الوقاية من سرطان الرئة

سرطان الرئة: بين الوقاية والكشف المبكر… متى تُنقذ الفحوصات حياتكِ؟

في عالمٍ تتسارعُ فيه التحوّلات الصحية، يبقى سرطان الرئة واحدًا من أكثر الأمراض التي تحتاج إلى صوتٍ واضح، وعيٍ مبكر، وقراراتٍ شجاعة.

ورغم التقدّم الهائل في الطب، ما زال هذا السرطان يحتلّ المرتبة الأولى عالميًا في الوفيات، مع 1.8 مليون وفاة سنويًا — رقمٌ يختصر حجم التحدّي، لكنه أيضًا يفتح بابًا واسعًا للوقاية.

سرطان الرئة اليوم: أرقامٌ تُغيّر الوعي

لماذا نتحدثُ عنه الآن؟ لأن الأرقام تتغيّر؛ ولأن المرأة تحديدًا في منطقة الخليج، باتت اليوم في قلب المعادلة: من انتشار الشيشة، إلى جودة الهواء، إلى نمط الحياة الحضري… كلها عوامل بدأت ترفعُ معدلات الإصابة بين النساء، حتى بين غير المُدخّنات.

وفق أحدث الأرقام العالمية (2024–2025)، فإن مرض السرطان يُسجَل اليوم:

•       2.5 مليون حالة جديدة سنويًا حول العالم

•       18٪ من وفيات السرطان سببها سرطان الرئة وحده

•       70٪ من الحالات تُكتشف متأخرة، حيث تكون فرص الشفاء محدودةً

•       نسب البقاء لخمس سنوات عالميًا: 15–20٪ فقط، وترتفع إلى 25٪ في الدول ذات الأنظمة الصحية المتقدمة.

هذه الأرقام ليست لإخافتكِ عزيزتي، وكان بودي حقيقةً أن أبدأ هذه المقالة بشيءٍ أكثر إيجابية؛ لكن الواقع المرير لهذا المرض لا يحتمل النقاش، وما الإضاءة على أرقامه عالميًا سوى للتذكير بأن الكشف المبكر قادر على تغيير القصة بالكامل.

الدكتور زيد زعمط رئيس قسم طب الرئة والجهاز التنفسي في كليفلاند كلينك أبوظبي
الدكتور زيد زعمط رئيس قسم طب الرئة والجهاز التنفسي في كليفلاند كلينك أبوظبي

كيف؟ تابعي القراءة معنا اليوم، حيث يُطلعنا الدكتور زيد زعمط، رئيس قسم طب الرئة والجهاز التنفسي بمعهد رعاية المشافي المتكاملة في كليفلاند كلينك أبوظبي، على أبرز عوامل الخطر المرتبطة بسرطان الرئة، وأهمية الفحوصات الدورية في دعم الكشف المبكر؛ إلى جانب أحدث التقنيات التشخيصية والعلاجية المتاحة، مؤكدًا على دور نمط الحياة الصحي في الوقاية وتعزيز صحة الجهاز التنفسي.

إنما بدايةً، دعينا نُلقي نظرة على وضع المرأة المُدخنة في الخليج، ولماذا هي في خطرٍ شديد.

المرأة والتدخين في الخليج: معادلةٌ مختلفة

قد أخسرُ بعض الصديقات أو المتابعات على صفحاتي على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب التطرق لخطر الشيشة على حياة النساء؛ لكن لا ضير من محاولة التوعية، للمرة الألف!

الشيشة هي الخطر الذي يبدو "أخفّ" مما هو عليه؛ والحقيقة أن تدخين الشيشة ليسَ أقل ضررًا من السجائر، إذ أن جلسةً واحدة من الشيشة قد تُعادل 100 سيجارة من حيث كمية الدخان المستنشق.

ومع انتشارها في المقاهي والبيوت، باتت الشيشة عاملًا رئيسيًا في ارتفاع إصابات سرطان الرئة بين النساء.

إنما دعينا لا نُلقي باللائمة فقط على الشيشة، فهناك عنصرٌ آخر (غير مباشر) قد يُضاعف من خطر إصابتنا بسرطان الرئة، ألا وهو جودة الهواء. تُعدَ مدن الخليج من الأكثر نشاطًا عمرانيًا في العالم، ومع ذلك تبقى الجُسيمات الدقيقة PM2.5 عاملًا مؤثرًا في صحة الرئة.

وتُقدّر منظمة الصحة العالمية أن 15٪ من وفيات سرطان الرئة مرتبطةٌ بتلوّث الهواء. إذن؛ فتحسين البيئة التي نعيشُ فيها، سواء في المنزل أو العمل، ضروريةٌ لحمايتنا من سرطان الرئة وغيره من المشاكل الصحية.

قد تقول إحداهنَ (وأنا منهنَ على سبيل المثال): لستُ مدخَنة، شكراً؛ لا أحتاجُ هذه النصائح. لكن مهلًا عزيزتي، فأنتِ في دائرة الخطر، رغمًا عنكِ.

دعيني أشرح لكِ: تشير الإحصاءات إلى أنه ما بين 10–20٪ من حالات سرطان الرئة عالميًا، تصيب أشخاصًا لم يدخّنوا يومًا. وفي هذه الفئة، تلعب الطفرات الجينية (مثل EGFR) دورًا أساسيًا — وهي أكثر شيوعًا بين النساء في آسيا والشرق الأوسط.

إذن؛ فنحنُ شئنا أم أبينا، مُعرَضين لخطر سرطان الرئة، حتى وإن كنا لا نُدخن؛ لذا من الضروري لنا معرفة كافة وسائل "الوقاية" المتاحة، لتوفير هذه الحماية، والمتمثلة بشكلٍ خاص في الكشف المبكر. فالفحص بالأشعة المقطعية منخفضة الجرعة (Low-Dose CT) مثلًا، يُقلّل الوفيات بنسبة 20–24٪ لدى الفئات عالية الخطورة.

في هذه الحالة، من يجب أن يفحص؟

•       من هنَ بين 50–80 عامًا

•       من لديهنَ تاريخ تدخين 20 pack-years أو أكثر

•       أو مُدخّنات الشيشة بانتظام لسنواتٍ طويلة.

الخبر السار هو أن الإمارات والسعودية بدأتا بالفعل بتوسيع برامج الفحص — وهي بالتأكيد خطوةٌ ستُغيّر مستقبل المرض في المنطقة.

يشهد مجال تشخيص وعلاج سرطان الرئة تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، لا سيما في تقنيات الكشف المبكر التي أسهمت في تحسين فرص العلاج بشكل كبير. ومع تزايد الوعي الصحي، أصبح بالإمكان اكتشاف العديد من الحالات في مراحل مبكرة، ما يفتح المجال أمام خياراتٍ علاجية أكثر فاعلية ونتائج أفضل على المديين القريب والبعيد.

الامتناع عن التدخين هو العامل الأبرز للوقاية من سرطان الرئة
الامتناع عن التدخين هو العامل الأبرز للوقاية من سرطان الرئة

سرطان الرئة: عوامل الخطر

وفقًا للدكتور زعمط من مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي، لا يزال التدخين العامل الأبرز المرتبط بسرطان الرئة، إلا أنه ليس العامل الوحيد. فهناك مجموعةٌ أخرى من العوامل التي تزيد من احتمالية الإصابة بهذا النوع من السرطانات المميتة؛ من بينها التاريخ العائلي للمرض، التعرض لتلوث الهواء، والتدخين السلبي، إضافةً إلى التعرض المستمر لدخان الوقود الحيوي داخل المنازل.

كما تشمل عوامل الخطر الأخرى، التعرض المزمن للمواد الكيميائية السامة والأبخرة، لا سيما في بيئات العمل مثل الأسبستوس، السيليكا وعوادم الديزل، إلى جانب الإصابة بأمراضٍ رئوية مُزمنة مثل مرض الانسداد الرئوي المزمن والتليّف، فضلًا عن التقدم في العمر.

سرطان الرئة: أهمية الكشف المبكر

يُمثَل الكشف المبكر أحد أهم العوامل التي تُحدث فرقًا حقيقيًا في مسار المرض، يؤكد الدكتور زعمط؛ إذ يُسهم بشكلٍ مباشر في زيادة فرص العلاج والشفاء. ورغم المخاوف المرتبطة بالفحوصات، مثل التعرض لجرعاتٍ منخفضة من الإشعاع، فإن هذه المخاطر تبقى محدودةً للغاية مقارنةً بالفوائد الكبيرة التي يُوفرها الكشف المبكر.

إن تعزيز الوعي بهذه الحقائق يُسهم في رفع مستوى تقبّل الفحوصات، ويُشجع الفئات الأكثر عرضةً للإصابة وأسرهم، على الالتزام بإجراء الفحوصات الدورية، بما يُعزَز فرص التدخل المبكر.

سرطان الرئة: أحدث الخيارات المتاحة للتشخيص والعلاج

تُسهم برامج الفحص في إحداث تحولٍ نوعي في تشخيص سرطان الرئة، يشرح الدكتور زيد زعمط، رئيس قسم طب الرئة والجهاز التنفسي بمعهد رعاية المشافي المتكاملة في كليفلاند كلينك أبوظبي؛ حيث يمكن اكتشاف نحو 80% من الحالات في مراحلها المبكرة، عندما يكون المرض لا يزال قابلاً للعلاج، مقارنةً بتشخيص معظم الحالات في مراحل متقدمة في حال عدم إجراء الفحص.

وفي كليفلاند كلينك أبوظبي، تتوفر منظومةٌ متكاملة من أحدث تقنيات التشخيص، تشمل تنظير الشُعب الهوائية الروبوتي، الموجات فوق الصوتية داخل القصبات، والخزعات المُوجهة بالتصوير، إضافةً إلى الجراحة الصدرية الروبوتية عند الحاجة. وفي المراحل المبكرة، يمكن استئصال الورم جراحيًا باستخدام التقنيات الروبوتية، مما يُقلَل من الألم ويُسرّع التعافي، وقد يُغني عن الحاجة إلى علاجاتٍ إضافية.

أما في الحالات التي تتطلب تدخلًا علاجيًا متقدمًا، فإن كليفلاند كلينك يُوفَر أحدث خيارات العلاج، بما في ذلك العلاج الكيميائي، العلاج المناعي، والعلاجات الموجهة، استنادًا إلى التحليل الجزيئي لكل حالة؛ ما يُتيح تصميم خطةٍ علاجية دقيقة ومُخصصة لكل مريض. كما تتوفر تقنيات متقدمة للعلاج الإشعاعي عند الحاجة.

الوقاية من سرطان الرئة - رئيسية
الوقاية من سرطان الرئة

تُعدَ العلاجات الحديثة أملًا حقيقيًا لمرضى سرطان الرئة وأحبتهم؛ فالطب اليوم لا يشبه الأمس. العلاج المناعي، العلاجات المُوجّهة، والجراحة الدقيقة، كلها رفعت نسب البقاء بشكلٍ غير مسبوق.

العلاج المناعي أصبح معيارًا عالميًا؛ العلاجات المُوجّهة للطفرات EGFR وALK وROS1 غيّرت مسار المرض لدى آلاف المرضى، والجراحة المبكرة قد تعني شفاءً كاملًا.

سرطان الرئة: نصائح للوقاية والحفاظ على صحة الرئتين

يُعدَ الامتناع عن التدخين (بكافة أشكاله، أنواعه ومُسمياته) الخطوة الأهم على الإطلاق للوقاية من سرطان الرئة، كما يُنصح بتجنب التعرض للتدخين السلبي ودخان الوقود الحيوي. وبشكلٍ عام، فإن تبنّي نمط حياةٍ صحي يُشكَل خط الدفاع الأول للحفاظ على صحة الرئتين، ويشمل ذلك ممارسة النشاط البدني بانتظام، الحفاظ على وزنٍ صحي، واتباع نظام غذائي متوازن.

هذه العادات لا تُسهم فقط في الوقاية من الأمراض، بل تُعزَز كفاءة الجهاز التنفسي وتُحسَن جودة الحياة بشكلٍ عام.

في الختام، رسالةٌ إلى قارئات "هي" بالتحديد، وجميع النساء في الخليج وغيرها من دول المنطقة:

أنتِ اليوم في موقع قوة: لديكِ المعرفة، الوعي، والقدرة على اتخاذ قرارٍ يحمي صحتكِ ومستقبلكِ.

قلّلي من الشيشة — أو أوقفيها؛ احمِ نفسكِ من التدخين السلبي، تابعي جودة الهواء، وامنحي رئتيكِ مساحاتٍ من الهواء النظيف. وإن كنتِ ضمن الفئة عالية الخطورة، لا تؤجّلي الفحص.

سرطان الرئة ليس حكمًا نهائيًا؛ بل إنه سباقٌ مع الوقت — وكل يومٍ مُبكر هو خطوةٌ نحو حياةٍ أطول، صحةٍ أقوى، ووعيٍ أعمق.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".