مشاكل صحية يكشفها الأطباء عند المرضى خلال زيارتهم الأولى

أكثر المشاكل الصحية التي يكتشفها الأطباء عند المرضى.. خلال زيارتهم الأولى

يمكننا جميعًا أن نتفق، على أن الحياة تغيرت بشكلٍ هائل خلال السنوات الخمسين الماضية. فنحنُ اليوم نعيش بوتيرةٍ لم يسبق لها مثيل؛ والتغيَرات التي كانت تستغرق قرونًا لتحصل، أصبحت في الوقت الراهن تحدثُ أمام أعيننا وبشكلٍ مباشر، مع استمرار التكنولوجيا والاتصال الرقمي في إعادة تشكيل طريقة حياتنا بصورة جذرية. كما أن الضغوط الاقتصادية، تراجع الروابط المجتمعية، اختفاء فترات الراحة الطبيعية، تغيَر العادات الغذائية، وحتى انخفاض مستوى النشاط البدني في حياتنا اليومية، كلها عوامل تؤثر في شعورنا الحقيقي بالصحة والعافية.

لقد تغيَرت البيئة التي نعيشُ فيها، وأصبح من الصعب على أجسامنا مواكبة هذه التغيَرات. وفي كثيرٍ من الأحيان، تكون حلول مشكلاتنا الصحية معروفة بالفعل. تخيَلي معي عزيزتي، أن جسمكِ كوكبًا، وأن خلاياكِ الحية والبكتيريا النافعة هي سكان هذا الكوكب؛ ولكلَ منها دورٌ مختلف يُساهم في الحفاظ على توازن المجتمع. والآن تخيَلي مدى صعوبة أن يعيش هذا النظام البيئي في انسجامٍ تام، بينما تستمرُ الرمال في التحرك من تحته دون توقف.

هذا ما يحدثُ بالفعل داخل أجسامنا، التي قليلًا ما نكشفُ مشكلاتها الصحية الكامنة، إلا عند زيارة الطبيب. لتكون المفاجأة سيدة الموقف، ولتنقلب حياتنا رأسًا على عقب، لنخوض معركةً من عدم اليقين والقلق، كانت قبل فترةٍ، غير موجودة حتى في مخيلتنا.

لهذا السبب، يُركَز جيمي ريتشاردز، رئيس قسم العافية في ڤاليو هيلث، وأخصائي علم المناعة العصبية النفسية السريري دائمًا على المشاكل الصحية البسيطة والأساسية التي يتم اكتشافها باستمرار لدى المرضى خلال زيارتهم الأولى للعيادة أو المستشفى.

جيمي ريتشاردز رئيس قسم العافية في ڤاليو هيلث
جيمي ريتشاردز رئيس قسم العافية في ڤاليو هيلث

فما هي هذه المشاكل، وكيف السبيل لكشفها في مرحلةٍ مبكرة، وكيف نعالجها؟ أسئلةٌ عدة يجيب عليها ريتشاردز في مقالة اليوم.

مشاكل صحية يكشفها الأطباء عند المرضى خلال زيارتهم الأولى

1.     ارتفاع ضغط الدم – الحالة التي نادرًا ما تشعرين بها حتى تصبح خطيرة

أصبح قياس ضغط الدم أقل شيوعًا مما ينبغي، حتى أثناء الفحوصات الطبية الروتينية. ولا ينبغي أبدًا أن يكون أمرًا ثانويًا.

فالدم مسؤولٌ عن نقل الأكسجين والطاقة إلى جميع أنحاء الجسم؛ وعندما تنخفضُ كمية الأكسجين المتاحة، يرتفع ضغط الدم، وهذا في حد ذاته استجابةٌ طبيعية. فالجهاز الدوري يعملُ وفقًا لمبدأ العرض والطلب، ولذلك يجب أن يكون مرنًا وقادرًا على التكيَف.

لكننا نشهدُ اليوم ازديادًا في حالات ارتفاع ضغط الدم المزمن، والذي غالبًا ما تكون علاماته خفية للغاية. فكثيرٌ من الأشخاص يشعرون بأنهم بخير، رغم أن ضغط دمهم مرتفع بشكلٍ ملحوظ، بينما تظهر لدى آخرين أعراضٌ تتطور تدريجيًا إلى درجة أنهم يعتادون عليها. فيصبح الصداع أمرًا طبيعيًا، يُعزى ضيق التنفس إلى ضعف اللياقة البدنية، يُفسَر خفقان القلب على أنه نتيجة للتوتر، ويُنسب الإرهاق إلى ضغوط العمل أو الحياة الأسرية. وعندما تصبح الأعراض واضحةً، يكون خطر الإصابة بالنوبات القلبية، أو السكتات الدماغية، أو أمراض الكلى، أو قصور القلب قد ارتفع بالفعل بشكلٍ كبير.

لهذا السبب، يُعدَ وصف ارتفاع ضغط الدم بـ"القاتل الصامت" وصفًا دقيقًا للغاية. كما أن الاكتفاء بتناول الأدوية لخفض ضغط الدم، دون البحث عن السبب الحقيقي وراء ارتفاعه، هو نهجٌ غير كافٍ ولا يُعالج أصل المشكلة.

ارتفاع ضغط الدم ونقص الحديد من المشاكل الصحية التي يكشفها الأطباء خلال الزيارة الأولى
ارتفاع ضغط الدم ونقص الحديد من المشاكل الصحية التي يكشفها الأطباء خلال الزيارة الأولى

2.     نقص الحديد – أكثر من مجرد شعور بتعبٍ مستمر

من أكثر المشكلات التي نكتشفها خلال الاستشارات الأولى، نقص الحديد، يؤكد ريتشاردز.

وقد يحدثُ نقص الحديد، ويُسبَب مشكلاتٍ صحية ملحوظة، حتى قبل تطوَر فقر الدم. ويعتقدُ كثيرٌ من الناس أن الشعور الدائم بالتعب هو جزءٌ طبيعي من الحياة الحديثة، خاصةً إذا ما كانوا يعملون لساعاتٍ طويلة، أو لديهم أطفالٌ صغار، أو يعانون من قلة النوم.

لكن نقص الحديد لا يحدثُ بين ليلةٍ وضحاها، بل يتطورُ تدريجيًا. إذ تبدأ مستويات الطاقة بالانخفاض، يصبح أداء التمارين الرياضية أكثر صعوبةً، وتتراجعُ القدرة على التركيز؛ كما قد يخفَ الشعر، وتصبح الأظافر أكثر هشاشةً، بينما تبدو المهام اليومية أكثر إرهاقًا مما كانت عليه سابقًا.

وكثيرًا ما يخبرني المرضى أنهم لم يعودوا يشعرون بأنهم أنفسهم، يضيف ريتشاردز؛ لكن لأن هذا التراجع حدثَ بشكلٍ تدريجي، يصعب عليهم تحديد متى بدأ بالضبط.

والسؤال الأهم هنا ليس: هل مستوى الحديد لديك منخفض؟ بل لماذا هو منخفض؟ ..

فرغم أن النظام الغذائي قد يكون أحد الأسباب، إلا أن استمرار نقص الحديد يستوجبُ دائمًا البحث عن السبب الأساسي، بدلًا من الاكتفاء بتعويض الحديد ثم تجاهل المشكلة. وبمجرد تحديد السبب وبدء العلاج المناسب، يلاحظُ معظم الأفراد تحسنًا ملحوظًا في مستويات الطاقة، صفاء الذهن، والأداء البدني خلال الأسابيع والأشهر التالية.

كثير منا مرّ بالتجارب المزعجة المرتبطة بمكمَلات الحديد التقليدية، خاصةً اضطرابات الجهاز الهضمي، ما قد يجعل البعض يتجنبُ تناولها تمامًا. وهنا يمكننا أن نقدم حلولًا أفضل؛ فليست جميع المكمَلات الغذائية متساويةً في الجودة أو طريقة الامتصاص، لذلك احرصي على البحث الجيد أو استشارة مختصٍ قبل اختيارها.

نقص فيتامين د قد يؤدي إلى مشكلاتٍ صحية مثل ارتفاع ضغط الدم
نقص فيتامين د قد يؤدي إلى مشكلاتٍ صحية مثل ارتفاع ضغط الدم

3.     نقص فيتامين د

يُعرف "فيتامين د" باسم "فيتامين أشعة الشمس". ورغم أننا نحصلُ على كمياتٍ محدودة منه من خلال الطعام، فإن المصدر الرئيسي له هو التعرَض لأشعة الشمس. والمثير للدهشة هو العدد الكبير من الأشخاص الذين يعانون من نقص "فيتامين د"، والأقل إدراكًا هو عدد الوظائف الحيوية التي يؤديها داخل الجسم.

فعلى عكس بعض أنواع نقص الفيتامينات، لا يُسبَب نقص "فيتامين د" عرضًا واحدًا واضحًا؛ بل يظهر على شكل مجموعةٍ من الأعراض غير المحددة، مثل الإرهاق، انخفاض الحالة المزاجية، وآلام العضلات، خاصةً في أسفل الظهر، ضعف التعافي بعد ممارسة الرياضة، ضعف المناعة، أو مجرد الشعور بأن هناك شيئًا ليس على ما يرام.

والخبر السار أن فحص مستوى "فيتامين د" بسيط، كما أن علاجه سهل نسبيًا. لكن يبقى السؤال الأهم: هل نقص "فيتامين د" هو في الحقيقة جزءٌ من مشكلةٍ أكبر؟ وهل أصبحنا نعاني من نقص التعرض لأشعة الشمس؟

يمكن اعتبار فحص "فيتامين د" أقرب وسيلةٍ متاحة لدينا لقياس مدى تعرضَنا للشمس. فأسلوب الحياة الحديث يجعلنا نقضي معظم وقتنا داخل المباني، نتنقلُ بالسيارات، نعملُ في المكاتب، ونحرصُ على استخدام وسائل الحماية من الشمس كلما ذهبنا للخارج. ورغم أن لهذه العادات فوائد كثيرة، إلا إنها تعني أيضًا أن عددًا كبيرًا من الأشخاص لا يحصلون على القدر الكافي من أشعة الشمس، ذلك المصدر الأساسي للحياة على كوكبنا.

والمثير للاهتمام أن نقص التعرض لأشعة الشمس، قد يؤدي أيضًا إلى انخفاض إنتاج أكسيد النيتريك في الجسم. وانخفاض أكسيد النيتريك يجعل الأوعية الدموية أقل مرونةً، مما يؤدي بدوره إلى ارتفاع ضغط الدم.

مشاكل صحية يكشفها الأطباء عند المرضى خلال زيارتهم الأولى - رئيسية
مشاكل صحية يكشفها الأطباء عند المرضى خلال زيارتهم الأولى

كما أن انخفاض مستوى الهيموغلوبين الناتج عن نقص الحديد، قد يؤدي إلى زيادة معدل ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم، لأن الجسم يستمر في البحث عن المزيد من الأكسجين والطاقة.

ثلاث حالات صحية يسهل فحصها، وغالبًا ما تكون صامتة، ويمكن علاجها أو عكسها إذا تم اكتشافها مبكرًا.

في الختام؛ فإن المشكلات الصحية التي قد يكتشفها الطبيب عند زيارة المرضى الأولى، تُعدَ  جميعًا مترابطة داخل كوكبٍ واحد هو الإنسان. وعندما يتعرضُ هذا النظام البيئي الداخلي للضغط، فإنه يرسلُ إشارات يطلب من خلالها انتباهنا.

لذا نصيحتي لجميع قارئات "هي" والمهتمات بصحتهنَ: فلنعد إلى الأساسيات، ونتعلم من جديد كيف نصغي إلى أجسامنا ونمنح صحتنا العناية التي تستحقها.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".