المعالج النفسي ميشيل سلامة، من Human Relations Institute and Clinics (HRIC) في دبي

حين يتغيّر شكل الحب…

"هي"

بقلم: المعالج النفسي ميشيل سلامة، من Human Relations Institute and Clinics (HRIC) في دبي

هناك لحظات في الحياة لا تغيّر أيامنا فقط، بل تعيد تشكيل قلوبنا أيضاً. لحظات لا نخرج منها كما دخلناها. قد تأتي مع ولادة طفل، أو بعد مرض طويل، أو إثر خسارة مؤلمة، أو حتى بعد تحوّل مهني كبير يعيد ترتيب أولوياتنا. في تلك اللحظات، لا يختفي الحب، لكنه يعيد تعريف نفسه بصمت.

نحن غالباً نتخيّل الحب كقصة تبدأ قوية، ثم تستمر بالإيقاع نفسه. لكن الواقع أكثر تعقيداً. دعونا نفكر في الحب ككائن حي يتنفس ويتمدد، أحياناً يتعب وأحياناً ينضج. الأبحاث الحديثة تؤكد أن العلاقات العاطفية ليست ثابتة، بل تتأثر بشدة بالضغوط النفسية، وبالمسؤوليات الجديدة، وبالتغيرات التي نمر بها كأفراد. على سبيل المثال، تشير دراسات حديثة إلى أن مستوى الرضا عن العلاقة قد يتراجع مؤقتاً بعد الولادة، خصوصاً عندما تزداد الضغوط النفسية أو الأعباء المنزلية أو القلق المرتبط بالمرحلة الجديدة من الحياة.

بعد ولادة طفل، لا يتغيّر جدول النوم فقط، بل يتغيّر معنى القرب من الشريك نفسه. فجأة، يصبح الحب أقل ارتباطاً بالكلمات الرومانسية وأكثر حضوراً في الأفعال اليومية الصغيرة: إعداد زجاجة الحليب في منتصف الليل، أو السماح للطرف الآخر بأن ينام ساعة إضافية. وتشير الأبحاث أيضاً إلى أن الرضا العاطفي قد ينخفض تدريجياً خلال الأشهر الأولى بعد الولادة لدى بعض الأزواج، بينما تتحسن مع الوقت جوانب أخرى مثل الراحة الجسدية أو التكيّف مع العلاقة الحميمة.

لكن هذا لا يعني أن الحب يضعف. في كثير من الحالات، هو فقط يتحول من حب مليء بالاندفاع إلى حب مليء بالشراكة؛ من حب قائم على الإثارة إلى حب يقوم على روح الفريق الواحد.

وربما تساعدنا اللغة نفسها أحياناً على فهم كيف يتغير الحب داخلنا. في بعض اللغات، الحب ليس كلمة واحدة، بل خريطة كاملة من المشاعر. في اليونانية القديمة، كان للحب أسماء متعددة، وكأنهم أدركوا أن القلب لا يشعر بالطريقة نفسها طوال الوقت. هناك إيروس (Eros) الذي يعبّر عن الحب العاطفي المشتعل والرغبة، وفيليا (Philia) الذي يشبه حب الصداقة العميقة والرفقة، وستورجي (Storge) الذي يصف الحب العائلي الطبيعي، وأغابي (Agape) الذي يرمز إلى الحب غير المشروط والعطاء الصافي للآخرين. هذا التنوع اللغوي يعكس فكرة أن الحب يتغيّر شكله مع الزمن ومع التجربة الإنسانية.

أما في العربية، فالأمر يبدو مختلفاً لكنه بالعمق نفسه، لأن اللغة العربية لا تقسم الحب إلى أنواع منفصلة فقط، بل تصفه كرحلة تتطور عبر مراحل شعورية. فهناك الهوى كبداية انجذاب خفيف، ثم الشغف عندما يصل الحب إلى أعماق القلب، ثم العشق عندما يصبح الشعور طاغياً وقوياً، إضافةً إلى كلمات مثل المودة التي تعبّر عن حب مليء بالحنان والرعاية. وكأن اللغة العربية لا ترى الحب كحالة واحدة، بل كقصة نمو عاطفي مستمر.

وهنا تتبلور فكرة جميلة: ربما لا يتغير الحب فجأة، بل ينتقل بين أشكال مختلفة، مثلما تنتقل اللغة بين كلمات متعددة لوصف مشاعر تنتمي إلى العائلة نفسها.

ومن هنا، نرى كيف أن الأوقات الصعبة أو التغيرات الجذرية، مثل المرض، قد تكشف عن وجوه جديدة للحب. عندما يدخل المرض إلى العلاقة، لا تُختبر قوة الجسد فقط، بل تُختبر أيضاً مرونة الحب نفسه. هنا يظهر نوع مختلف من الحب؛ حب أكثر هدوءاً لكنه أعمق. وتشير الأبحاث الحديثة حول الضغط النفسي داخل العلاقات إلى أن جودة العلاقة نفسها يمكن أن تؤثر في كيفية تعامل الأفراد مع الضغوط الحياتية الشديدة. وعندما تكون العلاقة آمنة وداعمة، يصبح التوتر أسهل تحملاً.

وفي المقابل، عندما تكون العلاقة هشة، قد تضخّم الضغوط الخارجية المشكلات الموجودة بالفعل. ولهذا نرى أحياناً أن الأزمات لا تخلق مشكلات جديدة، بل تكشف ما كان مخفياً.

يمكن للخسارة أيضاً أن تغيّر شكل الحب. بعد فقدان شخص عزيز، أو بعد خسارة حلم مهم، يتغير الإنسان من الداخل. وعندما يتغير الإنسان، قد يتغير شكل العلاقة. أحياناً يصبح الشريك هو الأمان الوحيد، وأحياناً يحتاج الطرفان إلى إعادة التعرّف إلى بعضهما من جديد.

حتى التغيرات المهنية يمكن أن تعيد كتابة قصة الحب: وظيفة جديدة، ترقية، انتقال إلى مدينة أخرى. فجأة، يتغير الإيقاع اليومي، ويتغير توزيع الطاقة العاطفية. يصبح السؤال ليس: هل نحب بعضنا؟ بل: كيف نحب بعضنا في هذا الفصل الجديد من الحياة؟

يتحدث علم النفس الحديث كثيراً عن مفهوم المرونة العاطفية للعلاقات، أي القدرة على التكيّف مع الضغوط والتحديات دون أن تنهار العلاقة أو تفقد جوهرها. هذه المرونة لا تعني غياب الصراعات أو الصعوبات، بل القدرة على التعامل معها بطريقة صحية، بحيث تتحول الضغوط إلى فرصة للتقارب والتفاهم بدلاً من أن تكون سبباً للابتعاد.

تشير الدراسات حول التعلّق إلى أن الأزواج الذين يمتلكون نمط تعلق آمن يكونون أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط المشتركة، ليس فقط على مستوى المشاعر، بل حتى على المستوى البيولوجي. فعندما يواجه الشريكان موقفاً صعباً، تظهر في أجسامهما استجابة أقل للتوتر، مثل انخفاض إفراز هرمونات القلق، مقارنة بالأزواج ذوي نمط التعلق غير الآمن. هذا يعني أن العلاقة نفسها يمكن أن تصبح حماية طبيعية ضد ضغوط الحياة، وأن الحب الآمن ليس مجرد شعور، بل نظام دعم متكامل يخفف من وطأة الصعوبات اليومية.

بفضل هذه المرونة، يستطيع الشركاء الحفاظ على شعورهم بالثقة والأمان حتى في أوقات الضغط الكبير، كما يمكنهم التواصل بفعالية أكبر، وحل الخلافات بطريقة بنّاءة، ومواصلة نمو العلاقة بدلاً من السماح للصعوبات بأن تبتلعها. باختصار، المرونة العاطفية تجعل الحب لا ينهار تحت الضغوط، بل يتعلم كيف يتكيّف وينمو ويصبح أعمق مع كل اختبار جديد.

وهذا يقودنا إلى فكرة مهمة جداً: الحب ليس مجرد شعور، بل نظام دعم نفسي متكامل.

أحد أكثر الأمور طمأنينة في فهم الحب هو إدراك أن التغيّر لا يعني النهاية. كثير من الأزواج يخافون عندما يشعرون أن العلاقة لم تعد كما كانت، لكن الحقيقة أن العلاقات طويلة الأمد لا تبقى على حالها. هي تتحرك عبر مراحل، وكل مرحلة لها لغتها الخاصة للحب.

في بداية العلاقة، قد يكون الحب شغفاً ولهفة. بعد سنوات، قد يصبح أماناً وراحة. بعد الأزمات، قد يتحول إلى بقاء واختيار يومي واعٍ.

ربما أجمل ما في الحب الناضج أنه لا يحتاج إلى أن يكون مثالياً ليكون حقيقياً. هو يعرف التعب، يعرف الخوف، يعرف الصمت… لكنه يبقى.

أحياناً يجعل التغيير الحب أكثر واقعية وأقل درامية، لكنه أكثر صدقاً. يصبح الحب هو ذلك الشخص الذي يجلس بجانبك في غرفة الانتظار في المستشفى، أو الذي يمسك يدك بصمت في جنازة، أو الذي يقول لك: نحن سنتجاوز هذا معاً.

في النهاية، ربما السؤال الحقيقي ليس: هل يتغيّر الحب؟
بل: هل نسمح للحب أن ينمو معنا؟

لأن الحب الذي يعيش طويلاً ليس الحب الذي يبقى كما بدأ، بل الحب الذي تعلّم كيف يتغيّر دون أن يضيع.