صانعة المحتوى سيرين حصري

صانعة المحتوى سيرين حصري تكتب لـ"هي": الحرية في أن أكون أنا

كوني امرأة سورية-أمريكية، لطالما شعرت بأنني أوازن بين عالمين كلاهما في غاية الجمال. في المنزل، كانت الحياة تدور حول العائلة والإيمان، وقد ربّاني والداي على قيم حملاها معهما من سوريا: اللطف، والكرم، والصمود، والإيمان بأن العائلة تأتي دائمًا في المقام الأول. لكنني ما إن أخطو خارجًا، حتى أجد نفسي في عالم مختلف تكوّنت ملامحه عبر الثقافة التي ولدت ونشأت فيها في الولايات المتحدة.

 

كان التحدي الأكبر خلال سنوات نشأتي أن أجد مكاني بين هذين العالمين. كنت في السادسة من عمري حين غيّرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وجه الولايات المتحدة، وأدركت سريعًا أن الآخرين ينظرون إلى هويتي بطريقة مختلفة. سمعت تعليقات عن المسلمين والعرب لم يكن ينبغي لأي طفل أن يتعرّض لها، وواجهت عائلتي ومجتمعي الخوف والأحكام المسبقة.

لم أمتلك حينها الكلمات التي تشرح أننا مجرد عائلة تحاول أن تعيش حياتها مثل أي عائلة أخرى. كل ما عرفته هو أن جزءًا من هويتي أصبح يشعرني بأن عليه أن يبقى مخفيًا. وعلى مدى سنوات، ترددت في إخبار الآخرين بأنني سورية، خوفًا من الأحكام التي قد تُبنى على اسمي أو ثقافتي أو ديني.

ولم أدرك إلا لاحقًا أن الحرية الحقيقية لا تكمن في التشبّه بالآخرين، بل في التوقف عن إخفاء ما يجعلنا نحن. تساءلت كثيرًا إن كنت أمريكية أكثر مما ينبغي لأكون سورية، أو سورية أكثر مما ينبغي لأكون أمريكية، لكنني فهمت أنني لم أكن مضطرة يومًا إلى الاختيار. إرثي السوري ونشأتي الأمريكية معًا هما ما صنعا الشخص الذي أنا عليه اليوم.

وفي منتصف العشرينيات من عمري، شُخّصت بلمفومة “هودجكين”. فجأة، لم تعد حياتي تُقاس بأعياد الميلاد أو الإنجازات، بل بمواعيد العلاج الكيميائي وفحوص الدم وغرف الانتظار. وبعد انتهاء العلاج ودخولي مرحلة التعافي، اعتقدت أن الصفحة أُغلقت، لكن السرطان عاد.

غيّرتني تجربة العلاج للمرة الثانية وزراعة الخلايا الجذعية بطرق لم أتوقعها. شعرت بالخوف وبكيت، لكنني كنت أستيقظ كل صباح وأواصل المضي قدمًا. لا أعتقد أن السرطان علّمني كيف أنجو، بل علّمني كيف أعيش. علّمني أن الغد ليس مضمونًا، وأن  اللحظات العادية غالبًا ما تكون الأكثر قيمة.

يعرفني كثيرون اليوم من خلال مقاطع الفيديو العائلية التي أنشرها. لكنني لا أصنعها لأنها مسلية فحسب، بل لأنني عشت فترة لم أعرف فيها إن كنت سأحظى بوقت كافٍ لصنع المزيد من الذكريات. بعد غرف المستشفيات، يصبح العشاء مع العائلة هدية، وتغدو أبسط اللحظات استثنائية.

قبل بضعة أشهر، عدت إلى سوريا للمرة الأولى منذ خمسة عشر عاما. وأنا أسير في شوارع كانت يوما موطن والديّ وأستعيد صلتي بجذوري، تذكّرت أن الحرية لا تتعلق فقط بالمكان الذي نعيش فيه، بل أيضا بمعرفة من نكون. وهناك، فهمت أن كل فصل من فصول حياتي، من ثقافتي وعائلتي وإيماني، وحتى تجربتي مع السرطان، كان له دور في تشكيل الشخص الذي أصبحت عليه اليوم.

لوقت طويل، ظننت أن الحرّية تعني امتلاك خيارات لامحدودة. أما اليوم، فأراها بشكل مختلف.

الحرية أن أستيقظ وأنا بصحة جيدة.

الحرية أن أضع خططا للمستقبل من دون خوف.

الحرية أن أضحك مع إخوتي حتى تؤلمنا بطوننا من كثرة الضحك.

الحرية أن أعانق والديّ قبل أن أغادر المنزل.

الحرية أن أبني حياة أصيلة تشبهني، لا حياة تحكمها توقعات الآخرين.

وقبل كل ذلك، الحرية أن أفهم أن الحياة لا تحتاج إلى أن تكون مثالية كي تكون جميلة.

وإذا كانت رحلتي قد علّمتني شيئا واحدا، فهو أن قيمة الحياة لا تقاس بالإنجازات أو أعداد المتابعين، بل بالأشخاص الذين يقفون بجانبنا، وبالذكريات التي نصنعها، وبالامتنان الذي نختار أن نحمله معنا في كل مرحلة من مراحل حياتنا.

اليوم، حين يسألني أحد عن معنى الحرّية، يكون جوابي بسيطا.

الحرّية أن أعيش بأصدق وأكمل نسخة من نفسي: كامرأة سورية-أمريكية فخورة، كابنة، وأخت، وصانعة محتوى، وناجية، وإنسان لم يعد ينتظر اللحظات الاستثنائية كي يقدّر الحياة.

وبعد كل ما مررت به، أدركت أن الحرية لا تعني الهروب من قصتي، بل احتضان كل صفحاتها.