ما هو الفيريتين؟ ولماذا يُعد مهمًا لصحة المرأة؟

لتجنَب نقص الحديد وفقر الدم: تعرفي معنا ما هو الفيريتين، ولماذا يُعد مهمًا لصحة المرأة؟

إذا ما أردنا استعراض أكثر المشكلات الصحية التي تواجه المرأة، سنجد أن نقص الحديد أو فقر الدم يأتي في مقدمها. فنقص الحديد عند النساء هو واحدٌ من أكثر الاضطرابات الغذائية شيوعًا عالميًا، ويؤثر على النساء بشكلٍ أكبر بسبب طبيعة الجسم الأنثوي ودورات الحياة المختلفة.

تُظهر البيانات العالمية أن فقر الدم (غالبًا بسبب نقص الحديد)، لا يزال من أكثر المشكلات الصحية انتشارًا بين النساء، خصوصًا في سن الإنجاب. وعالميًا، تُقدَّر النسبة بحوالي 30% من النساء بين 15–49 عامًا، مع نسبٍ أعلى في إفريقيا وجنوب آسيا؛ فيما تتراوح النسبة في المنطقة العربية بين 25% و45% بحسب الدولة (دول الخليج عادةً أقل من المتوسط العالمي، بينما دول شمال إفريقيا، اليمن والسودان أعلى.) وتعكس هذه الأرقام عبئًا صحيًا كبيرًا يؤثر على الطاقة، الحمل، الإنتاجية، وصحة الأجيال القادمة.

الإجابة على السؤال المعهود: لماذا النساء أكثر عرضةً لنقص الحديد؟ تتمثل في النقاط الآتية:

1.     الحيض: ففقدان الدم الشهري الناتج عن نزول الدورة الشهرية أو الحيض، هو السبب الأكثر شيوعًا، خاصةً عند وجود نزيفٍ غزير عند بعض النساء (أكثر من 80 مل في الدورة).

2.     الحمل: إذ يزداد احتياج الجسم، خلال هذه الفترة، للحديد؛ لدعم نمو الجنين وزيادة حجم الدم.

3.     الولادة وفترة ما بعد الولادة: ففقدان الدم أثناء الولادة والرضاعة يزيدان من استنزاف مخزون الحديد.

4.     النظام الغذائي: النساء اللاتي لا يتناولنَ اللحوم أو يعتمدنَ على مصادر نباتية فقط، قد يحصلنَ على كمية أقل من الحديد القابل للامتصاص.

الدكتورة سندس أحمد استشاري الطب الباطني في مدينة الشيخ شخبوط الطبية أبوظبي
الدكتورة سندس أحمد استشاري الطب الباطني في مدينة الشيخ شخبوط الطبية أبوظبي

نقص الحديد دون فقر دم قد يكون خفيًا، لكن تظهر بعض الأعراض عند النساء مثل:

•       الإرهاق المستمر

•       تساقط الشعر

•       هشاشة الأظافر

•       ضبابية التفكير

•       متلازمة تململ الساقين.

في حين أن فقر الدم الناتج عن نقص الحديد قد يتسبب بأعراضٍ أشدة حدة، منها:

•       شحوب البشرة

•       خفقان القلب أو تسارع نبضه

•       ضيق التنفس

•       دوخة وصداع

•       برودة اليدين والقدمين.

لتجنب نقص الحديد، لا بدَ من ضمان الحفاظ على مخزونه الطبيعي في الجس، وهناك عنصرٌ واحد مهم يضمن هذه العملية. يُسمى الفيريتين، والذي نتعرف عليه في مقالة اليوم مع الدكتورة سندس أحمد، استشاري الطب الباطني في مدينة الشيخ شخبوط الطبية أبوظبي، وعلى أهميته القصوى لصحة المرأة.

فإذا كنتِ عزيزتي ممن يعانينَ من نقص الحديد المستمر، وتتخوفين من الإصابة بفقر الدم وتداعياته على صحتكِ؛ ننصحكِ بقراءة هذه المقالة التي تقدم لكِ شرحًا وافيًا عن الفيريتين وكيفية الحفاظ على نسبته الجيدة في الجسم.

ما هو الفيريتين؟ ولماذا يُعد مهمًا لصحة المرأة؟

في البداية؛ لا بدَ من التأكيد على أن الحديد ليس مجرد عنصر غذائي، بل يُعدَ وقودًا أساسيًا يمنح الجسم الطاقة ويضمن أداء أعضائه بكفاءة. أما الفيريتين (Ferritin) فهو بروتين الدم الذي يحتوي على الحديد؛ أو بعبارة أدق، هو البروتين المسؤول عن تخزين الحديد داخل الجسم، ويُعتبر أفضل مؤشرٍ لمعرفة احتياطي الحديد الحقيقي، حتى قبل ظهور فقر الدم.

قد يكون مستوى الهيموجلوبين لديكِ طبيعياً، في حين يكون مخزون الحديد منخفضاً؛ وهنا تبدأ أعراضٌ قد تبدو غير مُفسَرة تظهر لديكِ، مثل الإرهاق المستمر، ضعف التركيز، تساقط الشعر، الصداع، ضيق التنفس مع المجهود، وأحياناً خفقان القلب. لذلك فإن تقييم الفيريتين يساعدُ على اكتشاف نقص الحديد في مراحله المبكرة قبل أن يتطور إلى فقر الدم.

الإرهاق المستمر وشحوب البشرة من أبرز أعراض نقص الحديد
الإرهاق المستمر وشحوب البشرة من أبرز أعراض نقص الحديد

الفيريتين هو بروتين موجود في الكبد، الطحال، ونخاع العظم؛ وظيفته تخزين الحديد وإطلاقهُ عند الحاجة. عندما ينخفض مستوى الفيريتين، فهذا يعني أن الجسم لا يمتلكُ احتياطيًا كافيًا من الحديد لدعم إنتاج الهيموغلوبين أو الوظائف الحيوية الأخرى. كذلك فانخفاض الفيريتين يعني أن مخازن الحديد فارغة أو في طريقها للنفاد، حتى لو كان مستوى الهيموغلوبين طبيعيًا. لذلك يُعد الفيريتين المفتاح الأساسي في تشخيص نقص الحديد لدى النساء.

علاقة الفيريتين بنقص الحديد

•       المرحلة الأولى من نقص الحديد: انخفاض الفيريتين فقط

في هذه المرحلة، تكون مستويات الهيموغلوبين طبيعية؛ وتظهر لدى النساء أعراضٌ خفيفة مثل الإرهاق، تساقط الشعر، ضعف التركيز، تململ الساقين. وتُسمى هذه المرحلة "نقص الحديد دون فقر دم”.

•       المرحلة الثانية: انخفاض الفيريتين + انخفاض الهيموغلوبين

وهنا يتحول نقص الحديد إلى فقر دم بنقص الحديد؛ وتظهر أعراضٌ أشد مثل الخفقان، ضيق التنفس، الدوخة، وشحوب البشرة. لذلك، فإن الفيريتين هو المؤشر المبكر الذي يكشف المشكلة قبل أن تتطور إلى فقر دم.

ما هي القيم التي تشير إلى نقص الحديد؟

هي قيمٌ عامة تُستخدم في المراجع الطبية، وليست توصيات شخصية:

•       أقل من 30 ng/mL لدى النساء: يشير غالبًا إلى نقص الحديد.

•       أقل من 15 ng/mL: نقص شديد في مخزون الحديد.

•       أقل من 100 ng/mL مع وجود التهاب أو مرض مزمن: قد يشير أيضًا إلى نقص الحديد لأن الفيريتين يرتفع في الالتهابات.

يرتفع الفيريتين في حالات الالتهاب، السُمنة، وأمراض الكبد؛ لذلك يجب تفسيره مع فحوصات أخرى مثل CRP وتشبَع الترانسفيرين. وتكتسبُ هذه الفحوصات أهميةً خاصة لدى النساء، لأن احتياجاتهنَ للحديد تختلف باختلاف مراحل الحياة.

بمعنى آخر؛ لا يعني ارتفاع الفيريتين دائماً وجود زيادة في الحديد. فهو أيضاً من البروتينات التي ترتفع عند وجود التهابات أو أمراض مُزمنة أو بعض أمراض الكبد (كما أسلفنا)، لذلك لا يمكن تفسير النتيجة بمعزلٍ عن التاريخ المرضي، الفحص السريري وبقية التحاليل.

للنظام الغذائي الصحي دورٌ كبير في رفع الحديد والفيريتين في الجسم
للنظام الغذائي الصحي دورٌ كبير في رفع الحديد والفيريتين في الجسم

نعودُ للحديث عن انخفاض مخزون الحديد، ومن أبرز أسبابه:

•       غزارة الدورة الشهرية

•       الحمل والرضاعة، حيثُ تزداد احتياجات الجسم للحديد

•       اتبَاع أنظمة غذائية منخفضة بالحديد أو نباتية دون تعويضٍ مناسب (وهنا يجب التنبه إلى نوعية الطعام والنظام الذي تتبَعين عزيزتي القارئة)

•       بعض أمراض الجهاز الهضمي التي تُقلَل امتصاص الحديد (مرض السيلياك أو الداء البطني، داء كرون وأمراض الأمعاء الالتهابية، عدوى جرثومة المعدة المزمنة، والتهاب القولون التقرحي).

علاج نقص الحديد وانخفاض الفيريتين

يعتمدُ على ثلاثة محاور متكاملة:

1.     تعويض الحديد

2.     علاج السبب الأساسي

3.     تعديل نمط الحياة والغذاء.

لكن من المهم دائمًا استشارة طبيب قبل البدء بأي مكملات، لأن الحديد الزائد قد يُسبَب ضررًا للكبد والجهاز الهضمي. الحديد دواء وليس مُكملاً غذائياً عادياً، وزيادتهُ غير المُبررة قد تكون ضارة تماماً كما أن نقصه مضر؛ لذا يجب أن يكون العلاج مبنياً على نتائج الفحوصات وتحت إشراف الطبيب، مع البحث عن السبب الحقيقي لنقص الحديد وعلاجه، وليس الاكتفاء بتعويض النقص فقط.

وبالعودة إلى العلاجات، فإنها تتضمن:

أولًا: تعويض الحديد (الركيزة الأساسية للعلاج): وتشمل

1.     مكملات الحديد الفموية: الخيار الأكثر شيوعًا، ويعتمد عليها الأطباء في معظم الحالات. تُؤخذ عادةً على معدة فارغة لتحسين الامتصاص، لكن يمكن تناولها مع الطعام لتقليل اضطرابات المعدة. قد تُسبَب إمساكًا أو غثيانًا، لذلك يلجأ بعض الأطباء إلى وصف تناولها يومًا بعد يوم لتخفيف الأعراض.

تحتاج عادةً إلى 8–12 أسبوعًا لرفع الفيريتين، ثم فترة إضافية لبناء المخزون.

2.     الحديد الوريدي  (IV Iron): ويُستخدم عندما يكون الفيريتين منخفضًا جدًا مع أعراضٍ شديدة، أو عندما لا يتحمل الجسم الحديد الفموي، أو في حال وجود مشاكل امتصاص (مثل الداء البطني)، وكذلك عندما يكون النزيف الرحمي غزيرًا ولا يمكن تعويضه بالحبوب.

الحديد الوريدي يرفع الفيريتين بسرعة، ويُعد خيارًا فعالًا وآمنًا عند الحاجة وتحت إشراف طبي. وينبغي التنبيه هنا إلى أن هذه معلومات عامة وليست توصيات شخصية، ويجب استشارة طبيب قبل البدء بأي مُكمل.

ثانيًا: علاج السبب الأساسي لنقص الحديد

تعويض الحديد وحده لا يكفي إذا كان السبب مستمرًا، والأطباء عادةً في هذه الحالة يبحثون عن:

1.     النزيف الرحمي الغزير: أحد أكثر الأسباب شيوعًا لدى النساء.، والذي قد يرتبط بالأورام الليفية، اضطرابات الهرمونات، اللولب النحاسي، وبطانة الرحم المهاجرة.

2.     النزيف الهضمي: مثل القرحة أو التهابات المعدة.

3.     سوء الامتصاص: كداء السيلياك أو التهابات الأمعاء.

4.     الحمل والولادة المتكررة: والتي تستنزف مخزون الحديد بشكلٍ كبير.

علاج السبب يمنع تكرار المشكلة ويُثبَت مستوى الفيريتين على المدى الطويل.

ثالثًا: تعديل النظام الغذائي لرفع الحديد والفيريتين:

•       من خلال التركيز على أطعمة غنية بالحديد الهيمي (الأفضل امتصاصًا)، كاللحوم الحمراء، الكبد، الدجاج والسمك

•       إضافةً إلى أطعمة غنية بالحديد النباتي مثل السبانخ والخضروات الورقية، العدس والفاصوليا، الحمص، والفواكه المجففة

•       تعزيز الامتصاص: من خلال تناول فيتامين C مع الوجبة (ليمون، برتقال، فلفل)

•       الطهي في أواني حديدية يزيد كمية الحديد في الطعام

•       تقليل ما يُعيق الامتصاص: كتناول الشاي والقهوة مباشرةً بعد الطعام، بعض أدوية الحموضة، والكالسيوم عند تناوله مع الحديد.

في النهاية، الاهتمام بمخزون الحديد لا ينعكس فقط على الوقاية من فقر الدم، بل ينعكسُ أيضاً على مستوى الطاقة، صحة الشعر والبشرة، القدرة على التركيز، الأداء البدني، وجودة الحياة بشكلٍ عام. لذا فإن فحص الفيريتين أصبح اليوم جزءاً مهماً من التقييم الصحي، خاصةً للنساء اللاتي يُعانينَ من أعراضٍ مستمرة لا يجدنَ لها تفسيراً واضحاً.

والرسالة الأخيرة: إذا كنتِ تشعرين بإرهاقٍ متكرر أو تعانين من تساقط الشعر أو ضعف التركيز، رغم أن تحليل الدم "طبيعي"؛ فقد يكون السبب انخفاض مخزون الحديد وليس فقر الدم نفسه. وفي هذه الحالة، استشارة الطبيب وإجراء الفحوصات المناسبة قد تكشف المشكلة في وقتٍ مبكر وتُساعد في علاجها بالطرق الصحيحة.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".