إزالة سموم الدوبامين لجيل زد.. حاجة ملحة لضبط الدماغ وتحسين التركيز
قد يبدو مصطلح "العيش بمستويات منخفضة من الدوبامين" مصطلحًا طبيًا، لكنهُ في الواقع طريقة جيل زد للتعبير عن: لقد سئمتُ من التحفيز المستمر. لا يتعلقُ الأمر بفقدان متعة الحياة أو الشعور بالملل، بل بخلق روتين يومي أكثر هدوءًا وبطئًا، وأقل تأثرًا بالإشباع الفوري.
بالنسبة لجيل زد، قد يتجلى ذلك في الاستيقاظ دون تصفح تيك توك فورًا، تناول الفطور دون شاشة، المشي دون سماعات، القراءة بدلًا من التصفح، واختيار النوم بدلًا من مشاهدة حلقة أخرى، أو ممارسة هوايات لا تجلب الإعجابات أو التعليقات أو الإشعارات أو المقارنات، تقول مي شلهوب، أخصائية تغذية سريرية مرخصة من شركة "فاليو هيلث". مضيفةً أن الأمر لا يتعلق كثيرًا بـ"التخلص من سموم الدوبامين" بالمعنى الحرفي، بل بتقليل الارتفاعات المفاجئة المستمرة التي تأتي من الهواتف، وسائل التواصل الاجتماعي، المحتوى السريع، التسوق الإلكتروني والضجيج الرقمي اللامتناهي.
وتضيف شلهوب: "أعتقدُ أن جيل زد ينجذب لهذا أكثر من الأجيال السابقة، لأنهم أول جيل نشأ في ظل اقتصاد الانتباه. لقد نشأت أجهزتهم العصبية في ظل التصفح اللانهائي، الأخبار العاجلة، فلاتر التجميل، ثقافة المقارنة، ضغوط الإنتاجية، والأزمات العالمية التي تتكشف أمام أعينهم. وتربط الأبحاث المتعلقة بصحة جيل زد النفسية بين التعرض المفرط للشاشات، الخوف من تفويت الأحداث، والتحديثات الرقمية المستمرة، وبين تدهور الصحة النفسية، التوتر، القلق، وانخفاض مستوى الوعي النفسي."
"لذا، عندما يتحدثُ جيل زد عن نمط حياة منخفض الدوبامين، لا أعتبرهُ مجرد صيحة عابرة في عالم الصحة؛ بل أراهُ آليةً للتكيف، وربما تحولاً جذرياً في نمط الحياة على المدى الطويل. صحيح أن هذا المصطلح قد يكون رائجاً، لكن الحاجة إليه حقيقية للغاية. فهذا الجيل لا يسعى بالضرورة إلى (تحسين) نفسه، بل يسعى الكثيرون منهم ببساطة إلى استعادة شعورهم الطبيعي."
في مقالة اليوم، نتعرفُ وإياكِ عزيزتي، على كيفية الوصول لنمطٍ حياتي منخفض بالدوبامين، يضمن لجيل زد الاستمتاع بالحياة من حولهم وتجنب الارتفاعات السيئة للدوبامين في أجسامهم، كما قدمتها لنا المدربة مي شلهوب من "فاليو هيلث".
إزالة سموم الدوبامين لجيل زد.. حاجةٌ ملحة

يمكن لعادات نمط الحياة منخفض الدوبامين، أن تساعد بلا شك في كسر حلقة إدمان الهاتف والإفراط في التحفيز، ولكن فقط عند اتباعها برفق. ليس الهدف معاقبة النفس أو حذف جميع التطبيقات بين ليلة وضحاها، إنما إعادة بناء القدرة على الاستمتاع بأشكال المتعة البطيئة: الطبخ، المشي، كتابة اليوميات، التمدَد، التحدث مع صديق، الجلوس في صمت، أو إنجاز مهمةٍ واحدة دون تفقَد الهاتف عشرات المرات.
يُطلق على الدوبامين غالبًا إسم "هرمون السعادة"، لكنه تبسيطٌ مُفرط؛ فهذا الهرمون يلعب دورًا محوريًا في التحفيز، تعلَم المكافأة، التوقع، وكيفية استجابة الدماغ للمؤثرات والجديد. ويصف علم الأعصاب الحديث الدوبامين بأنه جزءٌ من نظام التنبؤ والتعلَم، القائم على المكافأة في الدماغ، وليس مجرد زرٍ بسيط للسعادة. وهذا أمرٌ بالغ الأهمية، بحسب شلهوب؛ لأن وسائل التواصل الاجتماعي مبنية على التوقع: هل أعجب أحدهم بمنشوري؟ هل هناك رسالةٌ جديدة؟ ما هو الفيديو التالي؟ هذا التشويق يُبقي الدماغ مُنهمكًا طوال الوقت.
يُمكن أن يُساهم تقليل هذه التقلبات المُستمرة في دعم القلق، التركيز، والاستقرار العاطفي؛ لأن الجهاز العصبي يتلقى عددًا أقل من "الإشعارات الصغيرة" على مدار اليوم. وعندما لا ننتقلُ باستمرار بين الإشعارات، الأخبار السيئة، المقارنات، الترفيه، والضغط، يُصبح لدى الدماغ مساحةً أكبر للتنظيم؛ فيُصبح التركيز والنوم أسهل، كما يُصبح من الأسهل ملاحظة ما نشعر به حقًا.
لهذا السبب أيضًا يُمكن أن تُساعد الروتينات التي تُقلَل من ارتفاعات الدوبامين، في التغلب على إرهاق الأزمات والإرهاق الناتج عن التصفح المُفرط للأخبار السلبية. لقد أصبح بإمكان جيل زد اليوم، الوصول إلى كل أزمةٍ عالمية في متناول أيديهم: الحروب، القلق المناخي، الضغوط الاقتصادية، الصراعات السياسية، المآسي، والظلم الاجتماعي - وكلها تتجدد كل بضع ثوانٍ. وقد ربطت الأبحاث التي أُجريت على طلاب الجامعات، بين التصفح المفرط للأخبار السلبية، والقلق، اليأس، انعدام الثقة والضيق النفسي (صحيفة الغارديان).
أحيانًا، لا يُعدّ اختيار عدم استهلاك المزيد من المحتوى السلبي جهلًا، بل هو حمايةٌ للجهاز العصبي.
تتحدث شلهوب عن هذه النقطة بالقول: "مع ذلك، لا ينبغي أن يصبح نمط الحياة منخفض الدوبامين أمرًا آخر يشعرُ جيل زد بالفشل فيه. وهنا يجب أن أكون حذرة بصفتي مدربة صحية: إذا أصبح نمط الحياة صارمًا للغاية - لا يمكنني التصفح أبدًا، لا يمكنني تناول السكر أبدًا، لا يمكنني مشاهدة نتفليكس أبدًا، ويجب أن أستيقظ في الخامسة صباحًا - فإنه سيتحولُ إلى أداءٍ آخر. جيل زد لديه ما يكفي من الضغوط بالفعل؛ لذا فإن النسخة الأكثر صحةً من نمط الحياة منخفض الدوبامين ليست مثالية، بل هي خلق المزيد من اللحظات التي لا يتشتت فيها الذهن في عشرة اتجاهات."
وتنصحُ قائلةً: "إن العادات التي تتناغم بشكلٍ طبيعي مع هذا النمط من الحياة بسيطةٌ للغاية: النوم المنتظم، التعرض لأشعة الشمس الصباحية، المشي، أداء تمارين القوة، تناول وجبات الطعام ببطء، ممارسة الهوايات الإبداعية، القراءة، الصلاة أو التأمل، كتابة اليوميات، تنظيف المكان، قضاء وقتٍ مع الآخرين بعيدًا عن الهاتف، وتخصيص فتراتٍ خلال اليوم خالية من الهاتف. قد لا تبدو هذه عاداتٌ جذابة، لكنها عادات مُنظِّمة؛ فهي تُعلِّم الجسم أن الهدوء شعورٌ رائع."
كما أن نمط الحياة الذي يُقلِّل من الدوبامين يُشكِّل تحديًا لعلاقة جيل زد بالإنتاجية، تضيف شلهوب. لسنوات، تمَ تسويق الراحة على أنها شيء "يُكتسب"؛ لكن هذا النمط من الحياة يُعيد تعريف الراحة على أنها صيانة، وليست كسلاً. فهو يقول: لستُ بحاجة إلى أن أكون مُحفَّزًا، أو مُتاحًا، أو مُنتجًا، أو جذابًا، أو مُطَّلعًا، أو مُتاحًا في كل ثانية من اليوم. هذا تحوّلٌ قوي برأيي.
هل يتبنى جيل زد هذه العادات للشعور بالاستقرار أم للهروب من فرط التحفيز؟ بصراحة، كلاهما، تجيب أخصائية التغذية السريرية المُرخصة في "فاليو هيلث". وتقول: "يحاولُ الكثيرون إعادة التواصل مع ذواتهم؛ بعضهم مُنهك، بعضهم قلق، وبعضهم سئم من التواجد على الإنترنت، لكنه لا يعرف كيف ينفصل عنه بعد. ويدرك البعض أن هواتفهم تُوفر لهم راحةً سريعة، لكنها لا تُغذي أرواحهم حقًا.
هل سيصبح نمط الحياة منخفض الدوبامين شائعًا؟

"أعتقدُ أن المصطلحات قد تتغير، لكن الفكرة ستستمر" تجيب شلهوب. "ربما سنتوقف عن تسميته (انخفاض الدوبامين) ونبدأ في تسميته باسمه الحقيقي: نظافة الجهاز العصبي. وكما تعلَمنا الاهتمام بالنوم، صحة الأمعاء، الحركة، والصحة النفسية؛ أعتقدُ أن الأجيال الشابة ستُولي اهتمامًا متزايدًا للانتباه، الإفراط في التحفيز، والحدود الرقمية."
في الختام؛ تقدم شلهوب نصيحة مهمة لجيل زد للتغلب على ارتفاعات الدوبامين المتكررة والتي تُخلَف آثارًا سلبية على صحتهم الجسدية والنفسية:
1. لا تُصغّروا حياتكم، بل اجعلوها أكثر هدوءًا. لستم بحاجة للتخلي عن كل ما يُسعدكم، كل ما تحتاجونه هو مساحةٌ كافية للاستمتاع بأشياء لا تتطلب منكم الانتباه طيلة الوقت.
لأن أكثر ما يمكن أن يفعله جيل زد من تمرد هو عدم السعي بجدٍ أكبر، أو التصفح لفتراتٍ أطول، أو مواكبة كل صيحة. أحياناً يكون الأمر ببساطة هو وضع الهاتف جانباً والسماح للحياة بأن تبدو أبطأ قليلاً مرة أخرى.