الباحثة والإعلامية السعودية صبا الخميس

الباحثة والإعلامية السعودية صبا الخميس تكتب لـ"هي": متعطّشون للتراث.. متلهّفون للثقافة

29 أبريل 2026

لعقود كانت المواقع التراثية والمتاحف ومراكز الأرشفة أماكن يرتادها بشكل أساسي علماء الآثار والباحثون والأكاديميون، إلى جانب بعض السيّاح المدفوعين بحب المعرفة، وكانوا مكلفين بدراسة وتوثيق وتفسير الماضي من منظور تخصصاتهم.

كانت هذه المساحات هادئة ومنهجية، وغالبا ما كانت بعيدة عن عامة الناس، تؤدّي دور مستودعات للمعلومات بدلا من أن تكون امتدادات حية للهُوية. اليوم، لم يعد الأمر كذلك. فنحن نشهد الآن بروز جيل شاب في خضم موجة جديدة، وهو جيل لا يكتفي بمراقبة الثقافة من بعيد، بل يسعى إليها بنشاط، ويطرح الأسئلة حولها، ويستعيدها. هم لا يتعاملون مع التراث على أنه واجب أكاديمي، بل باعتباره شيئا شخصيا للغاية.

هناك رغبة واضحة في فهم جذورهم، تقابلها رغبة لا تقل قوة في ربط هذا الفهم بما يصيرون إليه. لكن لماذا الآن؟ ما الذي تحوّل؟ ما الذي تغيّر؟

الجواب بسيط للغاية: طرق الاستهلاك. لم يقتصر دور المنصات الرقمية مثل "إنستغرام" و"تيك توك" و"يوتيوب" على تضخيم وصول المحتوى فحسب، بل أعادت تعريف ما يستحق الانتباه إليه والاهتمام به. لقد أوجدت مستوى جديدا من الوعي بما ينبغي البحث عنه، والتساؤل حوله، ومحاولة فهمه. لم يعد التراث محصورا في الكتب الدراسية أو المؤسسات؛ بل أصبح متداولا، تُعاد صياغته وتقديمه بطرق تبدو فورية وسهلة المنال.

أصبح صانعو المحتوى رواة قصص عصرنا الحديث؛ وهم يشكلون منظومة متنامية من الرواة الثقافيين والباحثين والمؤرشفين وحتى المشاركين العفويين، فيقومون بتوثيق وتفسير ونشر أجزاء من التراث في الوقت الفعلي. حوّلوا ما كنّا نراه في الماضي مادة دراسية معقدة إلى شيء ترفيهي يسلّينا ويحضّنا على التفكير، وفي كثير من الأحيان، يقودنا في مسار لاكتشاف هُويتنا الوطنية. وبذلك، أشعلوا شرارة أكبر من مجرد الاهتمام، وأطلقوا حركة، وغيّروا الاتجاه. بدلا من مجرد شرح الثقافة، باتوا يعيشونها.

التغيير لا يكمن في جوهر المحتوى، بل في طريقة تقديمه. فالعصر الحديث يتطلب حلولا حديثة. اليوم، يصعب على الناس الحفاظ على انتباههم خلال محادثة، فضلا عن كتاب مدرسي كثيف أو حتى منشور طويل. يتفاعل العقل بسرعة: هذا كثير، دعنا نمرر الصفحة نحو شيء آخر. وهكذا، يثبت السرد مرة بعد مرة أنه الشكل الأكثر فاعلية وجاذبية لمشاركة المعلومات.

وفضلا على ذلك، لا ينبغي تجاهل أحد العوامل الرئيسة التي أسهمت في هذا النهضة الثقافية: الأهداف الوطنية الواضحة. في العديد من القطاعات، لم تعد المؤسسات الثقافية والتراثية تعمل على الهامش، بل أصبحت تموَّل وتنظَّم وتمكَّن بشكل فعّال. وتسهم المنح وورش العمل والزمالات والبرامج في إتاحة الفرص للأفراد، ليس فقط لدراسة التراث، بل لتفسيره وإنتاجه وإحيائه. وقد أدى هذا الدعم المؤسسي إلى تحويل الثقافة من مجرد شيء محفوظ إلى شيء يُمارس بشكل حيوي ومتطور وتشاركي.

ومع ذلك، هناك تحدٍّ موازٍ يجب الاعتراف به. ففي حين كانت الكتب المدرسية والمقالات والوثائق التقليدية في الماضي مصادر أساسية موثّقة وخاضعة للرقابة والتدقيق، فإن المنصات نفسها التي تعمل اليوم على نشر المعرفة قادرة بالقدر ذاته على تشويهها.

وكثيرا ما تتجاوز سرعة انتشار المعلومات دقة عملية التحقق منها، وهو ما يخلق مفارقة تتمثل في نمو الوعي، ولكن ليس دائما على أساس من الحقيقة.

وهذا يوضّح أمرا أساسيا: يجب على سهولة الوصول أن تقترن بالمصداقية. يجب ألا نقوّض التقدم في الوعي والانتشار بالتضحية بالاستدامة، وهو ما يضعنا عند مفترق طرق بين الانتشار الواسع والدقة. إن الأرشيفات المفتوحة والمنصات الموثقة جيدا والأصوات الموثوقة ضرورية لسد الفجوة بين المعرفة الأكاديمية وتداولها العام. ومن دون ذلك، فإن الأدوات ذاتها التي أشعلت شرارة هذا الصحوة قد تضعفها.

مع الظهور المتزايد للثقافة، يتزايد أيضا خطر تحويلها إلى أداة للترويج. وبدلا من الحفاظ على التراث، قد يُختزل إلى مجرد جماليات ولحظات رمزية هدفها جذب النقرات والتفاعل، بعيدا عن معناها الأعمق. التراث ليس موضة عابرة، ولا أداة تسويقية. إنه تاريخ. إنه إرث. يحمل ثقل الناس والأماكن والزمن. ومعاملته كحيلة دعائية تضعف جوهر ما يمثله.

لم تعد المواقع التراثية والأنشطة الثقافية حكرا على المتخصصين. بل أصبحت الآن تستقطب شريحة أوسع بكثير من المجتمع، من ناس يرون أنفسهم منعكسين في هذه الروايات ويدركون واقعهم.

يمكن فهم ذلك بطريقة بسيطة: تخيّلي طفلا صغيرا يطلب من أمّه قصة قبل النوم. وكما تفعل معظم الأمهات، ترتجل هي قصة تعكس عالم الطفل نفسه. وعلى الفور، يبتسم الطفل، متعرّفا إلى نفسه في تلك القصة.

هكذا نتفاعل مع الثقافة والتراث. نشعر بأنهما يشبهاننا لأنهما يمثلان واقعنا المرويّ عبر القصص. هنا يكمن الفرق. ليس في الظهور وحده، بل في الترابط. نرتبط بالثقافة ليس لأنها مقدّمة إلينا، بل لأننا نرى أنفسنا فيها، ونرى واقعنا، وتاريخنا، وحكاياتنا.