اضطراب نهم الطعام العاطفي

نشهده حاليًا خلال الأزمات: اضطراب نهم الطعام العاطفي وتأثيراته على صحتنا

في زمن الازمات والاضطرابات، لا تعود الحياة لسابق عهدها؛ يسيطر الخوف على الجميع، يسود القلق من المستقبل البعيد، وتضطرب أياماتنا التي لطالما مضت عاديةً في بعض الأحيان، واستثنائية في أحيانٍ أخرى.

وخلال الازمات، تظهر بعض المشكلات النفسية، التي تُترجم في الجسد كنوعٍ من ردة الفعل غير الاعتيادية؛ فناهيكِ عن مشاعر الحزن، الخوف والتوجس من الموت، يظهر أيضًا اضطراباتٌ مثل قلة النوم والإقبال على الأكل بشكلٍ نهم وغير مضبوط.

يختلف اضطراب نهم الطعام العاطفي هنا، عن الأكل العاطفي؛ فالأول سببه اضطرابٌ نفسي مع نوبات متكررة، في حين ينجم الثاني عن مشاعر قوية. ويمكن القول أن كمية الطعام التي نتناولها خلال الأكل العاطفي غالبًا ما تكون كبيرة إنما ليس بصورةٍ دائمة، في حين أن اضطراب نهم الطعام العاطفي قد يدفعنا لتناول كمياتٍ كبيرة من الأكل خلال وقتٍ قصير. فيما يخص السيطرة، فإن الأكل العاطفي يفرض علينا سيطرةً بشكلٍ جزئي، في حين يبدو أن السيطرة على الأكل خلال اضطراب نهم الطعام العاطفي مفقودة بصورة واضحة؛ ولا ننسى بالطبع تداعيات هذه الاضطرابات بعد الأكل، ففي حالة الأكل العاطفي قد نشعر بالذنب أو النوم، أما في حال اضطراب نهم الطعام العاطفي، فإننا وإضافةً للذنب والضيق، نلمس تأثيرات على الحياة اليومية بعضها قد يبقى لوقتٍ طويل.

خلال الفترة الحالية التي نمرَ بها في المنطقة، جراء الحرب وتداعياتها النفسية على الجميع؛ كان لا بدَ من الحديث إلى أحد المختصين حول مشكلة اضطراب نهم الطعام العاطفي التي غالبًا ما تظهر خلال هذه الأحداث. فكان لنا هذا اللقاء السريع مع الدكتورة نرجسين رشيد، أخصائية تغذية وحمية في مركز كايا للعافية وطول العمر للوقوف أكثر على حيثيات هذه المشكلة، وكيفية التعامل معها ومعالجتها، لتجنب تداعياتها السلبية على حياتنا وصحتنا.

الدكتورة نرجسين رشيد أخصائية تغذية وحمية في مركز كايا للعافية وطول العمر
الدكتورة نرجسين رشيد أخصائية تغذية وحمية في مركز كايا للعافية وطول العمر

لماذا يحدث اضطراب نهم الطعام العاطفي؟

يظهر اضطراب نهم الطعام العاطفي غالباً في فترات الضغط النفسي، القلق، أو عدم الاستقرار. ففي لحظات التوتر، يفرز الجسم هرموناتٍ مثل الكورتيزول، ما قد يزيد الرغبة في الأطعمة الغنية بالسكر أو الدهون. وتمنح هذه الخيارات شعوراً سريعاً بالراحة، كونها تُحفّز “هرمونات السعادة” في الدماغ مثل الدوبامين والسيروتونين؛ لكن مفعولها لا يدوم طويلاً، وغالباً ما يتبعهُ هبوطٌ في الطاقة ورغبة متجددة في تناول المزيد من الطعام.

بالنسبة لكثيرين، يتحوّل الطعام إلى ملاذٍ سهل للتعامل مع مشاعر مثل الملل، الوحدة، الإحباط أو القلق. كما قد تتكوّن هذه العلاقة مبكراً، خصوصاً عندما يرتبط الطعام في الطفولة بالمكافأة أو المواساة.

لا يمكن تجاهل تأثير نمط الحياة على اضطراب نهم الطعام العاطفي. فقلة النوم قد تُربك هرمونات الجوع والشبع عبر رفع هرمون “الغريلين” وخفض “اللبتين”، ما يجعل “أطعمة الراحة” أكثر إغراءً. كذلك، قد تخلق الحميات القاسية شعوراً بالحرمان، فتزيد احتمالية العودة إلى الأكل العاطفي عندما ترتفع مستويات التوتر.

في كايا للعافية وطول العمر، لا يُنظر إلى اضطراب نهم الطعام العاطفي على أنه “ضعف إرادة”، بل كرسالة من الجسم والعقل بأن هناك خللاً يحتاج إلى توازن. لذلك يبدأ النهج بتحديد الأسباب الجذرية عبر تقييمات تغذية شخصية، تحليل نمط الحياة، وقراءة مؤشرات صحة الأيض. ثم يتم دعم ذلك بخططٍ غذائية مُصممة بعناية، برامج طبية لإدارة الوزن، وعلاجات عافية تساعد على استعادة التوازن وتحقيق نتائج مستدامة.

كيف يمكن السيطرة على اضطراب نهم الطعام العاطفي؟

تبدأ السيطرة على اضطراب نهم الطعام العاطفي من الأساس: الحفاظ على طاقةٍ مستقرة طوال اليوم. فالوجبات المتوازنة التي تجمع البروتين، الدهون الصحية، والكربوهيدرات المُعقّدة تساعد على ثبات سكر الدم وتخفيف الرغبات المفاجئة.

كما أن بعض العناصر الغذائية — مثل المغنيسيوم، أوميغا-3، وفيتامينات ب — قد تلعب دوراً داعماً للمزاج والقدرة على تحمَل التوتر. إلى جانب ذلك، فإن الانتظام في مواعيد الوجبات، تحسين جودة النوم، وتقليل الإفراط في الكافيين أو السكر خلال الأيام الضاغطة، قد يساعد على حماية التوازن العاطفي.

ما هي طرق علاج اضطراب نهم الطعام العاطفي؟

إن اتباع خطواتٍ بسيطة ومفيدة قد يُسهم في التخلص من هذا الاضطراب وتداعياته على الصحة ككل:

•       الانتباه للمُحفّزات العاطفية مثل التوتر، الملل، أو الإرهاق؛ والتقليل منها قدر الإمكان

•       التوقف للحظة قبل الأكل، للتمييز بين الجوع العاطفي والجوع الحقيقي

•       استبدال الأكل كوسيلة تهدئة، بخيارات أخرى مثل المشي، تدوين الأفكار، أو تمارين التنفس

•       الالتزام بوجباتٍ منتظمة ومتوازنة لتجنّب هبوط الطاقة

•       إعطاء أولوية للنوم وإدارة التوتر.

تجدر الإشارة إلى أن اضطراب نهم الطعام العاطفي، قد يُخلَف تداعياتٍ خطيرة لأنها تمسّ الصحة الجسدية والنفسية معًا، وتشمل زيادة الوزن، اضطرابات الهضم، القلق، الاكتئاب، وتراجع جودة الحياة.

وتشير المصادر إلى أن هذا الاضطراب، قد يزيد من احتمالية زيادة الوزن بنسبةٍ تصل إلى 25% ويؤدي إلى مشاكل مُزمنة إذا استمر دون علاج.

يظهر اضطراب نهم الطعام العاطفي غالباً في فترات الضغط النفسي كالحرب مثلًا
يظهر اضطراب نهم الطعام العاطفي غالباً في فترات الضغط النفسي كالحرب مثلًا

إليكِ أبرز الآثار التي قد تظهر على المدى القصير والطويل:

1. التداعيات الجسدية

•       زيادة الوزن والسمنة: فتناول أطعمة عالية السعرات خلال نوبات الأكل العاطفي قد يؤدي إلى تراكم الدهون وارتفاع الوزن. كما ترتبط السُمنة بمخاطر مثل السكري، ارتفاع الضغط وأمراض القلب.

•       مشاكل الجهاز الهضمي: مثل الانتفاخ، عسر الهضم، الحموضة، واضطرابات القولون نتيجة تناول كمياتٍ كبيرة وبسرعة.

•       نقص العناصر الغذائية: فالاعتماد على “أطعمة الراحة” (حلويات، مقليات) يؤدي إلى إهمال الطعام الصحي، ما يُسبَب نقصًا في الفيتامينات والمعادن.

•       اضطرابات النوم: فالامتلاء المزعج والشعور بعدم الراحة بعد النهم، قد يُسبَبان أرقًا أو نومًا متقطعًا.

2. التداعيات النفسية والعاطفية

•       الشعور بالذنب والخجل: إذ ندخل ضمن حلقةٍ مفرغة: أكل عاطفي → ذنب → توتر → أكل عاطفي. وهذا النمط قد يُضعف احترام الذات بشكلٍ كبير.

•       زيادة القلق والتوتر: رغم أن معظمنا يلجأ للطعام لتخفيف التوتر، إلا أن النتيجة تكون عكسية على المدى الطويل.

•       الاكتئاب: فالعلاقة بين الاكتئاب ونهم الطعام العاطفي متبادلة؛ كل منهما قد يؤدي إلى الآخر.

•       العزلة الاجتماعية: فالخجل من شكل الجسم أو من عادات الأكل قد يدفع الشخص لتجنب المناسبات الاجتماعية.

•       ضعف القدرة على التعامل مع المشاعر: فالاعتماد على الطعام كوسيلةٍ وحيدة للهروب، يمنع تطوير مهاراتٍ صحية لإدارة المشاعر.

3. تداعيات على جودة الحياة

•       صعوبة التركيز والإنتاجية.

•       تراجع الثقة بالنفس.

•       تأثير سلبي على العلاقات بسبب الانسحاب أو الحساسية العاطفية.

•       زيادة احتمالية تطور الاضطراب إذا لم يُعالج.

في الخلاصة؛ فإن اضطراب نهم الطعام العاطفي هو حالةٌ يلجأ فيها الشخص إلى تناول الطعام استجابةً للمشاعر بدلًا من الجوع الحقيقي. ويحدث هذا الاضطراب غالبًا عند التوتر، الحزن، الملل، أو حتى الفرح، ويؤدي إلى تناول كميات كبيرة من الطعام دون قدرة على التوقف، ثم الشعور بالذنب فيما بعد.

فلا تدعي عزيزتي الأيام الصعبة التي نعيشها حاليًا، تدفعكِ رغمًا عنكِ نحو هذا الاضطراب. حاولي التنفيس عن حزنكِ وقلقكِ بالتواصل مع المحيطين بكِ، القيام بنشاطات بدنية وترفيهية لإلهاء النفس عن الأكل، وعسى أن تمرَ هذه الأزمة وتمضي سريعًا لنعود إلى حياتنا الطبيعية كما عهدناها سابقًا؛ السلامة للجميع 😊

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".