أوزمبيك وفقدان البصر: هل ثمة علاقة محتملة مع اعتلال العصب البصري الإقفاري؟
أوزمبيك (Ozempic) هو دواءٌ قائم على مادة سيماغلوتايد؛ بدأ استخدامه رسميًا عام 2017 لعلاج السكري من النوع الثاني، ثم تحوّل خلال السنوات التالية إلى أحد أشهر أدوية خفض الوزن عالميًا، بما في ذلك في الخليج ودبي، بسبب تأثيره الواضح على الشهية والوزن.
طوّرت شركة Novo Nordisk مادة سيماغلوتايد كدواء يُحاكي هرمون GLP‑1 الطبيعي. وأظهرت التجارب قدرة المادة على خفض سكر الدم، تقليل الشهية، إبطاء إفراغ المعدة، تحسين إفراز الإنسولين وخفض هرمون الجلوكاجون. وبعد أن تمَ اعتماده من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في العام 2017 لعلاج السكري من النوع الثاني، وبدء ملاحظة تأثيره على إدارة الوزن؛ بدأ الحديث عنه كدواء "ثنائي الفائدة": علاج السكري والمساعدة على فقدان الوزن.
بين الأعوام 2021 و2023، تحوَل أوزمبيك إلى ترند عالمي، خصوصًا بعد تصريحات مشاهير عن استخدام أدوية GLP‑1 لفقدان الوزن. ومنذ 2024 وحتى اليوم، وصل أوزمبيك إلى مرحلة النضوج والانتشار الواسع، وبات يُستخدم حاليًا كعلاج للسُمنة بجانب علاج السكري. ليس ذلك فحسب، بل يعتمده بعض الأطباء والمختصين للوقاية من أمراض القلب لدى مرضى السكري؛ وبالتالي بات اليوم واحدًا من أكثر أدوية العالم مبيعًا.
هذه "الصورة الذهبية" لعقار أوزمبيك، لا تستطيع للأسف، إخفاء بعض جوانبه السلبية؛ منها التأثير على الكتلة العضلية، عودة الوزن بعد التوقف عن أخذ العقار، والتسبب ببعض الأعراض الجانبية مثل الغثيان، القيء، الإمساك، أو فقدان الشهية الشديد، خصوصًا في حال لم يُستخدم بوصفة طبية.
وفي الفترة الأخيرة، أثار موضوع فقدان البصر المرتبط ببعض الأدوية الحديثة المستخدمة في علاج السكري جدلاً واسعاً في الأوساط الطبية والإعلامية. من بين هذه الأدوية، عقارأوزمبيك Ozempic. وقد ظهرت تقارير ودراسات محدودة تشير إلى احتمال وجود ارتباط بين بعض هذه الأدوية وحالة نادرة تصيب العصب البصري تُعرف باسم Non-Arteritic Anterior Ischemic Optic Neuropathy. فما هي هذه المشكلة، وكيف ترتبط باستخدام عقار أوزمبيك؟ هذا ما يُطلعنا عليه الدكتور سيد محمد سعد، أخصائي طب وجراحة العيون في المستشفى الدولي الحديث دبي، في مقالة اليوم.

أوزمبيك وفقدان البصر: هل القصة حقيقية أم إشاعات؟
من منظور طبيب الغدد الصمَاء، من المهم التعامل مع هذه المعلومات بحذرٍ علمي. فالأمراض المرتبطة بالعصب البصري غالباً ما تكون نتيجة تفاعلٍ مُعقد بين عدة عوامل صحية، وليس بسبب عاملٍ واحد فقط. ولذلك فإن فهم طبيعة هذه الحالة الطبية والعوامل التي قد تزيد من خطر حدوثها، يساعد المرضى والأطباء على اتخاذ قراراتٍ صحية أكثر دقة.
ما هو اعتلال العصب البصري الأمامي الإقفاري؟
اعتلال العصب البصري الأمامي الإقفاري غير الشرياني هو حالةٌ تحدث عندما ينخفض تدفق الدم إلى الجزء الأمامي من العصب البصري. ويُعدَ العصب البصري مسؤولاً عن نقل الإشارات البصرية من العين إلى الدماغ، ولذلك فإن أي اضطراب في التروية الدموية لهذا العصب قد يؤدي إلى تلفٍ في الألياف العصبية المسؤولة عن الرؤية.
عندما يتعرض العصب البصري لنقص التروية، قد يحدث فقدانٌ مفاجئ في الرؤية في إحدى العينين، وغالباً ما يكون ذلك غير مؤلم. ويلاحظ بعض المرضى ظهور ضبابية مفاجئة في الرؤية أو فقدان جزءٍ من المجال البصري، وقد يكتشف كثيرٌ من المرضى المشكلة عند الاستيقاظ في الصباح.
تختلف شدة الأعراض من شخصٍ لآخر، فقد يعاني البعض من انخفاضٍ بسيط في الرؤية بينما قد يواجه آخرون فقداناً أكبر في المجال البصري. وتكمن خطورة الحالة في أن الضرر الذي يصيب العصب البصري قد يكون دائماً في بعض الحالات.
يُعد اعتلال العصب البصري الأمامي الإقفاري أحد أكثر أسباب فقدان البصر المفاجئ المرتبط بالعصب البصري لدى الأشخاص فوق سن الخمسين. وتشير الدراسات الطبية إلى أن معدل حدوث المرض يتراوح بين 2 إلى 10 حالات لكل 100 ألف شخص سنوياً.
وفي الولايات المتحدة وحدها، يتم تسجيل ما يقارب 6000 حالة جديدة سنوياً من هذا المرض. ورغم أن هذه الأرقام تشير إلى أن الحالة نادرة نسبياً، مقارنةً بأمراض العيون الأخرى، فإنها تظل سبباً مهماً لفقدان البصر المفاجئ لدى كبار السن.
تشير بعض الدراسات أيضاً إلى أن المرض قد يكون أكثر شيوعاً لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراضٍ مزمنة تؤثر على الأوعية الدموية، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم.
ما العلاقة المحتملة مع بعض أدوية السكري؟
أثار ظهور بعض التقارير الطبية تساؤلاتٍ حول ما إذا كانت بعض الأدوية الحديثة المستخدمة في علاج السكري، قد يكون لها تأثيرٌ غير مباشر على صحة العصب البصري. لكن حتى الآن، لا توجد أدلة علمية قاطعة تُثبت أن هذه الأدوية تُسبَب المرض بشكلٍ مباشر.
ويرى العديد من المختصين أن المرضى الذين يستخدمون هذه الأدوية، غالباً ما يعانون أصلاً من أمراضٍ مزمنة مثل السكري أو ارتفاع ضغط الدم، وهي عوامل معروفة بقدرتها على التأثير في الأوعية الدموية الدقيقة في الجسم، بما في ذلك الأوعية التي تُغذي العصب البصري.
كما أن التحسن السريع في مستويات السكر بالدم لدى بعض المرضى، وبعد بدء العلاج، قد يؤدي أحياناً إلى تغيَرات مؤقتة في الدورة الدموية الدقيقة في الجسم، وهو أمرٌ ما يزال قيد الدراسة في الأبحاث الطبية.
ما هي عوامل الخطر المرتبطة بالمرض؟
تتعدد العوامل التي قد تزيد من خطر الإصابة باعتلال العصب البصري الأمامي الإقفاري، وتشمل مجموعةً من الحالات الصحية المرتبطة بصحة الأوعية الدموية؛ من أهمها:
• الإصابة بمرض السكري
• ارتفاع ضغط الدم
• ارتفاع مستويات الكوليسترول في الدم
• أمراض القلب والأوعية الدموية
• انقطاع التنفس أثناء النوم.
كما تشمل عوامل الخطر الأخرى تدخين السجائر واستهلاك الكحول، حيث يمكن أن تؤثر هذه العوامل في صحة الأوعية الدموية وتُقلَل من كفاءتها في إيصال الدم إلى الأنسجة الحساسة مثل العصب البصري.
من الجوانب التي قد يتم تجاهلها في كثيرٍ من الأحيان، تأثير التوتر المزمن المرتبط بنمط الحياة الحضري. فالإجهاد المستمر الناتج عن العمل لفتراتٍ طويلة أو التعرض الدائم للضغوط اليومية مثل الازدحام المروري، قد يؤدي إلى اضطراباتٍ في الدورة الدموية وزيادة مستويات هرمونات التوتر بالجسم، وهو ما قد يؤثر على صحة الأوعية الدموية لدى بعض الأشخاص.

ما هي نسبة المرضى الذين يتلقون العلاج؟
حتى الآن، لا يوجد علاجٌ قادر على استعادة الرؤية بشكلٍ كامل بعد حدوث التلف في العصب البصري، وذلك لأن الألياف العصبية في العصب البصري لا تتجدد بسهولة بعد تعرَضها للضرر.
لذلك يُركَز العلاج الطبي غالباً على إدارة عوامل الخطر ومنع تدهور الحالة أو إصابة العين الأخرى. وتشير الدراسات إلى أن ما يقارب 15 إلى 20% من المرضى، قد يصابون بالحالة في العين الأخرى خلال السنوات اللاحقة، إذا لم يتم التحكم في عوامل الخطر بشكلٍ جيد.
ويعتمد العلاج عادة على معالجة الحالات الصحية المرتبطة بالمشكلة، مثل ضبط مستويات السكر في الدم لدى مرضى السكري، والسيطرة على ضغط الدم والكوليسترول، إضافةً إلى التوقف عن التدخين وعلاج اضطرابات النوم مثل انقطاع التنفس أثناء النوم.
كما يخضع المرضى عادةً لمتابعة دورية لدى طبيب العيون، لمراقبة حالة العصب البصري، والتأكد من عدم حدوث مضاعفاتٍ إضافية.
ما أهمية التشخيص المبكر والمتابعة الطبية؟
من منظور طبيب الغدد الصمَاء، تلعب الوقاية دوراً محورياً في تقليل خطر الإصابة بهذا النوع من أمراض العصب البصري. فالإدارة الجيدة للأمراض المزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، يمكن أن تُقلَل بشكلٍ كبير من تأثير هذه الأمراض على الأوعية الدموية الدقيقة في الجسم.
كما أن الحفاظ على نمط حياةٍ صحي يشمل التغذية المتوازنة، النشاط البدني المعتدل، الابتعاد عن التدخين، وإدارة التوتر النفسي يمكن أن يساعد في دعم صحة الجهاز الوعائي والهرموني. ويؤكد الأطباء أن أي فقدانٍ مفاجئ في الرؤية يجب أن يُعتبر حالةً طبية طارئة تستدعي مراجعة الطبيب فوراً؛ فالتقييم الطبي السريع يساعد في تحديد السبب الحقيقي للمشكلة واتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية العين الأخرى.
في النهاية، ورغم أن اعتلال العصب البصري الأمامي الإقفاري يُعدَ حالةً نادرة نسبياً، إلا أن الوعي بعوامل الخطر المرتبطة به وإدارة الأمراض المزمنة بشكلٍ صحيح، يمكن أن يلعبا دوراً مهماً في الوقاية منه. كما أن المتابعة الطبية المنتظمة تظل من أهم الخطوات، للحفاظ على صحة العين وجودة الرؤية على المدى الطويل.
لذا لا تتواني عزيزتي عن استشارة طبيب العيون والتحدث مع طبيبك المختص، قبل أخذ عقار أوزمبيك، للتحقق من هذه المشكلة وضمان عدم تعرَضكِ لها.