الهرم الجديد يهزّ عرش الهرم الغذائي التقليدي.. إليكِ التفاصيل
لطالما كان الهرم الغذائي التقليدي أيقونة علمية مثيرة للجدل، وشاهدة على عقود من النصائح المتغيرة في عالم التغذية. لكن ما حدث مع الإرشادات الغذائية الأمريكية الجديدة ليس مجرد تعديل بسيط أو تحديث روتيني، إنه انقلاب كامل على المفاهيم الراسخة، أو كما وصفه الخبراء "ثورة تغذوية" تعيد تعريف علاقتنا بالطعام من أساسها.
إذ تقدم الإرشادات الأمريكية الجديدة فلسفة متكاملة لا تسأل فقط "ماذا نأكل؟" بل "كيف نأكل؟ ولماذا نأكل؟ ومتى؟".إنها رحلة من الحسابات الرياضية الجافة إلى الفهم الشامل لنمط الحياة، حيث تختفي الطبقات الصارمة لتحل محلها دوائر متكاملة، تذوب بها الحدود بين المجموعات الغذائية لصالح التركيز على الجودة لا الكمية فقط، وتبرز مفاهيم جديدة كليًا مثل: "الكثافة الغذائية، أنماط الأكل الصحية، والتنوع الحيوي".
من هذا المنطلق، انضمي معي إلى موقع "هي" في جولة استكشافية داخل واحدة من أهم التحولات الفكرية في عالم الصحة العامة، لنكتشف معًا "لماذا تخلى العلماء عن الهرم الغذائي التقليدي؟، كيف تحول التركيز من العناصر الغذائية إلى الأنماط الغذائية؟، وكيف يمكن لهذا "الانقلاب الغذائي" أن يغير صحتنا وحياتنا؟؛ بناءً على توصيات استشارية التغذية العلاجية مريم جمال لوقا من القاهرة.
الهرم الجديد.. ثورة غذائية تُعيد تعريف الأكل الصحي للأجيال القادمة

ووفقًا للدكتورة مريم، على مدى عقود، كان التوصيف الغذائي السائد عالميًا يركز بشكل أساسي على حساب السعرات الحرارية وتقليل الدهون، كما ظهر في الهرم الغذائي التقليدي الذي اعتمدته الولايات المتحدة منذ الثمانينيات وتكرّس رسميًا في تسعينيات القرن الماضي، ثم انتقل إلى معظم دول العالم.
وأوضحت دكتورة مريم، أن هذا النموذج روّج لفكرة زيادة الحبوب وتقليل الدهون، على أساس أن السعرات المتناولة هي العامل الحاسم في الوزن والصحة. غير أن تراكم الأدلة العلمية خلال العقود الأخيرة، الصادرة عن جامعات مرموقة مثل "جامعة هارفارد، جامعة ستانفورد، جامعة كامبريدج، وجامعة أكسفورد"، كشف عن خلل جوهري في هذا التصور. إذ أظهرت هذه الدراسات أن جودة الغذاء (Food Quality) غالبًا ما تكون أكثر تأثيرًا على الصحة من مجرد عدد السعرات، خاصة في الوقاية من الأمراض المزمنة.
وهنا أكدت دكتورة مريم، أن هذه الرؤية تقف اليوم في قلب التحديثات الحديثة للإرشادات الغذائية الأميركية للفترة 2025–2030، والتي وُصفت إعلاميًا وعلميًا بأنها تحوّل أو "انقلاب" في الفكر الغذائي. ولمزيد من التفاصيل، إليكِ المعلومات التالية:
الخلفية التاريخية للهرم الغذائي التقليدي
قامت الإرشادات الغذائية الأميركية الأولى الصادرة عام 1980، ثم الهرم الغذائي عام 1992، على ما يُعرف بـ فرضية الدهون–القلب(Diet–Heart Hypothesis)، وهي فرضية روّج لها باحثون في منتصف القرن العشرين، وافترضت أن الدهون، خصوصًا المشبعة، هي السبب الرئيسي لأمراض القلب.لكن لاحقًا، أوضح باحثون من Harvard T.H. Chan School of Public Health، في مراجعات علمية موسعة أن هذه الإرشادات تم تبنيها على نطاق سياسي ومؤسسي قبل اكتمال الأدلة العلمية القاطعة. من ناحية أخرى، أظهرت دراساتطويلة المدى من جامعة هارفارد أن استبدال الدهون بالسكريات والنشويات المكررة لم يُقلل من أمراض القلب، بل تزامن مع ارتفاع حاد في معدلات السمنة والسكري من النوع الثاني.
فشل نموذج "السعرة تساوي سعرة" ونقد المفهوم من منظور جامعي
أثبتت أبحاث صادرة عن جامعة ستانفورد، خاصة دراسات البروفيسور Christopher Gardner، أن الجسم لا يتعامل مع السعرات الحرارية بشكل متساوي. فقد بينت تجاربالتدخل الغذائي أن نوع الكربوهيدرات ونوع الدهون يؤثران بشكل مباشر على الإنسولين، الشهية، وتخزين الدهون، حتى عندما تتساوى السعرات.وفي السياق نفسه، أوضحت أبحاث من جامعة أكسفورد أن السعرات القادمة من الأطعمة فائقة المعالجة تُحدث استجابات أيضية مختلفة جذريًا عن السعرات القادمة من الأطعمة الطبيعية الكاملة. كذلك قارنت دراسة محكمة أُجريت في المعاهد الوطنية للصحة الأميركية بين نظامين غذائيين متساويين في السعرات، أحدهما يعتمد على أطعمة فائقة المعالجة والآخر على أطعمة غير معالجة، لتؤكد النتائج أن المشاركين تناولوا تلقائيًا سعرات أكثر وزاد وزنهم في النظام المعتمد على الطعام المعالج، رغم تطابق السعرات النظرية.
صعود مفهوم جودة الغذاء (Diet Quality)
تُعرف جامعة كامبريدج جودة الغذاء بأنها "قدرة النظام الغذائي على تزويد الجسم بالعناصر الغذائية الأساسية مع تقليل العوامل الالتهابية والاضطرابات الأيضية". وتستخدم جامعات مثل هارفارد وجونز هوبكنز مؤشرات علمية لتقييم جودة الغذاء، من بينها: "كثافة المغذيات ودرجة المعالجة الغذائية، التأثير على المؤشر الجلايسيم، التأثير الالتهابي للطعام". وهنا تُشير تحليلات من جامعة هارفارد إلى أن التركيز على جودة النظام الغذائي يساعد في الوقاية من زيادة الوزن أكثر من الاعتماد على حساب السعرات فقط، لأن الأطعمة عالية الجودة تُشبع لفترات أطول وتدعم التوازن الهرموني.كما أظهرت دراسة منشورة في Nature Medicineارتباطًا قويًا بين الاستهلاك المرتفع للأطعمة فائقة المعالجة وزيادة مخاطر السمنة واضطرابات التمثيل الغذائي، ما يدعم فكرة أن نوعية الطعام عامل مستقل عن السعرات.
الأطعمة فائقة المعالجة كقضية مركزية (Ultra-Processed Foods – UPFs)

هي تلك التي تحتوي على مكونات صناعية متعددة مثل "السكريات المضافة، الزيوت المهدرجة، النكهات والمحسنات الصناعية". وتشمل أمثلتها المشروبات الغازية، الوجبات السريعة، ورقائق البطاطس. هنا أظهروا باحثو جامعة ساو ، الذين طوّروا تصنيف الغذائي، مع باحثين من جامعة باريس،أن استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بزيادة مخاطر: "السمنة، داء السكري من النوع الثاني، أمراض القلب، وبعض أنواع السرطان والاكتئاب". كذلك دعمت جامعة لندن هذه النتائج بدراسات سكانية واسعة، كما تشير بيانات أميركية إلى أن أكثر من نصف السعرات اليومية تأتي من أطعمة فائقة المعالجة، ما يضعها في قلب أزمة الصحة العامة الحالية.
التحول في الإرشادات الرسمية ( 2025 -2030 )
أصدرت وزارة الصحة ووزارة الزراعة الأميركية إرشادات جديدة تركّز على: "البروتينات عالية الجودة، الدهون الصحية غير المعالجة، وتقليل الاعتماد على الأطعمة فائقة المعالجة". وهو تحول واضح عن الإصدارات السابقة التي كانت تشدد على تقليل الدهون بشكل عام. هذه التوصيات تعكس بشكل مباشر ما توصلت إليه الأبحاث في جامعات مثل هارفارد وجامعة كاليفورنيا – بيركلي.في المقابل، يحذر بعض الباحثين من جامعة ييل وجامعة كولومبيا من التوسع غير المنضبط في استهلاك الدهون المشبعة، مؤكدين أن نوعية الدهون والسياق الغذائي العام يظلان عاملين حاسمين لصحة القلب.
الآليات البيولوجية وراء هذا التحول
توضح أبحاث من جامعة ميشيغان وجامعة تورنتو أن الأنظمة الغذائية عالية الجودة: "تحسّن حساسية الإنسولين، تُقلل الالتهاب الجهازي، تدعم ميكروبيوم الأمعاء، وتُعزز الشعور بالشبع طويل الأمد". في المقابل، تشير أبحاث من جامعة كاليفورنيا – سان دييغو إلى أن الأطعمة فائقة المعالجة تُربك إشارات الجوع والشبع عبر تأثيرها على هرمونات مثل "اللبتين والجرلين".
الآثار الصحية والاجتماعية المتوقعة
تُشير نماذج تنبؤية من جامعة هارفارد وجامعة تورنتو إلى أن تبني نماذج غذائية قائمة على جودة الغذاء قد يؤدي إلى: "انخفاض معدلات السمنة، تقليل العبء الاقتصادي للأمراض المزمنة، وتحسين الصحة الأيضية العامة". لكن باحثين من جامعة لندن للاقتصاد يشددون على أن نجاح هذا التحول يتطلب سياسات غذائية عادلة، لأن الوصول إلى الطعام الصحي ما زال غير متكافئ اجتماعيًا.

وأخيرًا، الهرم الغذائي الجديد ليس موضة غذائية، بل نتيجة مباشرة لتراكم أدلة علمية صادرة عن جامعات عالمية مرموقة مثل "هارفارد، ستانفورد، أكسفورد، كامبريدج، وييل وغيرها". هذا التحول يعكس فهمًا أعمق للتغذية البشرية، يتجاوز اختزال الغذاء في أرقام السعرات، ويعيد الاعتبار للطعام الحقيقي بوصفه ركيزة أساسية للصحة العامة.