تمرَ غالبًا دون ملاحظة: خبيرة تُسلَط الضوء على مخاطر القلب في يومه العالمي
تُعدّ أمراض القلب والأوعية الدموية، السبب الرئيسي للوفاة على مستوى العالم؛ إذ تسببت في 20.5 مليون حالة وفاة في عام 2021، وفقًا للاتحاد العالمي للقلب.
فيما يُعتبر ارتفاع ضغط الدم، اضطراب مستويات الكوليسترول، مقاومة الإنسولين، ومرض السكري من النوع الثاني من عوامل الخطر التي قد تكون موجودةً دون أعراض ملحوظة. وهناك عوامل أخرى أقل شهرة، من بينها الدهون الحشوية الزائدة (دهون البطن)، مرض الكبد الدهني الذي يُعرف حاليًا باسم مرض الكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي (MASLD)، انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، والحالات الالتهابية المزمنة مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، الصدفية والذئبة.
بالنسبة للنساء، يرتبط وجود تاريخٍ للإصابة بتسمم الحمل أو سكري الحمل أو انقطاع الطمث المبكر، بارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية في مراحل لاحقة من الحياة. كما يُسهم في زيادة الخطر كلٌّ من التدخين، قلة النشاط البدني، والتعرض طويل الأمد لتلوث الهواء.
قد تتطور مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية دون أعراضٍ واضحة، ما يجعل التقييم الوقائي أمرًا مهمًا، حتى للأشخاص الذين يشعرون بصحةٍ جيدة؛ وفقًا للدكتورة مشكاة شحاتة، الرئيسة التنفيذية للشؤون الطبية في أوميكس بريسيجن هيلث (OMICS Precision Health)، وذلك خلال الاحتفال باليوم العالمي للقلب الذي يصادف 29 سبتمبر. وتنسجم رسالتها مع حملة هذا العام بعنوان Don’t Miss a Beat (لا تفوّت نبضة)، التي تسلّط الضوء على مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية وعلاماتها التحذيرية التي قد تمرّ دون ملاحظة.
تقول الدكتورة مشكاة إن الفحوصات الروتينية مثل قياس ضغط الدم، تحليل الدهون والمؤشرات الأيضية تُعدّ نقطة انطلاق مهمة؛ في حين يمكن للفحوصات الإضافية أن تُوفر معلومات أوفى بحسب عمر الشخص، تاريخه الطبي وتاريخه العائلي.

وتضيف: "قد يشعر الناس بصحةٍ تامة، فيما تتطور عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية في الخفاء. الفحص الروتيني مهم، لكن في عيادتنا المتخصصة في الطب الدقيق، يمكننا التعمق أكثر عندما يشير التاريخ المرضي للشخص أو نتائجه الأولية إلى أن ذلك سيكون مفيدًا. فهذا يساعدنا على فهم ما قد يُسهم في رفع مستوى الخطر لديه، وما ينبغي علينا فعله بعد ذلك."
أمراض القلب الصامتة: لماذا تمرَ الأعراض دون أن يلاحظها أحد؟
أعراضٌ خفية تنصحكِ الدكتورة مشكاة وغيرها من مختصي صحة القلب، بالتنبه لها؛ فقد تكون مؤشرًا على الإصابة بأمراض القلب الصامتة:
-
التعب المستمر غير المبرّر
فالإرهاق المزمن قد يشير إلى قصور في ضخ الدم أو مرض في الشرايين التاجية.
-
ضيق التنفس مع مجهود بسيط
إذا أصبحت الأنشطة اليومية مثل صعود درج واحد مرهقة، فقد يكون ذلك علامة على ضعف وظيفة القلب أو تراكم السوائل في الرئتين.
-
تورّم القدمين أو الكاحلين
ويحدث بسبب احتباس السوائل عندما لا يضخ القلب الدم بكفاءة، وهو من العلامات الصامتة لفشل القلب.
-
آلام غير نمطية في الكتف، الظهر، الفك أو البطن
قد يكون الألم القلبي "متنقلاً" بسبب تشابك الأعصاب، ويظهر في أماكن غير الصدر، خصوصًا عند بذل مجهود؛ لكنه يختفي مع الراحة.
-
الدوخة أو الخفقان
قد تشير إلى اضطراب في كهرباء القلب أو عدم انتظام النبض، ما يؤثر على تدفق الدم إلى الدماغ.
-
مشاكل هضمية غير مبررة
الغثيان، الانتفاخ، أو "حرقة" لا تشبه المعتاد قد تكون مرتبطة بإجهاد القلب، خصوصًا لدى النساء.

-
تغيّر القدرة على ممارسة الرياضة
إذا لاحظتِ أن سرعتكِ أو قدرتكِ على التحمّل انخفضت فجأة، فقد يكون ذلك علامة مبكرة على مشكلة قلبية.
مخاطر أمراض القلب: ما بعد الفحوصات الروتينية
يمكن أن تشمل تحاليل الدم الأكثر تفصيلًا:
- صميم البروتين الشحمي B (ApoB)، الذي يعكس عدد الجزيئات الحاملة للكوليسترول والقادرة على اختراق جدار الشريان
- البروتين الشحمي (a) أو Lp(a)، وهو مؤشر وراثي في معظمه، يرتفع لدى ما يُقدَّر بشخصٍ واحد من كل خمسة أشخاص حول العالم، ولا يقيسه تحليل الكوليسترول الاعتيادي
- بروتين سي التفاعلي عالي الحساسية (hs-CRP)، وهو مؤشر للالتهاب يرتبط بخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
وفيما يمكن لتحليل الهيموغلوبين السكري (HbA1c) والإنسولين الصائم، الكشف عن مقاومة الإنسولين قبل سنواتٍ من تطور السكري من النوع الثاني؛ تُوفر نسبة الدهون الثلاثية إلى الكوليسترول الجيد (HDL)، إنزيمات الكبد، وحمض اليوريك معلوماتٍ أيضية إضافية.
وبحسب حالة كل فرد، قد تلجأ الدكتورة شحاتة وفريقها أيضًا إلى تحديد درجة الكالسيوم في الشرايين التاجية، الذي يُقيس اللويحات المتكلَسة فيها، أو إلى تصوير الشرايين التاجية بالأشعة المقطعية، الذي يُوفر رؤيةً أكثر تفصيلًا للشرايين ويمكنه الكشف عن اللويحات غير المتكلسة. كما يمكن للفحص بالموجات فوق الصوتية للشريان السباتي، الكشف عن اللويحات في شرايين الرقبة، بينما يُقيّم تخطيط صدى القلب (الإيكو) بنية القلب ووظيفته.
وتشرح الدكتورة شحاتة هذه العملية بالقول: "لا نُجري الفحوصات للجميع بالطريقة نفسها تمامًا، بل ننظر إلى الشخص الذي أمامنا وإلى المعلومات الإضافية التي ستكون مفيدةً فعلًا. فعلى سبيل المثال، يمكن لقياس سرعة موجة النبض تقييم تصلّب الشرايين، في حين يساعدنا مؤشر الضغط الكاحلي العضدي على البحث عن أمراض الشرايين في أجزاءِ أخرى من الجسم، وليس في القلب فقط."

يمكن أن تشمل التقييمات الأخرى تخطيط كهربية القلب، اختبار الجهد، مراقبة نُظم القلب، ومراقبة ضغط الدم المتنقلة على مدى 24 ساعة، والتي يمكنها رصد ارتفاع ضغط الدم الذي لا يظهر في العيادة أو الذي يحدث بشكلٍ رئيسي أثناء الليل.
كذلك قد يُوصى بدراسة النوم، عند الاشتباه في انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم. ويُقيس اختبار الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين (VO₂ max) اللياقة القلبية التنفسية، بينما يُحدد تحليل تكوين الجسم كمية الدهون الحشوية والكتلة العضلية، ويمكن للفحص الجيني الكشف عن الحالات الوراثية مثل فرط كوليسترول الدم العائلي والمتغيرات الجينية المؤثرة في استقلاب الدهون. كذلك يمكن أخذ بيانات الأجهزة القابلة للارتداء في الاعتبار، بما في ذلك معدل ضربات القلب أثناء الراحة، تقلّب معدل ضربات القلب، وأنماط النوم.
يمكن لهذه الفحوصات أن تكون جزءًا من تقييمٍ صحي شامل للمديرين التنفيذيين، أو من برنامجٍ مخصص لفحص صحة القلب والأوعية الدموية. كما أن وجود تاريخٍ عائلي قريب للإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية أو موت قلبي مفاجئ في سن مبكرة نسبيًا، قد يشير للحاجة إلى فحوصاتٍ أكثر تفصيلًا، حتى لدى الشخص الذي يشعر بصحة جيدة.
كيفية إدارة مخاطر صحة القلب
قد يتهيأ للبعض أن أمراض القلب، في حال تبيان أية أعراض لديه جراء الفحوصات المذكورة أعلاه، قد تُصيبه على الفور. لكن هذا ليس رأي الدكتورة مشكاة التي تقول: "اكتشاف عامل خطرٍ لا يعني أن الشخص سيُصاب حتمًا بأمراض القلب والأوعية الدموية، بل يمنحنا معلوماتٍ يمكننا التصرف بناءً عليها. سيحتاج بعض الأشخاص إلى أدوية، لكن نمط الحياة يظل الأساس؛ فالرياضة، النظام الغذائي، النوم الجيد وإدارة التوتر كلها عوامل مهمة."
تُوصي شحاتة باتباع نظامٍ غذائي على غرار حمية البحر الأبيض المتوسط؛ يعتمد بشكلٍ كبير على الخضراوات، الفواكه، الحبوب الكاملة، البقوليات، المكسرات والبذور، مع اعتماد زيت الزيتون مصدرًا رئيسيًا للدهون، وتفضيل الأسماك والدواجن بشكلٍ عام على اللحوم الحمراء والمصنّعة. كما توصي المصابين بارتفاع ضغط الدم باتباع نظام DASH الغذائي، الذي طُوّر للمساعدة في التحكم بضغط الدم.

كذلك تنصح الدكتورة شحاتة بأن يشمل البرنامج الرياضي خمسة عناصر: اللياقة الهوائية، القوة، المرونة، الحركية، والتوازن. وفيما يخص اللياقة الهوائية، تنصح بممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا من النشاط متوسط الشدة، مثل المشي السريع أو ركوب الدراجات أو السباحة، مع السعي تدريجيًا للوصول إلى 300 دقيقة. وينبغي أن تستهدف تمارين القوة المجموعات العضلية الرئيسية يومين على الأقل في الأسبوع، بما يتماشى مع إرشادات منظمة الصحة العالمية.
إنما ينبغي على المصابين بأمراضٍ قلبية وعائية معروفة، أو من لديهم دلائل على انسدادٍ في الشرايين، استشارة الطبيب قبل البدء ببرنامجٍ رياضي أو زيادة شدته.
كما تُسلَط شحاتة الضوء على التوتر المزمن، باعتباره أحد عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، التي كثيرًا ما يستهين بها الناس. وتقول: "أرى ذلك يوميًا؛ قد يحرص الناس على ما يأكلونه ويخصصون وقتًا لممارسة الرياضة، لكنهم لا يفكرون دائمًا فيما قد يفعلهُ التوتر المستمر بصحتهم. فالتوتر قد يؤثر في صحة القلب والأوعية الدموية، ولذلك يجب أن تكون إدارته جزءًا من الوقاية أيضًا." مضيفةً أن جودة النوم مهمةٌ أيضًا؛ إذ إن قضاء سبع أو ثماني ساعات في السرير لا يعني بالضرورة أن النوم كان مريحًا ومُجدّدًا للطاقة، إذا كان متقطعًا بشكلٍ متكرر.
علاقات دافئة.. قلبٌ سليم
تُحذّر الدكتورة شحاتة من أن ينشغل المرء بالفحوصات والتدخلات العلاجية، فيغفل عن جوانب أخرى لا تقل أهميةً لصحته. فمنذ عام 1938، تتبّعت دراسة هارفارد لنمو البالغين (Harvard Study of Adult Development) حياة مئات الرجال، ثم ذريتهم من بعدهم، على امتداد ما يقارب تسعة عقود، لتصل إلى خلاصةٍ بسيطة وعميقة في آنٍ معًا: إن دفء علاقاتنا الاجتماعية والأسرية في منتصف العمر يُنبئ بصحتنا في الشيخوخة أكثر مما تُنبئ به مستويات الكوليسترول. فمن كانوا في الخمسين أكثر رضا عن روابطهم مع الأهل والأصدقاء، كانوا في الثمانين الأوفر صحة.
وتقول: "قد تستغرقنا الفحوصات والتدخلات العلاجية، لكن ما يُصلح القلب يُصلح الروح أيضًا. فالشبكة الاجتماعية الطيبة والعلاقات الأسرية الصحية أمران مهمان، وأظن أننا ننسى ذلك أحيانًا حين نتحدث عن الصحة."

في الختام؛ فإن العديد من أعراض أمراض القلب تمرَ بنا دون أن نُلاحظها، أو نُوليها الاهتمام المطلوب؛ ما يترتب عليه تطوَر هذه الأمراض إلى ما لا يُحمد عقباه.
لذا تنصح الدكتورة مشكاة شحاتة بضرورة القيام بالفحوصات الطبية الدورية، اتباع نظامٍ غذائي ورياضي صحي، وتجنب التوتر قدر الإمكان، مع الاعتناء بجودة النوم وتعزيز العلاقات الاجتماعية. فهذه العوامل كلها كفيلةٌ بتحسين صحة القلب، وتجنيبنا التعرض لمخاطر أمراضه المختلفة حتى وإن كنا نتمتعُ بالعموم بصحةٍ جيدة.