الطبيبة الاستشارية شيخة حمد العرف تكتب لـ"هي": جوهر العافية الحقيقي
العافية بالنسبة إلي لا تعني فقط أن يكون الإنسان غير مريض. فكوني طبيبة في الطب الوقائي والصحة العامة، ومؤسسة "منتي استديو" Mente Studio الذي أهدف من خلاله إلى نشر مفهوم أعمق للصحة والعافية، بدأت مع الوقت أرى العافية أسلوب حياة متكاملا يتداخل مع جميع تفاصيل يومنا.
أصبحت أراها في طريقة نومي، وفي جودة أفكاري، وفي علاقتي بجسدي، وفي الأشخاص والبيئة المحيطة بي. فالإنسان في النهاية ليس مجرد جسد منفصل عن العقل، بل إن كل ما بداخلنا مترابط بطريقة مدهشة. حتى المشاعر التي نحاول أحيانا تجاهلها، أو الضغوط التي نتعايش معها بشكل يومي، تترك أثرها داخل الجسد بطريقة أو بأخرى.
فالتوتر مثلا قد يظهر على شكل إرهاق جسدي، أو مشكلات في النوم، أو صداع، أو ضعف في التركيز، وربما حتى آلام مزمنة. وفي المقابل، عندما يشعر الإنسان بالأمان والراحة النفسية، ينعكس ذلك على جسده وطاقة يومه بأكمله. وهذا ما جعلني أؤمن أكثر بأن الصحة النفسية والجسدية ليستا أمرين منفصلين أبدا، بل هما لغة واحدة يتواصل بها العقل والجسد معا طوال الوقت.
لذلك تغيّر مفهوم الرياضة بالنسبة إلي كثيرا مع مرور السنوات. لم أعد أرى الحركة وسيلة لتغيير شكل الجسم أو لحرق السعرات الحرارية فقط، بل أصبحت أراها مساحة للتفريغ، والتنظيم، والعودة إلى الذات، وشيئا يساعد الإنسان على الاستماع إلى جسده بدلا من معاقبته.
أحيانا تكون جلسة تنفّس، أو يوغا هادئة، أو حتى المشي من دون هاتف، كفيلة بتغيير مزاج الإنسان بالكامل. فالجسد لا يحتاج دائما إلى المزيد من الضغط، بل يحتاج أحيانا إلى الشعور بالأمان. وأشعر بأن كثيرا من الناس اليوم يعيشون علاقة مرهقة مع أجسادهم؛ محاولات مستمرة للوصول، أو التغيير، أو المقارنة، أو إثبات شيء لأنفسهم أو للآخرين. بينما يمكن للحركة أن تكون فعل حب واهتمام، لا وسيلة للعقاب أو الاستنزاف.
وهذا ما أحاول تقديمه من خلال تجارب العافية التي أصنعها؛ مساحة يستطيع الإنسان فيها أن يهدأ قليلا، ويتنفس، ويشعر بنفسه من جديد. مساحة لا يكون فيها مطالبا بالأداء أو التظاهر أو إثبات أي شيء، بل أن يكون حاضرا مع ذاته للحظة فقط، بعيدا عن سرعة الحياة وضغطها المستمر.
كما تغيّرت علاقتي مع الطعام كثيرا، فلم يعد الأمر قائما على الحرمان، أو الخوف من الطعام، أو حساب السعرات الحرارية طوال الوقت. بل أصبحت أفكر: كيف يمكنني دعم جسدي؟ كيف أمدّه بالطاقة والتركيز والشعور الأفضل؟ وكيف أتناول الطعام بطريقة تمنحني الاستقرار بدلا من التوتر؟
أصبحت أرى أن الطعام ليس مجرد شيء نستهلكه، بل هو عنصر يؤثر في مزاجنا، ونومنا، وتركيزنا، وحتى علاقتنا بأنفسنا. وأشعر بأن جزءا كبيرا من العافية يكمن في بناء علاقة متوازنة مع الطعام، بعيدا عن الخوف أو جلد الذات المستمر. فالصحة الحقيقية لا تقوم على المثالية، بل على الاستمرارية، والوعي، والرحمة مع النفس.
وأرى أن من أكبر المشكلات اليوم أن الناس يحاولون الوصول إلى الصحة وهم قساة جدا على أنفسهم. فكل شيء أصبح قائما على الإنجاز السريع، والنتائج السريعة، والتحسين المستمر من دون توقف. حتى الراحة أحيانا أصبحت أمرا يشعر الإنسان بالذنب تجاهه. بينما تبدأ العافية الحقيقية، بالنسبة إلي، من بناء علاقة أكثر هدوءا ورحمة مع الجسد، بعيدا عن الاستنزاف والمثالية المرهقة.
كما بدأت ألاحظ إلى أي مدى تستنزف البيئة الحديثة الجهاز العصبي من دون أن ننتبه. فالسرعة، والضوضاء، وكثرة المحتوى، والضغط المستمر، والانشغال الدائم، جميعها تجعل الإنسان يعيش في حالة استنفار متواصلة. وكأن الجسد يعتقد طوال الوقت أنه يجب أن يكون مستعدا للخطر أو التوتر القادم. ومع مرور الوقت، ينعكس ذلك على النوم، والمزاج، والتركيز، وحتى قدرة الإنسان على الاستمتاع بحياته أو الشعور بالهدوء الحقيقي.
لذلك أصبحت أؤمن بأن الراحة ليست رفاهية، بل ضرورة. فالنوم الجيد، والبطء أحيانا، والطبيعة، والحركة الواعية، والعلاقات الصحية، وحتى لحظات الصمت، جميعها جزء أساسي من العافية. وأحيانا، لا تكون أكثر الأشياء العلاجية هي الأكثر تعقيدا، بل تلك البسيطة التي فقدنا اتصالنا بها وسط نمط الحياة الحديث.
وأؤمن أيضا بأن الإنسان لا يحتاج إلى تغيير حياته بالكامل كي يتحسن. بل قد يحتاج فقط إلى العودة للأشياء البسيطة التي فقد ارتباطه بها: التنفس، والنوم، والحركة، والشمس، والطعام الحقيقي، والعلاقات التي تمنحه شعور الأمان. الأشياء التي تذكّره بأنه إنسان قبل أي شيء آخر.
وبالنسبة إلي، فإن العافية الحقيقية ليست صورة لحياة مثالية تبدو جميلة من الخارج، بل هي أن يعرف الإنسان كيف يعيش بطريقة تدعمه نفسيا وجسديا على المدى الطويل. أن يعرف متى يبطئ، ومتى يرتاح، ومتى يستمع إلى احتياجاته الحقيقية بدلا من استنزاف نفسه باستمرار.
العافية بالنسبة إلي هي أن يعيش الإنسان حياة يشعر فيها بالاتزان والأمان الداخلي، ويبني روتينا وعادات تساعده على الاستمرار نفسيا وجسديا، لا أن يعيش طوال عمره في حالة استنزاف ونجاة.
وأعتقد أن هذا هو جوهر العافية الحقيقي بالنسبة إلي.. أن أصنع حياة لا أحتاج إلى الهروب منها، حياة أشعر فيها بالراحة، والحضور، والرضى.