اختصاصية علاج الصحة النفسية هلا الزياني تكتب لـ"هي": الرياضة.. اللغة التي فهمت من خلالها نفسي
قبل أن تصبح الرياضة مهنتي بوقت طويل، كانت هي اللغة التي فهمت من خلالها نفسي. وكانت البيئة الأولى التي علّمتني الانضـبــاط، والمــــرونــــة، والهُوية، والثـــقـــل النفســي الذي يرافق المنافسة. فلم أنجذب إلى الأداء البدني فحسب، بل إلى القوة الذهنية الكامنة خلفه أيضًا.
لا يستطيع الجسد أن يتجاوز الحدود التي يضعها له العقل، وقد أثار اهتمامي منذ وقت مبكر الدور الباطني للعقل وتأثيره في الثقة بالنفس، والتعامل مع الضغوط، والتعافي، والإنجاز. وهو ما قادني بديهيا نحو علم النفس الرياضي؛ ذلك المجال الذي يلتقي فيه أكبر اهتمامين لي، الرياضة وعلم النفس، ويستطيعان التعايش بشكل هادف وذي معنى. فالرياضة هي من أصدق انعكاسات الطبيعة الإنسانية، لأنها تكشف عن ملامح الشخصية، والتنظيم العاطفي، والطموح، والخوف، والمرونة.
أحيانا تكون الرياضة هي التي تصوغ شخصيتك، وفي أحيان أخرى تكون شخصيتك هي ما يتيح لك الاستمرار في مواجهة تحدياتها وتحمّلها. إنها علاقة متداخلة لا يمكن فصل طرف فيها عن الآخر. واليوم، فإن عملي معالجة متخصصة في الصحة النفسية الرياضية ومسؤولة عن الحماية في اللجنة الأولمبية البحرينية، يرتكز على إعادة تعريف ما يجب أن تبدو عليه الرعاية في عالم الرياضة.
اعتاد الرياضيون لسنوات طويلة على التكيّف مع إعطاء الأولوية للأداء، في ظل كبت أو إسكات الجوانب السلبية المرافقة له. الصحة النفسية تبقى عاملا أساسيا في النجاح الرياضي. فالقدرة على الأداء تحت الضغط، والتعافي من الانتكاسات، والحفاظ على الانضباط، وتحمّل ضغوط المنافسة، كلها أمور تبدأ من الجانب النفسي. وهذا الإيمان العميق بأهمية الصحة النفسية هو ما دفعني إلى العمل في مجال الحماية.
أدركت سريعا أن الرياضيين لا يحتاجون إلى الدعم عندما يتعرضون لإصابات جسدية فحسب، بل يحتاجون إلى بيئات تحميهم نفسيا وعاطفيا وشخصيا قبل وقوع أي ضرر. تقوم الحماية على إرساء ثقافة حقيقية وتوفير مساحات يكون فيها الاحترام هو القاعدة، ويشعر فيها الإنسان بالأمان الكافي للتعبير عن آرائه، وبالطمأنينة التي تسمح له بإظهار نقاط ضعفه بصدق، وبالدعم الذي يمكّنه من النمو من دون خوف. بالنسبة إلي، تظل المهمة بسيطة، ورسالتها: حماية الإنسان الذي يقف خلف الأداء.
