القوة والكتلة العضلية.. هل تُحدَد ملامح العقد القادم من الصحة والعافية؟
لسنوات طويلة، هيمنَ هدفٌ واحد على صناعة اللياقة البدنية: خسارة الوزن.. وكان التقدم يُقاس بالرقم الذي يظهر على الميزان، بينما ارتبط النجاح غالباً بأن يصبح الجسم أنحف، لا أكثر صحة. إنما ولحسن الحظ، بدأت هذه النظرة تتغير في الوقت الراهن.
وإذا ما سألنا أي طبيبة أو مختصة أو مدربة شخصية، أيهما أهم: القوة والكتلة العضلية، أم النحافة والشكل الخارجي؟ ستكون الإجابة شبه موحدة على النحو التالي:
التركيز على القوة والكتلة العضلية بدلًا من خسارة الوزن هو توجهٌ ذكي جدًا، خصوصًا إذا كان هدفكِ صحة أفضل، جسم مشدود، وطاقة أعلى. والفكرة الأساسية التي تنبثق من هذه الإجابة محورها الآتي: العضلات تُغيّر شكل الجسم أكثر من الميزان.
نعم عزيزتي؛ فالعضلات ترفع معدل الحرق، وكل 1 كيلوجرام عضل يحرق ما بين 13–20 سعرة يوميًا حتى أثناء الراحة. كما أن تمرين العضلات يجعل الجسم مشدودًا أكثر حتى لو لم ينخفض الوزن كثيرًا؛ بالإضافة إلى تأمين توازنٍ هرموني أفضل خاصة للنساء، حيث أن تدريب القوة يُقلَل الكورتيزول ويحسّن حساسية الإنسولين. تقوية العضلات يحمي أيضًا من الإصابات ويُقوّي المفاصل والعظام، فضلًا عن الحفاظ على شكل الجسم أثناء خسارة الدهون بدلًا من أن يصبح "مسطحًا".
وبجانب الكتلة العضلية، هناك تركيزٌ مضاعف اليوم على تعزيز "قوة الجسم"، التي لم تعد مجرد "ميزةٍ إضافية"، بل أصبحت ضرورةً صحية وحياتية في عالمٍ سريع، ضاغط، ومليء بعوامل تُضعف الجسد إذا لم ننتبه لها. والرسالة الأساسية التي يريد جميع المختصين إيصالها للجمهور في هذه المسألة: القوة هي العملة الجديدة للصحة.
في مقالة اليوم، نُسلَط الضوء سويًا على "الثورة" التي أحدثتها "القوة والكتلة العضلية" في مجال اللياقة البدنية، وكيف أنهما ستحددان ملامح العقد القادم من الصحة والعافية؛ وذلك من خلال لقاءٍ جمعنا ب سارة ليندسي، بطلة أولمبية سابقة ومؤسسة صالة Roar للألعاب الرياضية في دبي.

في البداية؛ دعينا نتعرف سويًا على الفرق بين "كتلة العضلات" و"الكتلة العضلية" والذي يخطئ فيه كثيرون؛ ثم نتطرق إلى أهمية قوة الجسم اليوم.
كتلة العضلات والقوة العضلية: ما الفرق بينهما؟
ينطوي تدريب المقاومة، المعروف أيضًا باسم تدريب القوة، على قراراتٍ تتجاوز مجرد جلسة تمرين بسيطة؛ فالأمر يتعلق بفهم أهدافكِ وتكييف تدريبكِ وفقًا لذلك. ولتحقيق هدف اللياقة البدنية الخاص بكِ، من المهم أن تفهمي الفرق بين التضخيم والقوة.
تدريب التضخيم هو التذكرة إلى اللياقة البدنية المنحوتة. إذا كنتِ ترغبين بالحصول على عضلاتٍ محددة بشكلٍ جيد ولياقة بدنية تلفت الأنظار، فزيادة حجم العضلات هو خياركِ. يتضمن تدريب التضخيم أحمالاً معتدلة مع تكرارٍ متوسط إلى مرتفع؛ لكن النقطة الأكثر أهمية هي تحسين وقت الشد، أي مدة الشد في العضلات أثناء أداء التكرارات. ويمكن أن يتأثر الوقت تحت الشد بكلَ من الحمل (الوزن)، والحجم (عدد المجموعات والتكرارات التي يتم إجراؤها).
من ناحية أخرى، لدينا تدريب القوة: البحث عن أقصى توتر عضلي لمقاومة خارجية. إذا كان هدفكِ هو رفع أوزانٍ ثقيلة والتغلب على التحديات البدنية، ركّزي على القوة. يتضمن ذلك تكرارٌ أقل مع أحمال زائدة أثقل، تحسين التنسيق العصبي العضلي، وتجنيد أكبر عددٍ ممكن من الوحدات الحركية. تدريب القوة ليس فقط لرافعي الأثقال، بل لكل من يريد أن يشعر بأنه أقوى وأكثر قدرة على ممارسة أنشطته اليومية.
إذن؛ وبينما يعمل التضخّم على زيادة حجم العضلات، تعمل تمارين القوة على زيادة القوة البدنية وصلابة العضلات. يعمل التضخيم على تحسين المظهرالجمالي ونحت بنيةٍ جسدية ملفتة للنظر؛ فيما تُركَز تمارين القوة على تقوية الجسم وتحسين قدراته الوظيفية.
قوة الجسم: لماذا هي مهمة؟
تتمحورُ أهمية الاعتناء بقوة الجسم اليوم وتحقيقها، حول مسائل حياتية نجدُ معظمنا أنفسنا عالقين فيها دون أن ندري.
فتعزيز قوة الجسم يُساعد على مقاومة نمط الحياة الحديث، كوننا نعيش في زمن ساعات الجلوس الطويلة؛ الضغط النفسي المرتفع، النوم غير المنتظم والاستخدام المكثف للتكنولوجيا. هذه العوامل تُضعف العضلات، ترفع الالتهابات، وتؤثر على الظهر والرقبة؛ لذا فقوة الجسم تعمل بمثابة درعٍ يحميكِ من آثار هذا النمط.

القوة والكتلة العضلية
تقول ليندسي: "بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل مع الرياضيين الأولمبيين، قادة الأعمال، والأشخاص العاديين؛ أصبحتُ أكثر اقتناعاً بأن العقد المقبل من الصحة والعافية لن يُعرّف بخسارة الوزن، بل بالقوة وصحة العضلات."
وتضيف: "العضلات تؤثر في معظم جوانب التقدم في العمر بصحة جيدة، بدءاً من عملية الأيض وحساسية الإنسولين، وصولاً إلى الحركة، كثافة العظام، والوقاية من الإصابات. والأهم من ذلك أنها تمنحنا القدرة على العيش باستقلالية والاستمتاع بالحياة لفترة أطول. لذا، ينبغي النظر إلى القوة ليس باعتبارها مجرد هدفٍ رياضي، بل كواحد من أفضل الاستثمارات طويلة الأمد التي يمكن أن نقدمها لصحتنا."
تدعم الأبحاث العلمية بشكلٍ متزايد، ما لاحظهُ المدربون ذوو الخبرة منذ سنوات. فالكتلة العضلية تُعدَ من أقوى المؤشرات على التقدم في العمر بصحة جيدة، في حين أن الوزن وحدهُ لا يكشف إلا القليل عن الحالة الصحية. فقد يتساوى شخصان تماماً في الوزن، بينما يختلفان كلياً في تركيب الجسم ومستوى الأداء البدني. ولهذا السبب، بدأت صناعة اللياقة تبتعد عن التركيز على خفض الأرقام على الميزان، وتتجه بدلاً من ذلك إلى بناء العضلات الخالية من الدهون، تحسين جودة الحركة، وتعزيز القدرات البدنية. فهذه هي العوامل التي تُحدد، ليس فقط شكل أجسامنا، بل أيضاً قدرتنا على الحركة، التعافي، والأداء طوال مراحل الحياة.
وقد أسهم الإنتشار السريع لأدوية جي أل بي 1 (GLP1) في تسريع هذا التحول. فهذه العلاجات ساعدت كثيراً من الأشخاص على تحسين صحتهم الأيضية والسيطرة على السُمنة، لكنها كشفت أيضاً أن فقدان الوزن السريع غالباً ما يُصاحبه فقدان جزءٍ مهم من الكتلة العضلية. ومن دون الحصول على كمية كافية من البروتين وممارسة تمارين المقاومة، قد يفقد الإنسان أحد أهم عوامل الحماية لصحةٍ طويلة الأمد. ونتيجة لذلك، أصبح الحوار أكثر توازناً؛ فبدلاً من السؤال عن مقدار الوزن الذي فقدهُ الشخص، أصبحنا نسألُ بشكلٍ متزايد عن مقدار الكتلة العضلية التي حافظ عليها، تؤكد ليندسي.
ينبغي أن يبدأ بناء العضلات في مرحلةٍ أبكر بكثير مما يعتقد معظم الناس. فالإنسان يبدأُ طبيعياً بفقدان الكتلة العضلية منذ الثلاثينيات من عمره، ما لم يعمل جديًا للحفاظ عليها من خلال تمارين المقاومة. وكلما بدأنا في بناء القوة والحفاظ عليها مبكراً، كلما كنا أكثر استعداداً للحفاظ على صحتنا في المستقبل.

مع ذلك، لا تزال بعض المفاهيم الخاطئة تمنع الكثيرات من رفع الأوزان؛ فهناك من تخشى من اكتساب حجمٍ عضلي كبير (التضخيم الذي تحدثنا عنه آنفًا)، وآخريات يعتقدنَ أن تمارين القوة مُخصصة فقط للشباب أو لمرتادي الصالات الرياضية ذوي الخبرة. والحقيقة أنها قابلة للتكيَف مع جميع الأعمار وللجنسين على حد سواء، كما تُعدَ من أكثر الوسائل أماناً وفعالية لتحسين الصحة بشكل عام بحسب ليندسي.
تمارين القوة: لماذا هي مهمة للنساء؟
تحظى النساء اليوم، بفرصةٍ كبيرة للاستفادة من تمارين القوة، على وجه الخصوص. فالتغيَرات الهرمونية خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث وانقطاع الطمث تؤدي إلى تسارع فقدان الكتلة العضلية وكثافة العظام، مما يجعل تمارين المقاومة أكثر أهمية. ومع ذلك، تبقى المبادئ الأساسية واحدة للجميع: زيادة الحمل التدريجي، تناول كمية كافية من البروتين، الحصول على نومٍ جيد، والالتزام بالتدريب المنتظم. أما ما يختلف فهو الأهداف الفردية والمراحل العمرية، وليس أهمية بناء القوة.
في الختام؛ ستُواصل التكنولوجيا رسم ملامح مستقبل اللياقة البدنية، من خلال الأجهزة القابلة للارتداء، تحليل تركيب الجسم، وأساليب التدريب الأكثر تخصيصاً.
"فالبيانات تمنحنا رؤى قيّمة، لكن المدربين ذوي الخبرة هم من يُحوَلون هذه المعلومات إلى خطواتٍ عملية ذات معنى. ومع استمرار تطور القطاع، أعتقد أننا سنبتعدُ أكثر عن السعي وراء المظهر الخارجي، ونتجهُ نحو بناء أجسام أقوى، أكثر صحة، وأشد قدرة على التكيَف. وإذا كان لا بد من تلخيص العقد المقبل من الصحة والعافية في فكرةٍ واحدة، فهي: توقفي عن التركيز على أن يصبح وزنكِ أقل، وابدأي بالتركيز على أن تصبحي أقوى، لأن القوة تُعدَ من أهم المؤشرات على جودة الحياة التي سنعيشها في السنوات المقبلة"، سارة ليندسي.