مدير التحرير عدنان الكاتب يكتب: مهرجان كان السينمائي فقد بريقه وهيبته وهويته!
السجادة الحمراء تلطخت بالسطحية وتحولت إلى منصة للفراغ أمام الزحف المخيف لكل "ما هب ودب"!!
أسئلة كثيرة بحاجة إلى إجابات:
كان السينمائي: مهرجان للسينما والموهبة أم كرنفال للبريق الزائف؟
كيف يمكن لمهرجان تأسس ليحتفي بالسينما أن يفتح أبوابه لأشخاص لم يمثلوا مشهدا واحدا ولم يكتبوا سطرا فنيا واحدا
ولم يصنعوا أي أثر ثقافي حقيقي؟
من الذي سمح باغتيال الفن على السجادة الحمراء؟
من الذي يساعد هؤلاء السطحيين في محاولتهم لإطفاء بريق النجوم الحقيقيين؟
هل أصبحت فقاعة الشهرة أهم من الموهبة؟
مهرجان كان للسينما أم لعرض أزياء للفراغ الرقمي؟
وأخيرا: من سينقذ السعفة الذهبية في زمن السطحية؟
كان مهرجان كان السينمائي يوما حلما بعيدا لا تطؤه الأقدام إلا بعد تاريخ طويل من السينما، والموهبة، والانتصارات الفنية، والوقوف أمام الكاميرا بعد سنوات من التعب والخيبات والنجاح. وكان الوصول إلى سجادته الحمراء يشبه الاعتراف العالمي بقيمة الفنان، وكانت الصور التي تُلتقط هناك توثق لحظة من تاريخ الفن، لا لحظة من تاريخ تطبيقات الهواتف. أما اليوم، فالمشهد تغيّر بشكل صادم. فالسجادة الحمراء التي مشت عليها أسماء صنعت ذاكرة السينما العالمية، تحولت تدريجيا إلى مساحة مكتظة بوجوه لا علاقة لها بالفن، ولا بالتمثيل، ولا بالإخراج، ولا حتى بالثقافة السينمائية. وجوه جاءت من عالم السطحية و"الريلز"، والفلاتر، والإعلانات المدفوعة، والفراغ الرقمي الذي بات يُسوَّق على أنه "نجومية".

في "كان" لم تعد النجومية تُقاس بما قدمه الإنسان للفن، بل بعدد المتابعين، وقيمة العقود الإعلانية، وقـــدرة الشـــخــــص على إثـــــارة الضجــــيـــــج عـــلى وسائـــل التواصل الاجتماعي. المـــؤلــــم ليــــس وجــــــود هؤلاء فقط، بل أن المهرجان نفسه بدأ يفقد هُويــــتــــه أمــــام هـــــذا الـــزحف المخيف للتفاهة.
كيف يمكن لمهرجان تأسس ليحتفي بالسينما أن يفتح أبوابه لأشخاص لم يمثلوا مشهدا واحدا، ولم يكتبوا سطرا فنيا واحدا، ولم يصنعوا أي أثر ثقافي حقيقي؟ ما الذي يربط "مؤثرة تجميل" أو "صانعة محتوى استعراضي" بتاريخ السينما؟
وأي إنجاز فني يؤهّل هؤلاء "الفارغين" للسير على السجادة نفسها التي وقفت عليها "كاترين دونوف" و"مونيكا بيلوتشي" و"صوفيا لورين" و"ماريون كوتيار" وغيرهن من أساطير الفن؟

لقد أصبــــح المشــــهد أقـــــرب إلى حفــلـــــة دعائية ضخمة للماركات الفاخرة، لا مهرجانا سينمائيا عريقا. والحقيقة التي يجب عليَّ أن أعترف بها، والتي يجب أن أقولها ونقولها جميعا بوضوح وصوت عالٍ: علينا ألا نلوم هؤلاء وحـــــدهن فقـــــط، فهنّ في النهاية نتــــــاج عــصـــــر كامل يقـــــدّس الشهــــــرة السريعة ويكافئ الضجيج والسطحية والتفاهة أحيانا، بل علينا أن نلوم دور الأزياء والمجوهرات والعلاقات العامة التي قررت استبدال القيمة بالانتشار، والموهبة بالأرقام، والتاريخ الفني بمعدل التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي.. أي انحدار هذا حين تدفع بعض دور الأزياء والمجوهرات مبالغ طائلة، وثمن تذاكر سفر بدرجة رجال الأعمال، وإقامات فاخرة، فقط كي ترتدي "إنفلونسر" فستانا أو قطعة مجوهرات لبضع دقائق على سجادة حمراء؟ وأي ابتذال أصاب عالم الأزياء والمجوهرات حين أصبحت بعض العلامات العريقة تبحث عن "الترند" بدلا من الرقي؟ كان يفترض أن تكون السجادة الحمراء احتفالا بالفن، لكنها تحولت إلى لوحة إعلانية متحركة.
وهنا عليّ أن أعترف لكم بأن الأكثر إيلاما بالنسبة إليّ، أن كثيرا من نجوم السينما الحقيقيين غابوا، أو تراجع حضورهم، بينما تصدرت هذه النماذج المشهد الإعلامي. وأن الكاميرات باتت تلاحق من يعرف كيف يلتقط صورة مثيرة أو يثيرالجدل، لا من يملك مشروعا فنيا أو تاريخا يستحق الاحترام. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية التي علـينا جميعا الاعتراف بها: حين تصبح الشهرة بديـــــلا عن القيمة، يصبح كل شيء قابلا للانهيار.. للأسف الشديد خسر مهرجان كان جزءا كبيرا من بريقه وهيبـــتــــه، لأنـــــه سمـــــح بتحـــويــــــل الفن إلى استعراض فارغ، والسجادة الحمراء التي كانت رمزا للحلم السينمائي، أصبحت عند كثيرين مجرد فرصة لعرض الأزياء، والبحث عن "الترند"، وجمع المتابعين.

ولعل أكثر ما يثير السخرية أن بعض هؤلاء لا يملكون حتى الحد الأدنى من الثقافة الفنية أو السينمائية.. أحيانا أسأل إحداهن عن مخرج عالمي، فتدهشني أنها لم تسمع به، أو عن فيلم حصد الأوسكار أو السعفة الذهبية فلا تعرفه، ومع ذلك تسير بكل ثقة أمام عدسات العالم كأنها نجمة صنعت تاريخا فنيا عظيما. إنها لحظة مخيفة يعيشها العالم اليوم: زمن أصبح فيه الفراغ قابلا للتسويق، والسطحية قابلة للتصدير وقادرة على احتلال أهم المنصات الثقافية والفنية.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: إلى أين يمضي مهرجان كان إذا استمر في هذا الاتجاه؟ المهرجانات العريقة لا تسقط فجأة، بل تفقد روحها تدريجيا، وحين تصبح السجادة الحمراء مفتوحة لكل من يملك متابعين أكثر، لا موهبة أكثر، فإن المهرجان لا يحتفل بالسينما، بل يعلن بصمت وفاة جزء من هيبته.
السجادة الحمراء في "كان"، كانت يوما رمزا للنور، للفن، للحلم، وللأسماء التي لا تُنسى. أما اليوم، ففي كثير من اللحظات، بدت كأنها سجادة سوداء تلطخت بزمن الاستعراض الفارغ.. زمن باتت فيه الشهرة أسرع من الموهبة، وأعلى صوتا من الفن، وأكثر حضورا من القيمة الحقيقية. المشكلة ليست في أن هؤلاء حضروا مهرجان كان بل في أن السينما نفسها أصبحت مضطرة لمشاركة مساحتها مع الفراغ. حين يصبح عدد المتابعين أهم من الأفلام نعرف أننا لا نعيش أزمة مهرجان فقط بل أزمة زمن كامل.