لماذا تحتفظ بعض النساء بنحافتهن رغم عدم اتباع أي نظام غذائي؟.. إليكِ التفاصيل
هل تساءلتِ يومًا، وأنتِ تتابعين صديقة أو زميلة تلتهم الطعام من دون حساب، بينما أنتِ تحاسبين نفسكِ على كل لقمة، لماذا تبقى هي رشيقة وأنتِ تكافحين لخسارة كيلو واحد؟!.
الأمر ليس حظًا أعمى، ولا صراعًا خفيًا خلف الأبواب المغلقة. إنه لغز بيولوجي محير، كان العلماء أنفسهم يقفون حياله مذهولين لعقود. لكن في عصرنا الحالي، وبفضل ثورة الجينات وأجهزة قياس الأيض الدقيقة، كُشف الستار عن حقيقة قد تغير نظرتكِ إلى جسدكِ وإلى ذاتكِ إلى الأبد.
من هذا المنطلق، سنتجول سويًا عبر موقع "هي" داخل مختبرات علم الوراثة والأيض، لنفكّك معًا ذلك اللغز الذي حيّر الملايين. سأكشف لكِ عن العبء الجيني الخفي، ولماذا تمتلك بعض النساء مفتاح إيقاف للشهية في حمضهن النووي من خلال (جين MC4R)، وجين النحافة الثوري (ALK) الذي يحرق الدهون أثناء النوم من دون حركة، وأيضًا سرّ الحركات الصغيرة اللاواعية (NEAT) التي تفعل ما لا تفعله ساعات التمارين الشاقة؛ لتتخلصي من عذاب المقارنة، وتلقي بضوء جديد على علاقتكِ بجسدكِ، لأن فهم هذه الآليات ليس مجرد فضول علمي، بل هو مفتاح السلام مع الذات، وفهم أن لكل منا "وزنها الطبيعي" الذي تستحقه؛ بناء على توصيات استشاري السمنة والنحافة الدكتور هادي مجدي من القاهرة.
النحافة.. قصة بيولوجية معقدة لهذه الأسباب

ووفقًا للدكتور هادي مجدي، النحافة ليست معادلة بسيطة للحرمان أو معركة إرادة، بل هي قصة بيولوجية معقدة، ومعركة جينات وكيمياء حيوية، كُتبت تفاصيلها في الشيفرة الوارثية لكل امرأة قبل أن تولد!. وبالتالي احتفاظ بعض النساء بنحافتهن من دون اتباع نظام غذائي، ليس بسبب الحظ أو الإرادة القوية فقط، بل نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والبيولوجية والسلوكية. إليكِ شرح تفصيلي لهذه الأسباب، مدعوم بأحدث الدراسات العلمية؛ وذلك على النحو التالي:
العامل الوراثي.. العبء الجيني الأقل للسمنة
هذا هو العامل الأكثر تأثيرًا. فليس كل الأجسام تتساوى في استعدادها لاكتساب الوزن. أما أحدث الدراسات العلمية حول ذلك، فهي كالتالي:
- قارن باحثون من جامعة كامبريدج في دراسة هي الأكبر من نوعها، بين الحمض النووي (DNA) لأكثر من 1,600 شخص يتمتعون بنحافة صحية، وبين أشخاص يعانون من السمنة المفرطة وآخرين ذوي وزن طبيعي. ووجدوا أن الأشخاص النحيفين لديهم "عبء أقل من الجينات التي تزيد من خطر زيادة الوزن". فهم يمتلكون مجموعة مختلفة من الجينات التي تجعلهم أقل عرضة للإصابة بالسمنة، وليس بالضرورة أنهم يمتلكون "جينات النحافة" بشكل إعجازي.
- تشير الدراسات الحديثة إلى أن الاختلاف في الوزن بين الأشخاص الذين يعيشون في البيئة ذاتها يُعزى إلى حد كبير إلى العوامل الوراثية. إذ وجدت دراسة كامبريدج الرائدة أن قابلية توارث النحافة (أي مدى تأثير الجينات في تحديدها) تبلغ 28.07 %، وهي نسبة قريبة جدًا من قابلية توارث السمنة المفرطة والتي تبلغ 32.33 %، هذا يعني أن النحافة، مثل السمنة، هي صفة تتأثر بشدة بالجينات.
- اكتشف باحثون في كامبريدج أن تغيرات طفيفة في جين MC4R لدى الأشخاص النحيفين تجعل هذا الجين يعمل كمفتاح "إيقاف" للشهية بشكل أكثر فعالية، ما يحد من رغبتهم في تناول الطعام ويمنع زيادة الوزن.
- اكتشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Cell عام 2020 جينًا محددًا يُدعى ALK مرتبطًا بالنحافة. إذ أظهرت التجارب على الفئران أن حذف هذا الجين يجعلها نحيفة ومقاومة للسمنة حتى عند تناولها طعامًا عالياً بالدهون. علمًا أن هذا الجين يعمل في الدماغ لزيادة إنفاق الطاقة عبر تحفيز حرق الدهون.
معدل الأيض المرتفع
بعض النساء النحيفات يحرقن سعرات حرارية أكثر، حتى في حالة الراحة التامة. أما الدليل العلمي على ذلك فهو:
- نُشرت دراسة حديثة في 2026، أظهرت أن النساء المصابات بـ "النحافة الدستورية (Constitutional Thinness) – "، وهي نحافة صحية غير مرتبطة باضطرابات الأكل - لديهن معدل استقلاب أثناء الراحة أعلى بكثير مقارنة بمن يعانين من فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa). المثير للاهتمام أن معدل الأيض لدى هؤلاء النساء النحيفات كان مماثلًا لمعدل الأيض لدى النساء ذوات الوزن الطبيعي، وليس أقل منه. هذا يعني أن أجسامهن تستهلك طاقة مماثلة للشخص العادي، على الرغم من كونهن أنحف حجمًا، ما يتطلب منهن تناول سعرات حرارية أكثر للحفاظ على هذا المعدل المرتفع من الحرق.
- أظهرت دراسة أن الأشخاص ذوي مؤشر كتلة الجسم المنخفض للغاية لديهم معدل أيض أعلى أثناء الراحة مقارنةً بمن هم في الوزن الطبيعي. هذا يعني أن أجسامهم تستهلك طاقة أكبر لعملياتها الحيوية الأساسية مثل (التنفس وضخ الدم) من دون أي مجهود إضافي.
- أثبتت الدراسات الحديثة أن معدل التمثيل الغذائي المرتفع يرتبط بزيادة نشاط هرمونات الغدة الدرقية، ما يُسرع من حرق السعرات.
النشاط اليومي التلقائي (NEAT)
قد يكون السر في الحركات اليومية الصغيرة التي تقوم بها أي امرأة من دون أن تدرك ذلك. علمًا أن NEATهو اختصار لـ (Non-Exercise Activity Thermogenesis) أي النشاط الحراري اللاتمريني، والذي يشمل كل الطاقة التي نحرقها خلال أنشطتنا اليومية غير الرياضية سواءً (الوقوف، المشي، صعود السلالم، التحدث، وحتى التململ "كحركة الأرجل"). أما الدراسات الحديثة حول ذلك فهي:
- تُشير الدراسات إلى أن الأشخاص النحيفين يتحركون ويمشون ويتململون بشكل ملحوظ أكثر خلال اليوم، ما يؤدي ذلك إلى حرق ما يصل إلى 350 سعرة حرارية إضافية مقارنةً بالأشخاص الذين يعانون من السمنة. هذا الفرق اليومي يمكن أن يكون كافيًا للحفاظ على النحافة من دون حاجة إلى نظام غذائي صارم.
- نُشرت دراسة أساسية في مجلة Science عام 1999، وما زالت مرجعًا رئيسيًا حتى الآن، وجدت أن التغيرات في NEAT كانت مسؤولة عن فروقات تصل إلى 10 أضعاف في تخزين الدهون لدى الأشخاص الذين تناولوا سعرات حرارية زائدة. بعبارة أخرى، الأشخاص الذين زاد نشاطهم التلقائي عند الإفراط في الأكل، كانوا أكثر مقاومة لاكتساب الدهون.
- وجدت دراسة أخرى أن الأشخاص النحيفين يقفون أو يمشون أكثر من ساعتين إضافيتين يوميًا مقارنة بالأشخاص البدينين، حتى وإن كانت وظائفهم متشابهة وتتطلب الجلوس.
تنظيم الشهية والإشارات الداخلية
لا يتعلق الأمر فقط بما نأكله، بل بكيفية استجابة أجسادنا للطعام من خلال مسار اللبتين-الميلانوكورتين (هذا مسار هرموني حيوي في الدماغ يتحكم في الشهية والوزن). علمًا أن الدراسات الحديثة أظهرت أن أي خلل جيني في مكونات هذا المسار يمكن أن يسبب سمنة مفرطة منذ الطفولة. على النقيض، قد يكون هذا المسار أكثر كفاءة في تنظيم الشهية لدى الأشخاص النحيفين. والجدير بالذكر، أن هرمون اللبتين يُعرف أيضًا بهرمون الشبع الذي يفرز من الخلايا الدهنية ويرسل إشارات للدماغ لتقليل الرغبة في الطعام وزيادة إنفاق الطاقة، والنحافة قد ترتبط بحساسية أعلى لهذا الهرمون أو بمستوياته المناسبة التي تجعل الدماغ يستجيب لإشارات الشبع بكفاءة. بالإضافة إلى ذلك، وجد في دراسة كامبريدج السالفة الذكر، أن ما يقرب من ثلثي الأشخاص النحيفين لديهم استعداد وراثي يجعلهم أقل اهتمامًا بالطعام بشكل عام.
النحافة الدستورية (Constitutional Thinness) نموذج خاص
هذه حالة محددة تمثل نموذجًا لفهم النحافة الطبيعية. وهي حالة من انخفاض الوزن المستمر في غياب أي اضطرابات في الأكل أو أمراض واضحة. إذ تختلف وراثيًا عن فقدان الشهية العصبي (الجينات المرتبطة بالنحافة الدستورية ترتبط سلبًا بالاضطرابات النفسية، ما يعني أنها حالة مختلفة جذريًا عن فقدان الشهية العصبي). علمًا أن الدراسات الحديثة أظهرت أن اتباع نظام غذائي عالي السعرات الحرارية غالبًا ما يكون غير فعّال في زيادة وزن هؤلاء الأشخاص، لأن أجسامهم تستجيب بزيادة إنفاق الطاقة كآلية تكيفية للحفاظ على النحافة.
عوامل أخرى.. النوم والتوتر
قد تكون المرأة النحيفة من دون قصد، تتبع عادات صحية تدعم وزنها، لكن النوم والتوتر قد يؤثران من خلال الدلائل العلمية التالية:
- تزيد قلة النوم من هرمونات الجوع مثل (الجريلين) وتُقلل من هرمونات الشبع مثل (الليبتين)؛ والتالي فالنوم الكافي والجيد يساعد في الحفاظ على توازن هذه الهرمونات.
- يرفع التوتر المزمن من هرمون الكورتيزول الذي قد يؤدي إلى تخزين الدهون وزيادة الرغبة في تناول الأطعمة غير الصحية.
على الهامش.. نصائح مهمة بعيدة عن مقارنة نحافة الآخريات بنفسك

- من المهم جدًا أن تفهمي أن النحافة ليست مقياسًا للصحة أو الإرادة الأخلاقية (النحافة التي تحافظ عليها صديقتكِ قد تكون نتيجة لعوامل وراثية لا تستطيعين تغييرها. لذا، قارني نفسك بنفسك فقط).
- ركزي على صحتكِ، وليس على الميزان (النحافة لا تعني بالضرورة الصحة). فقد تعاني امرأة نحيفة من ارتفاع الكوليسترول أو السكري إذا كان نظامها الغذائي غير صحي.
- عززي عاداتكِ الصحية بدلًا من حرمان نفسك، وركزي على زيادة حركتك اليومية (NEAT) "استخدمي الدرج بدل المصعد، قفي أثناء التحدث على الهاتف، تململي قليلًا"، هذه الحركات الصغيرة تتراكم وتحدث فرقًا.
- اجعلي النوم أولوية، فله تأثير مباشر على هرمونات الجوع.
- تناولي الطعام ببطء واستمعي إلى إشارات الشبع الطبيعية لجسمك.
- مارّسي التمارين، خصوصًا مقاومة الأثقال، لتحسين تكوين جسدكِ (العضلات مقابل الدهون) وتعزيز صحتكِ الأيضية، بغض النظر عن الرقم على الميزان.
- إذا كنتِ تعانين من صعوبة في التحكم بوزنكِ، فاستشيري اختصاصي تغذية لوضع خطة تناسب جيناتكِ وأسلوب حياتكِ، بدلًا من اتباع حميات قاسية غير مستدامة.
وأخيرًا، ركّزي على نمط حياة صحي يشمل تغذية متوازنة ونشاطًا بدنيًا، فهذا هو الأساس للصحة الجسدية والنفسية بغض النظر عن الرقم على الميزان، أومقارنة نفسكِ بنحافة الآخريات النابعة من جيناتهن الوراثية قبل أن يولّدن.