ضباب الدماغ في سن الأربعين هل هو انقطاع الطمث المبكر؟

انقطاع الطمث المبكر.. هل يتجسد في ضباب الدماغ بسن الأربعين؟ الخبراء يجيبون

يحدث انقطاع الطمث Menopause عادةً بين سن 45 و55 عامًا، مع متوسط عمرٍ يُقارب 51 عامًا. هذا هو الإطار الأكثر شيوعًا عالميًا، لكن التجربة قد تختلف من امرأةٍ لأخرى؛ وبعض النساء قد يُعانيَن من "انقطاع الطمث المبكر" في سن الأربعين أو حتى قبله.

قبل الانقطاع النهائي، تمر المرأة بمرحلة معينة تُسمّى ما قبل انقطاع الطمث (Perimenopause)، وقد تبدأ قبل سنوات من الانقطاع الفعلي. وقد يحدث الانقطاع المبكر قبل سن 40، وهو أمرٌ يحتاج إلى متابعةٍ طبية.

بالعودة إلى عملية انقطاع الطمث الطبيعية والسائدة بين ملايين النساء حول العالم؛ من الممكن أن يتسبب هذا الانقطاع في سلسلةٍ من الأعراض، بدايةً من هَبَّات الحرارة والتعرّق الليلي وصولًا إلى زيادة الوزن. ولكن هل من الممكن أن يُسبَب مشكلاتٍ في الذاكرة؟

تشرح الدكتورة جولبانا كلينج، المدير المساعد لمركز مايو كلينك لصحة المرأة في أريزونا، الصلة بين انقطاع الطمث وضباب الدماغ.

ضباب الدماغ في سن الأربعين: هل هو انقطاع الطمث المبكر؟

ضباب أو تشوّش الدماغ هو حالةٌ عادةً ما تذكرها النساء أثناء انقطاع الطمث، للتعبير عن مشكلات الذاكرة، التركيز والانتباه. وقد تُثير هذه الحالة مخاوف، من أنها ربما تكون علامةً مبكّرة للإصابة بالخَرَف أو غير ذلك من المشكلات الخطرة. وبحسب الدكتورة كلينج، فإن حالات النساء اللاتي يشهدنَ انقطاع الطمث، غالبًا ما يسألْنَ عما إذا كان ضباب الدماغ لديهنَ حقيقي.

وأكدت الدكتورة كلينج هذه المخاوف بالقول: "نعم إنه كذلك. عندما أقولُ ذلك للنساء في العيادة، فيبدو أن لسان حالهنَ يقول: الحمد لله، لن يُصيبني الخَرَف، أليس كذلك؟". وأضافت قائلةً: "أعتقد أن الكثير منا يذهبون إلى الاعتقاد أنه مؤشرٌ لشيءٍ خطر."

أشارت الدكتورة كلينج إلى أن الدراسات أظهرت أدلةً على الإصابة بضباب الدماغ أثناء انقطاع الطمث. وقالت في هذا الصدد: "أظهرت الكثير من الدراسات شكاوى معرفية لدى النساء اللاتي مررنَ بفترة انقطاع الطمث سواءً أكانت هذه الشكاوى شخصانية مثل، (يا إلهي، أنا دائمًا أنسى مفاتيحي)، أو تشخيصية، عندما تُجري النساء اختباراتٍ معرفية، فتظهر تغيَراتٍ لديهنَ في الوظائف التنفيذية."

ضباب الدماغ في سن الأربعين قد يؤثر على جودة النوم
ضباب الدماغ في سن الأربعين قد يؤثر على جودة النوم

ذكرت كلينج أيضًا أن ضباب الدماغ قد يرتبط باضطراب النوم، وهو عرضٌ آخر شائع لانقطاع الطمث. مضيفةً أن العلاج الهرموني قد يُساعد على تخفيف الأعراض، وذلك بناءً على استشارةٍ طبية لا بدَ منها في هذه الحالة.

كما صرحت الدكتورة كلينج قائلةً: "ليست لدينا دراسات كثيرة لنقول إن العلاج الهرموني من المؤكد يعالج هذه الحالات، ولكن الكثير من النساء، بمجرد ما تتحسن السيطرة لديهنَ على أعراض هَبَّات الحرارة والتعرّق الليلي، يتحسن النوم لديهنَ ويتحسن مزاجهن". وأضافت: "بسبب أنهنَ يتلقين علاجًا لأعراض انقطاع الطمث، فسيلاحظنَ تحسنًا في علاج شكاواهنَ المعرفية أيضًا."

من دواعي السرور بالفعل أن تشوّش الدماغ يبدو كحالة مؤقتة؛ فقد صرحت الدكتورة كلينج إن اختبارات تشوّش الدماغ بعد انقطاع الطمث أظهرت تحسنًا. لذا استشيري طبيبكِ السريري عزيزتي، في حال كنتِ تعانين من ضباب الدماغ في مرحلة انقطاع الطمث، لمعرفة العلاج المناسب لكِ.

انقطاع الطمث: كيف يحدث، ومتى يبدأ؟

الدكتورة راضية ريجيس يونس استشارية أمراض النساء والتوليد في مستشفى NMC Royal دبي
الدكتورة راضية ريجيس يونس استشارية أمراض النساء والتوليد في مستشفى NMC Royal دبي

بحسب الدكتورة الدكتورة راضية ريجيس يونس، استشارية أمراض النساء والتوليد في مستشفى NMC Royal دبي؛ في هذه المرحلة، يبدأ المبيضان بتقليل إنتاج هرموني الإستروجين والبروجستيرون تدريجيًا، وهما من الهرمونات الأساسية التي تؤثر في الجهاز التناسلي، العظام، القلب، الجلد، والدماغ، وحتى في الإحساس العام بالاستقرار النفسي والبدني. ولأن الانخفاض لا يكون مفاجئاً بل متذبذباً ومتدرجاً، فإن الأعراض بدورها لا تكون متشابهةً لدى جميع النساء، بل تختلف من سيدةٍ لأخرى في الشدة، النمط والتوقيت.

أكثر ما يلفتُ انتباه المرأة في العادة هو تغيَر الدورة الشهرية. فقد تصبح غير منتظمة، أو تتباعد فتراتها، أو تزيد كثافتها أحياناً ثم تقلَ في مراتٍ أخرى. بعض السيدات قد يظننَ أن هذا التغير أمرٌ عابر ولا يحتاج لاهتمام؛ وبينما يجب الانتباه إلى أن عدم انتظام الدورة في هذه المرحلة قد يكون طبيعياً، إلا أن النزيف الشديد أو المطوّل أو المتكرر بشكلٍ غير معتاد يحتاج دائماً إلى تقييمٍ طبي، لأن التشابه في الأعراض لا يعني دومًا أن السبب واحد.

ومن بين الأعراض التي كثيراً ما تؤثر في جودة الحياة عند السيدات في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، الهبات الساخنة والتعرق الليلي. وهي من العلامات الشائعة المرتبطة بتغيَرات الإستروجين؛ خلالها، قد تشعر فيها المرأة بارتفاعٍ مفاجئ في حرارة الجسم، خاصةً في الوجه، العنق والصدر، كما قد يترافق ذلك مع احمرارٍ أو خفقان أو تعرق شديد، وأحياناً مع شعورٍ مفاجئ بعدم الارتياح. عندما تتكرر هذه النوبات ليلاً، فإنها تؤثر في النوم وتؤدي إلى إرهاقٍ متراكم خلال النهار، وهو ما قد ينعكس بدوره على المزاج، التركيز والنشاط العام.

من هنا، يمكن الربط بين ضباب الدماغ والأرق الناجم عن الهبات الساخنة والتعرق الليلي اللذين يظهران بشدة عند كثيرٍ من النساء في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث وخلاله.

إلى جانب ذلك، تمرَ بعض السيدات بتغيَراتٍ في الحالة النفسية قد لا ينتبهنَ في البداية إلى ارتباطها بهذه المرحلة. فقد يظهر القلق بصورةٍ أوضح، أو تزداد الحساسية الانفعالية، أو تشعرُ المرأة بالحزن أو سرعة الغضب أو التوتر دون سببٍ مباشر واضح. لا يعني ذلك بالضرورة وجود اضطرابٍ نفسي مرضي، تؤكد الدكتورة يونس؛ لكنه يشير إلى أن الدماغ يتأثر هو الآخر بالتقلبات الهرمونية، خاصةً أن الإستروجين (الهرمون الأنثوي) يُسهم في تنظيم بعض النواقل العصبية المرتبطة بالمزاج والشعور بالاستقرار.

علامات أخرى لمرحلة ما قبل انقطاع الطمث

من التغيَرات التي قد تلحظها بعض النساء أيضاً، جفاف الجلد، تساقط الشعر أو تغيَر ملمسه، زيادة الوزن أو تبَدل توزيع الدهون في الجسم، خصوصاً في منطقة البطن. هذه التغيَرات قد تبدو للبعض شكليةً فقط، لكنها في الحقيقة تحمل أبعاداً صحية مهمة؛ لأن تراكم الدهون في منطقة البطن يرتبط بزيادة خطر الإصابة بمشكلات القلب والأوعية الدموية، اضطرابات السكر وارتفاع الضغط، وهي أمورٌ تصبح أكثر أهمية مع تقدم العمر وانخفاض مستوى الإستروجين.

كما أن صحة العظام تدخل في دائرة الاهتمام بقوة في هذه المرحلة. فالإستروجين يلعب دوراً كبيراً في الحفاظ على كثافة العظام، ومع تراجعه تبدأ العظام بفقدان جزءٍ من هذه الحماية الطبيعية. لذلك فإن إهمال التغذية المناسبة أو النشاط البدني أو الفحوصات الدورية قد يجعل المرأة أكثر عرضةً لضعف العظام أو هشاشتها مع مرور الوقت. هذا لا يعني أن الخطر يحدثُ فجأة، لكنه يتطور بصمت، ولهذا فإن الوقاية المبكرة تُعدَ أكثر أهميةً من الانتظار حتى ظهور المشكلة.

كيفية الاستعداد لمرحلة ما قبل انقطاع الطمث

تؤكد الدكتورة يونس على أن التغذية هي أبرز عاملٍ لتخطي مضاعفات مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، بحيث تكونين في أعلى جهوزيةٍ جسدية عند الوصول إليها.

والتغذية هنا ليست وسيلةً فقط للحفاظ على فقط، بل تُعدَ جزءًا أساسيًا من خطة العناية بالنفس. فالمرأة في هذه المرحلة تحتاجُ إلى نظامٍ غذائي متوازن، يدعم العظام، العضلات، الطاقة، المناعة والمزاج. ويشمل ذلك:

•       تناول البروتين بشكلٍ كافٍ.

•       الحصول على مصادر جيدة من الكالسيوم وفيتامين D.

•       الإكثار من الخضروات والفواكه.

•       تقليل السكريات الزائدة، الأطعمة المُصنعة والدهون المشبعة.

•       تقليل الكافيين وكافة المشروبات المًنبَهة التي يمكن أن تؤثر على جودة النوم.

•       ممارسة الرياضة بشكلٍ مستدام.

•       معالجة كافة المشكلات المتعلقة بالصحة الجنسية والعلاقة الحميمة، مثل جفاف المهبل وانعدام الرغبة الجنسية.

والأهم بحسب استشارية أمراض النساء والتوليد في مستشفى NMC Royal دبي الدكتورة راضية يونس، استقاء المعلومات الطبية والنصائح من المختصين وليس عن طريق النصائح العشوائية التي التي يتبناها بعض الأفراد؛ سواء في الجلسات الضيقة بين الأهل والصديقات، أو على نطاقٍ أوسع من خلال منصات التواصل الاجتماعي التي باتت مسرحًا غير منضبط للكثير من هذه الممارسات الخاطئة.

في الخلاصة؛ فإن ضباب الدماغ في سن الأربعين قد يكون مؤشرًا على دخول مرحلة انقطاع الطمث، وليس الإصابة بالخرف كما تعتقد كثيرات. يمكن لهذه الضبابية أن تؤثر على جودة النوم وتُعزَز اضطرابات النوم بشكلٍ كبير، وقد يُساعد أن العلاج الهرموني على تخفيف الأعراض، وذلك بناءً على استشارةٍ طبية لا بدَ منها في هذه الحالة.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".