صحة المرأة في دول مجلس التعاون الخليجي

منها السُمنة وداء السكري: 3 تحديات تواجه صحة المرأة في دول مجلس التعاون الخليجي

نهضة المرأة في دول مجلس التعاون الخليجي اليوم هي واحدةٌ من أسرع التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة، مدفوعةً برؤى وطنية طموحة، إصلاحات تشريعية، وتغيّر ثقافي واضح بين الأجيال. وقد باتت المرأة الخليجية اليوم فاعلاً مركزياً في التعليم، الاقتصاد، ريادة الأعمال، والإدارة العليا، رغم استمرار بعض التحديات البنيوية.

بموازاة ذلك؛ فإن الاهتمام بصحة المرأة في دول مجلس التعاون الخليجي يشهدَ اليوم تحولاً واضحاً نحو نموذج أكثر شمولاً، يجمع بين الوقاية، الرعاية المتخصصة، وتمكين المرأة في القطاع الصحي نفسه. وأصبحت دول الخليج تُقدّم منظومات صحية متقدمة للمرأة، مع انخفاض كبير في وفيات الأمهات، توسّع خدمات الصحة الإنجابية، وصعود المرأة كعنصر رئيسي في القوى العاملة الصحية.

ومع ذلك، ورغم هذه التطورات؛ لا تزال هناك فجواتٌ كبيرة. إذ يُركَز جزءٌ كبير من نظام الرعاية الصحية على الصحة الإنجابية، بينما تحظى الأمراض المُزمنة التي تؤثر بشكلٍ غير متناسب على النساء باهتمامٍ أقل. ومن بين التحديات الأكثر إلحاحاً السُمنة، داء السكري من النوع الثاني، ونقص فيتامين د المنتشر على نطاق واسع، وهي ثلاث حالاتٍ مترابطة تُساهم بشكلٍ كبير في تدهور الحالة الصحية للنساء في جميع أنحاء المنطقة.

نتعرف من الدكتورة كارول كوجلان، طبيبة نساء وتوليد في مركز Almond Blossom للخصوبة والصحة في دبي، وبشكلٍ أكثر تفصيلًا، على هذه التحديات الثلاث التي ما زالت تؤثر بشدة على صحة المرأة في دول الخليج، وكيفية التعاطي معها بصورة فعالة.

الدكتورة كارول كوجلان طبيبة نساء وتوليد في مركز Almond Blossom للخصوبة والصحة في دبي
الدكتورة كارول كوجلان طبيبة نساء وتوليد في مركز Almond Blossom للخصوبة والصحة في دبي

صحة المرأة في دول مجلس التعاون الخليجي

في البداية؛ لا بدَ من الإشارة إلى أن جهود الحكومات والمؤسسات الطبية على اختلاف تخصصاتها، في منطقة الخليج، تشهدُ المزيد من الوعي نحو سياساتٍ أكثر نجاعة لحلَ المشكلات والتحديات الصحية التي تواجه المرأة في هذه المنطقة، بهدف علاجها وتفاديها قدر الإمكان.

وبالعودة إلى صحة المرأة في دول مجلس التعاون الخليجي والتحديات التي تواجهها؛ فإن تتمثل في النقاط الثلاث الآتية:

  1. السُمنة: تحدٍ متزايد للصحة العامة

تُعدَ دول مجلس التعاون الخليجي من بين الدول التي تسجل أعلى معدلات السُمنة في العالم، لا سيما بين النساء. وقد ساهم التوسع الحضري السريع، أنماط الحياة الخاملة، الاعتماد المتزايد على السيارات، المناخ الحار الذي يحد من النشاط في الهواء الطلق، والتوافر الواسع للأطعمة المُصنعة الغنية بالسعرات الحرارية، في ارتفاع معدلات السُمنة.

بالنسبة للنساء، ترتبط السُمنة بالعديد من المضاعفات الصحية؛ بما في ذلك العقم، متلازمة تكيَس المبايض، مضاعفات الحمل، أمراض القلب والأوعية الدموية، هشاشة العظام، والعديد من أنواع السرطان. كما أنه يزيد بشكلٍ ملحوظ من خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني.

وعلى الرغم من أن حملات الصحة العامة تُشجع بصورة متزايدة على أنماط الحياة الصحية، إلا أن العديد من النساء ما زلنَ يواجهنَ عوائق تحول دون ممارسة النشاط البدني بانتظام، بما في ذلك المسؤوليات العائلية الكبيرة، التوقعات الثقافية، ضيق الوقت، والعوامل البيئية. لذا تتطلب التدخلات الفعالة ليس فقط تغيير السلوك الفردي، بل أيضًا سياسات عامة داعمة؛ تُشجع على الحياة النشطة، توفير بيئات غذائية صحية، وتعزيز الصحة في مكان العمل.

  1. داء السكري من النوع الثاني: وباء صامت

يرتبط داء السكري من النوع الثاني ارتباطًا وثيقًا بالسُمنة، حيث ينتشر بشكلٍ استثنائي في دول مجلس التعاون الخليجي. وتُصنَف العديد من دول الخليج باستمرار ضمن الدول ذات أعلى معدلات انتشار لداء السكري على مستوى العالم.

تعاني النساء من عواقب فريدة لداء السكري طوال حياتهنَ. ويُعدَ سكري الحمل شائعًا بشكلٍ خاص في المنطقة، ليزيد كثيرًا من خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني مدى الحياة لكل من الأم والطفل. كما أن عدم السيطرة على داء السكري أثناء الحمل، يزيد من خطر حدوث مضاعفات سلبية للأم والوليد.

السُمنة وداء السكري من التحديات الصحية التي تعانيها نساء دول مجلس التعاون الخليجي
السُمنة وداء السكري من التحديات الصحية التي تعانيها نساء دول مجلس التعاون الخليجي

بعد الحمل، يُساهم داء السكري في الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، أمراض الكلى المُزمنة، ضعف البصر، وتدني جودة الحياة. ونظرًا لأن النساء غالبًا ما يُمثلنَ مُقدمات الرعاية الأساسيات داخل الأسر، فقد تترتب على الأمراض المزمنة عواقب اجتماعية واقتصادية أوسع نطاقًا تتجاوز المريضة الفردية.

لهذا؛ يلزم التركيز بشكلٍ أكبر على الوقاية، الكشف المبكر، المتابعة بعد الولادة في حالات سكري الحمل، والتدخلات المتعلقة بنمط الحياة والمناسبة ثقافيًا، وذلك للحد من العبء طويل الأمد للأمراض.

  1. نقص فيتامين د: النقص الخفي

على الرغم من سطوع الشمس على مدار العام في دول مجلس التعاون الخليجي، لا يزال نقص فيتامين د شائعًا بشكلٍ ملحوظ في جميع أنحاء دول المجلس، وخاصةً بين النساء.

وتساهم عدة عوامل في هذه المفارقة، بما في ذلك قلة التعرض لأشعة الشمس بسبب الحرارة الشديدة، أنماط الحياة التي تقضي معظم الوقت في الأماكن المغلقة، تجنَب التعرض لأشعة الشمس، ارتداء ملابس تُقلَل من تعرض الجلد للشمس، لون البشرة الداكن، وانخفاض تناول الأطعمة الغنية بفيتامين د.

لطالما ارتبط نقص فيتامين د بضعف صحة العظام، هشاشة العظام، والكسور. ومع ذلك، تُشير أدلة حديثة أيضًا إلى وجود صلة بين انخفاض مستويات فيتامين د وضعف قوة العضلات، مضاعفات الحمل، اضطرابات الجهاز المناعي، واحتمالية زيادة مخاطر الإصابة بأمراض التمثيل الغذائي، على الرغم من أن قوة هذه الروابط لا تزال قيد البحث.

نقص فيتامين د يمكن أن يزيد من هشاشة العظام والكسور
نقص فيتامين د يمكن أن يزيد من هشاشة العظام والكسور

من هنا؛ يُعدّ الفحص الروتيني للنساء المُعرضات للخطر، التوعية العامة، استراتيجيات تدعيم الأغذية، والمكملات الغذائية المناسبة، من أهم تدابير الصحة العامة لتجنب هذه المشكلة.

نظرة أوسع من الصحة النسائية التقليدية

تتجاوز صحة المرأة نطاق الحمل والرعاية الإنجابية. فالأمراض المُزمنة تُشكّل الآن نسبة كبيرة من الأمراض والإعاقات بين النساء في دول مجلس التعاون الخليجي؛ ومع ذلك، لا تزال الخدمات الوقائية، مبادرات تعزيز الصحة، وحملات التوعية العامة غير مترابطة.

لذا؛ ثمة حاجة ملحة إلى نهجٍ شامل لدورة الحياة، يُعنى بالصحة قبل الحمل، خلال سنوات الإنجاب، خلال سن اليأس، وحتى الشيخوخة. إن دمج التغذية، النشاط البدني، الوقاية من الأمراض المزمنة، تعزيز الصحة النفسية، والفحص الدوري في الرعاية الصحية الأولية من شأنه أن يُساعد في معالجة العديد من التحديات الصحية الراهنة.

في الخلاصة؛ تُمثّل السمنة، داء السكري، ونقص فيتامين د، ثلاثة من أهم التحديات الصحية المترابطة التي تُواجه النساء في دول مجلس التعاون الخليجي. وتتطلب معالجة هذه الحالات تحولاً من العلاج التفاعلي إلى الوقاية الاستباقية من خلال التوعية، التدخل المبكر، والسياسات التي تُشجع أنماط الحياة الصحية.

ومع استمرار دول الخليج في الاستثمار لتحويل الرعاية الصحية، في إطار استراتيجيات الرؤية الوطنية، ستكون أولوية صحة المرأة على المدى الطويل - وليس فقط صحة الأم - أمرًا بالغ الأهمية. ويُتيح سدَ هذه الفجوات فرصةً ذهبية لتحسين جودة الحياة، خفض تكاليف الرعاية الصحية، وبناء مجتمعاتٍ أكثر صحة للأجيال القادمة.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".