ابتسام عزام إلى قلب الصالون النيلي وغمرني دفء الزمن. كل شيء كما كان دون مساس.
الحوائط والأسقف المرسومة بفن شاعري على طريقة البيوت المتوسطية في القرن التاسع عشر في بلاد الشام، الثريات والبيانو، الأثاث الخشبي والأواني الفضية، الأسرة النحاسية وطاولة الطعام الأرستقراطية. كنا نتهادى بين مكونات المنزل بينما تتفجر الذكريات تباعا، كل زاوية تهمس بحكاية عائلية وطرفة نسائية. "هون بهيدا الصالون نسوان العيلة بيطلعوا عالشمس آخر النهار وهيّ بتغيب"، حيث صُممتْ الغرفة لتكون في واجهة المغيب. بينما صالون البيت المركزي تحيطه غرف أفراد العائلة يستقبل الشمس فور بزوغها كل صباح لتنفض عنهم النعاس.
أما لحفلات استقبال النساء، فيبدو المنزل في حركة دؤوبة لضيافة سيدات الضيعة وإمتاعهن بكل سرور بموائد الطعام الشهية وفناجين القهوة المعطرة بالورد وصنوف حلويات جبل لبنان. حين صعدنا العليّة غمرتني رائحة الزعتر البري، وجدته ممدودا على بساطٍ قطني أبيض للتجفيف في غرفة المونة كما درجت عادة نساء الجبل. يستخدمن تلك الغرف العلوية في تحضير المونة للشتاء. تمتد أياديهن المباركة في الحقول حين تمتلئ السلال بالثمار الموسمية والأعشاب البرية من برتقال وليمون وخوخ وتفاح ومشمش وتين وزعتر وحبق وقصعين وزيتون وجوز. فينفضنها ويحولن تلك السكاكر الربانية إلى مربيات ومخللات ودبس وفاكهة مجففة. كما للأعشاب الجبلية نصيبٌ من احتفالية الخلق والتكوين بين أياديهن، فتصير أوراق عطرية يضفنها إلى الشاي في ساعات المغيب ويمزجنها مع الطعام لتعطير مأكولاتهن أو يستخدمنها للتشافي.
نزلنا من العليّة بحذر عبر درج ضيق نحو الصالون، كانت الست ابتسام تمضي في حديثها عن خبايا البيت وتفتخر بتاريخ بنائه الاستثنائي، حيث عُمر بسواعد نساء العائلة الأوليات، حين انشغل رجالهن بالسفر والتجارة في الولايات المتحدة الأمريكية، أوكلوا إليهن مهمة تعمير بيت العائلة وتزويقه. نجحن بجدارة مستعينات بحدسهن في الخلق وفطرتهن في التجميل، لم تفلت منهن شاردة مع العمال. كل قطعة حجر يحسبونها مقابل ليرة عثمانية، حتى نما هذا المنزل على تلّة جبلية تشرف على الضيعة.
قبيل الغروب حين كنا نتناول القهوة مع الست ابتسام وصبايا الضيعة، متسليات بالأرواح التي تسري بيننا، سألتها عن الخيالات التي تداهم سكان البيوت التراثية القديمة، أو الصور التي تتشابك مع الزمن، ضحكت وهي تقول: "أوقات بتخيل النسوان وهِنِّي قاعدين بالصالون بتيابن الأديمة بيشربوا أهوي، لابسين طرابيش جبل لبنان، الطربوش يالليّ مشلشل بالفضة وتسمعي صوتوا، رايحين عالعين يجيبوا المَي، أو آعدين بالصالون التاني يطّلعوا عالغروب".
أدرت رأسي نحو باب البلكون أنظر في عين الشمس وهي تغيب عن الضيعة، بينما صغيرتي تعزف موسيقا عذبة على بيانو نساء العائلة المركون في الزاوية. تذكرت الحكايات والنوادر والعوالم، الروائح والأصوات والمذاقات، الأعياد والطقوس والأغنيات التي سرّتني بها البيوت طوال رحلتي العربية.