دراسة: بكتيريا الأمعاء مرتبطة ببقاء مرضى السرطان على قيد الحياة
بالطبع، سمعتِ عن بكتيريا الأمعاء؛ وهي تلك الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل الجهاز الهضمي، خصوصًا في القولون، وتُعدّ واحدةً من أهم عناصر صحة الإنسان. وتؤكد المصادر العلمية أنها تضم تريليونات من البكتيريا من أكثر من 1000 نوع، وتعمل كجهازٍ مستقل تقريبًا داخل الجسم، يؤثر على الهضم، المناعة، الهرمونات، والمزاج .
بكتيريا الأمعاء جزءٌ من الميكروبيوم المعوي؛ مجتمعٌ ضخم من البكتيريا، الفطريات، الفيروسات، والكائنات الدقيقة التي تعيش في الأمعاء وتعمل في علاقةٍ تكافلية مع الجسم: نُطعمها، فتُعطينا وظائف حيوية لا يمكن للجسم القيام بها وحده .
تقوم بكتيريا الأمعاء بالعديد من الوظائف الحيوية المهمة، منها:
1. الهضم: عن طريق تفكيك الألياف المُعقدة وإنتاج أحماض دهنية قصيرة السلسلة (SCFA)، تُغذَي خلايا القولون وتحافظ على صحة بطانة الأمعاء.
2. تصنيع الفيتامينات: مثل B1، B9، B12، وK، والتي يؤثر نقصها مباشرةً على الطاقة والمناعة.
3. المناعة: فنحو 80% من خلايا المناعة موجودة في الأمعاء، والبكتيريا الجيدة تُدرّب الجهاز المناعي وتمنع نمو الأنواع الضارة مثل difficile .
4. المزاج والدماغ: عبر محور الأمعاء - الدماغ، تُنتج أو تُحفّز إنتاج السيروتونين، وتؤثر على القلق، الاكتئاب والصفاء الذهني.
5. الهرمونات والتمثيل الغذائي: كونها تتفاعل مع الخلايا الهرمونية في الأمعاء، لتنظيم الشهية، سكر الدم، والوزن. كما ترتبط بالسُمنة والسكري من النوع الثاني.

أي اختلال في عمل بكتيريا الأمعاء (Dysbiosis)، ويحدث الخلل عندما يقل عدد البكتيريا النافعة أو تزيد الضارة، قد يؤدي إلى:
• الانتفاخ، الغازات، الإمساك أو الإسهال
• الإرهاق المزمن
• التهابات منخفضة الدرجة
• مشاكل جلدية
• اضطرابات مزاجية
• زيادة خطر الأمراض المزمنة مثل السكري، السُمنة وأمراض القلب.
ومؤخرًا؛ اكتشف باحثون في مايو كلينك أنماطًا مميزة في الحَيُّوم الدقيق المعوي لدى البالغين الذين تبلغ أعمارهم 50 عامًا أو أقل والمصابين بسرطان القولون، المستقيم وسرطان الثدي، مقارنةً بمن شُخِّصت إصابتهم في مرحلة لاحقة من العمر. وهذه واحدةٌ من عدة نتائج خلص إليها تحليل عينات براز مأخوذة من 1364 مريضًا بالسرطان من مختلف أنواع السرطان ومراحله وعلاجاته، ونُشرت الدراسة في مجلة Cell.

بين المرضى الأصغر سنًا، كانت لدى المصابين بسرطان القولون والمستقيم مستوياتٍ أعلى من اللاكتات وكميات أكبر من بكتيريا فيلونيلا بارفولا (Veillonella parvula)، وهي نوع من بكتيريا الأمعاء يتغذى على اللاكتات. في حين ظهرت لدى مريضات سرطان الثدي المبكر تغيَرات شملت 64 نوعًا بكتيريًا، إلى جانب انخفاض مستويات الأحماض الصفراوية الأولية.
وتأتي هذه النتائج من مجموعة مايو كلينك لدراسة الحَيُّوم الدقيق لدى مرضى السرطان، وهي دراسةٌ من واقع الممارسة السريرية ضمّت مرضى مصابين بالسرطان في مايو كلينك في ولايات أريزونا، فلوريدا ومينيسوتا، قدموا من 40 ولاية. وقد جُمعت عينات البراز قبل بدء العلاج، ورُبطت ببيانات سريرية مفصّلة عن الآثار الجانبية والنتائج الصحية. تُوفر هذه العينات نافذةً على الحَيُّوم الدقيق المعوي، المكوّن من تريليونات الميكروبات التي تعيش في السبيل الهضمي.
أنماط للحَيُّوم الدقيق.. خاصة بأنواع معينة من السرطان
خلال الدراسة؛ قارن الباحثون بين المرضى المصابين بالسرطان و287 شخصًا غير مصابين به، بهدف تحديد الفروق العامة في الحَيُّوم الدقيق. ثم كشفت المقارنات بين أنواع السرطان المختلفة عن إشاراتٍ أكثر تحديدا؛ وبعد أخذ الحالات الصحية الأخرى في الحسبان، حدّد الباحثون بدقة 341 نوعًا بكتيريًا مرتبطًا بخمس مجموعات سرطانية.
من بين هذه المجموعات، أظهرت الأورام العصبية الصماوية فقدانًا واسعًا لأنواع شائعة من بكتيريا الأمعاء ترتبط بالصحة الجيدة. وسُجّلت في سرطانات الكبد والأقنية الصفراوية داخل الكبد، مستويات أعلى من عدة أنواع بكتيرية، منها إنتيروكوكس فيكاليس (Enterococcus faecalis)؛ فيما سُجّلت في سرطان المريء مستوياتٌ أعلى من ستة أنواع بكتيرية، منها بكتيريا العقدية. كما رُصدت ارتباطاتٌ مميزة في ابيضاض الدم اللمفاوي، الورم النقوي المتعدد وسرطانات خلايا البلازما ذات الصلة.

ويقول روبن مارس، الحاصل على درجة الدكتوراه، أحد المؤلفين المسؤولين عن المراسلات في الدراسة والباحث في مجال الحَيُّوم الدقيق لدى مايو كلينك في ولاية مينيسوتا تعليقًا على هذه الدراسة: "يمكننا الآن تضييق نطاق البحث ليقتصر على تلك التغيَرات الميكروبية الأكثر تحديدًا لكل نوعٍ من أنواع السرطان على حدة. تلك هي الإشارات التي نحتاج لفهمها أولًا، إذا أردنا أن نحددَ ما إذا كان للحَيُّوم الدقيق دورٌ مُسبب للسرطان، وأن نُطوّر في نهاية المطاف تدخلاتٍ استهدافية."
تأتي هذه النتائج في وقتٍ ترتفع فيه بين البالغين الأصغر سنًا، معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم وسرطان الثدي. إذ تزداد معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم بنحو 3% سنويًا لدى البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و49 عامًا، في حين ترتفع معدلات الإصابة بسرطان الثدي بنسبة 1.4% سنويًا بين النساء اللاتي تقلَ أعمارهنَ عن 50 عامًا، وفقًا لجمعية السرطان الأمريكية.
وتُثير النتيجة المتعلقة بسرطان القولون والمستقيم، تساؤلاتٍ حول صلة بيولوجية محتملة: إذ يمكن أن تُنتج الأورام مستوياتٍ مرتفعة من اللاكتات، التي تستخدمها بكتيريا فيلونيلا بارفولا للنمو. ولا يُعرف بعد ما إذا كانت هذه العلاقة تؤدي دورًا في حالات المرض المبكر.
وفي سرطان الثدي، كانت بكتيريا كلوستريديوم سيندنز (Clostridium scindens) واحدةً من 64 نوعًا اختلفت لدى المرضى الأصغر سنًا، وهي بكتيريا تشارك في استقلاب الأحماض الصفراوية والستيرويدات.
فيما لم تُرصد فروقٌ مماثلة مرتبطة بالعمر في الحَيُّوم الدقيق فيما يخص سرطان الدماغ، وهو السرطان الثالث الذي شمله تحليل السرطانات المبكرة. ولا تُثبت النتائج المتعلقة بسرطان القولون والمستقيم وسرطان الثدي أن هذه الفروق الميكروبية أو الأيضية تُسبَب المرض المبكر، لكنها تكشف عن ارتباطاتٍ تستحق مزيدًا من الدراسة.
ارتباط الحَيُّوم الدقيق المعوي بالبقاء على قيد الحياة والآثار الجانبية للعلاج

من ناحيةٍ أخرى؛ حدّد الباحثون أنواعًا من بكتيريا الأمعاء، مرتبطةً بالبقاء على قيد الحياة في سرطانات القولون والمستقيم، الكبد والأقنية الصفراوية داخل الكبد، المبيض والبروستاتا، وفي الورم الميلانيني. ففي سرطان الكبد والأقنية الصفراوية داخل الكبد، ارتبطت بكتيريا بيفيدوباكتيريوم لونغوم (Bifidobacterium longum) بمدة بقاءٍ أطول على قيد الحياة، فيما ارتبطت بكتيريا بلاوتيا A ماسيليينسيس (Blautia A massiliensis) بمدة بقاءٍ أقصر.
ودرس الباحثون أيضًا ما إذا كان الحَيُّوم الدقيق المعوي قبل العلاج، مرتبطًا بالإسهال خلال العلاج الكيميائي، والإسهال أثرٌ جانبي قد يجعل تحمّل العلاج أصعب. من بين المرضى الذين تلقّوا دواء 5-فلورويوراسيل (5-FU)، وهو أحد أدوية العلاج الكيميائي ويُستخدم في علاج أنواعٍ عديدة من السرطان، كانت مستويات الجينات البكتيرية القادرة على تفكيك هذا الدواء أقل لدى من أُصيبوا لاحقًا بالإسهال. وكانت بكتيريا أنايروستيبس هادروس (Anaerostipes hadrus)، وهي من بكتيريا الأمعاء الشائعة، مصدر جزءٍ كبير من هذه الوظيفة.
لم ترتبط الإشارة نفسها بالإسهال لدى المرضى الذين تلقّوا كاربوبلاتين، وهو دواءٌ آخر من أدوية العلاج الكيميائي، ما يشير إلى أن هذه النتيجة خاصة بدواء 5-فلورويوراسيل. ويُعلَق بورنا كاشياب، الحاصل على بكالوريوس الطب والجراحة، أحد المؤلفين المسؤولين عن المراسلات في الدراسة، ومدير برنامج مايو كلينك لدراسة الحَيُّوم الدقيق، ومدير برنامج علوم الحَيُّوم الدقيق في مركز مايو كلينك للطب الفردي، وهو المنصب الذي يحمل اسم برنارد وإديث واترمان على هذه النتائج بالقول: "الحَيُّوم الدقيق ليس المُحرك الوحيد للسرطان أو لنتائج العلاج، لكنه مكوّن لا يحظى بالتقدير الكافي، ولم يؤخذ في الاعتبار تقليديًا ضمن الأساليب العلاجية." ويضيف: "يقدّم لنا هذا إثباتًا لصحة المفهوم، بأننا نستطيع البدء في فهم سبب تعرّض بعض المرضى لأثرٍ جانبي معيّن، وأن نحدد هدفًا قد يكون من الممكن التعامل معه."
في الخطوة التالية، سيدرس الباحثون ما إذا كانت الإشارات الميكروبية الخاصة بأنواعٍ معينة من السرطان تؤدي دورًا مُسببًا للمرض؛ ومن خلال ذلك، سيتحققون من قدرة الحَيُّوم الدقيق المحتملة على التنبؤ بالآثار الجانبية للعلاج لدى مجموعاتٍ أكبر من المرضى.
خلاصة القول؛ فالارتباط بين بكتيريا الأمعاء والسرطانات أصبح اليوم واحدًا من أهم محاور أبحاث الطب الحديث. وتُظهر الدراسات الحديثة أن اختلال الميكروبيوم المعوي (Dysbiosis) يمكن أن يُساهم في نشوء السرطان، تطوّره، وحتى في استجابة الجسم للعلاج.
نحتاجُ بالفعل للاعتناء بصحة بكتيريا الأمعاء على وجه الخصوص، ليس فقط لتجنَب أمراض السرطان؛ وإنما أيضًا لتعزيز صحة أجسامنا وسلامتها على مختلف الصُعد. فبكتيريا الأمعاء تقوم بوظائف عدة مهمة في الجسم، وأي خلل في عملها قد يتسبب بمضاعفاتٍ صحية غير محمودة.