تأخر الحمل بعد سن 35

لماذا لا تستطيع النساء فوق سن 35 الحمل بسهولة.. كما أمهاتهنَ؟ خبيرة توضح عبر "هي"

في سن الثامنة والثلاثين، كان حملي الثالث بابنتي؛ بعد حملين سابقين لم ينجحا. في حين أعتقدُ أن والدتي رحمها الله، كانت قد أنجبت أخي الأصغر، بعد 9 أطفال أنجبت معظمهم كل سنة تقريبًا، في سنٍ لا يتجاوز الأربعينيات، وربما يكون منتصف الثلاثينيات.

ما الهدف من هذه المقارنة؟ ما أحاولُ قوله هنا، هو أن ظروف الحمل والإنجاب في السابق، وقت الأهل والأجداد، كانت مختلفةً جدًا عن أحوالنا اليوم. وبالتالي، كان من السهل على النساء الحمل في الثلاثينيات أسهل مما تفعل معظم النساء اليوم؛ وربما يكون هذا الحمل ليس الأول، بل الأخير. ما يطرح سؤالًا مهمًا يخطر في بال الكثيرات اليوم: لماذا كانت النساء في الماضي ينجحنَ في الحمل بسهولة في سن 35 عامًا، فيما تعاني معظم نساء اليوم من هذه المشكلة؟

يترددُ هذا السؤال أيضًا على مسامع الدكتورة ريتو أناند، أخصائية طب الإنجاب والعقم في مركز أوركيد للخصوبة في مدينة دبي الطبية؛ وتجيبُ عليه في مقالة اليوم..

تأخر الحمل بعد سن 35

من أكثر الأسئلة التي تُطرح عليّ في عيادتي: "يا دكتور، حملت والدتي طبيعيًا دون أي صعوبة. لماذا أصبح الأمر أصعب بكثير على النساء اليوم؟" الجواب ليس أن خصوبة النساء اليوم أقل، بل إن حياتنا تغيرت جذريًا خلال العقود القليلة الماضية، بينما بقيت بيولوجيتنا الإنجابية على حالها.

الدكتورة ريتو أناند أخصائية طب الإنجاب والعقم في مركز أوركيد للخصوبة
الدكتورة ريتو أناند أخصائية طب الإنجاب والعقم في مركز أوركيد للخصوبة

قبل جيلٍ مضى، كانت النساء يتزوجنَ في سنٍ مبكرة عمومًا، ويبدأنَ حياتهنَ الإنجابية في العشرينيات من العمر، عندما تكون الخصوبة في ذروتها. وكانت الكثيرات يُكملن تكوين أسرهنَ قبل سن الخامسة والثلاثين، وغالبًا قبل أن يبدأ التراجع الطبيعي في جودة البويضات بالظهور بشكلٍ ملحوظ. أما اليوم، فتتجهُ النساء بشكلٍ متزايد نحو التعليم العالي، بناء مسيرة مهنية، تحقيق الاستقلال المالي، السفر، أو الانتظار للعثور على الشريك المناسب قبل تكوين أسرة. هذه تغيَرات مجتمعية إيجابية، منحت النساء فرصًا وخيارات أوسع؛ ومع ذلك، لا تزال مبايضنا تتبَع الساعة البيولوجية نفسها التي كانت تتبَعها دائمًا.

وعلى عكس الرجال، الذين يستمرون في إنتاج الحيوانات المنوية طوال حياتهم؛ تُولد النساء بجميع البويضات التي سيملكنَها طوال حياتهنَ. ومع تقدم المرأة في العمر، يتراجع عدد هذه البويضات، والأهم من ذلك، تتراجع جودتها. إذ تبدأ الخصوبة بالتراجع تدريجيًا في أوائل الثلاثينيات، ويصبح هذا التراجع أكثر وضوحًا بعد سن الخامسة والثلاثين، ليتسارع بعد سن الثامنة والثلاثين. وتزداد احتمالية احتواء البويضات الأكبر سنًا على تشوهات كروموسومية، مما يؤدي إلى انخفاض فرص الحمل، ارتفاع معدلات الإجهاض، وزيادة خطر الإصابة بأمراض الكروموسومات.

باختصار، يبقى العمر العامل الأهم الذي يؤثر على خصوبة المرأة.. لكن العمر ليس سوى جزءٌ من الصورة. فمقارنةً بالأجيال السابقة، يعيش الكثير منا اليوم حياةً أكثر خمولًا؛ فقد أصبحت ساعات العمل الطويلة، الوظائف المكتبية، الوقت المطول أمام الشاشات، التوتر المزمن، وقلة النوم، أمورًا شائعة. وفي الوقت نفسه، قلّ تناول الوجبات المنزلية، إذ غالبًا ما تؤدي أنماط الحياة المزدحمة للاعتماد بشكل أكبر على طعام المطاعم، الوجبات المُصنَعة، والأطعمة الجاهزة.

وقد حلت الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات المكررة، الدهون غير الصحية، والسكريات المضافة تدريجيًا محل الأنظمة الغذائية الغنية بالفواكه والخضراوات الطازجة، الحبوب الكاملة، والوجبات المنزلية. وساهمت هذه التغيَرات في نمط الحياة مجتمعةً، في ارتفاع معدلات السُمنة، مقاومة الأنسولين، وداء السكري، وكلها عوامل تؤثر على التوازن الهرموني، الإباضة، جودة البويضات، والخصوبة. ورغم أنه لا يوجد طعامٌ واحد يُحدد الخصوبة، إلا أن التغذية الجيدة والنشاط البدني المنتظم يظلان من أهم ركائز الصحة الإنجابية.

متغيرات حياتية وغذائية تلعب دورًا في صعوبة الحمل بعد سن 35
متغيرات حياتية وغذائية تلعب دورًا في صعوبة الحمل بعد سن 35

صحة الرجل الإنجابية: تغيَرات مماثلة

كذلك نشهد تغيَرات في صحة الرجل الإنجابية. فقد سُجل انخفاضٌ في عدد الحيوانات المنوية وتدني جودتها في جميع أنحاء العالم، نتيجةً للسُمنة، التدخين، سوء التغذية، المُلوثات البيئية، وعوامل أخرى متعلقة بنمط الحياة. وهذا تذكيرٌ هام بأن العقم حالةٌ مشتركة بين الزوجين، حيث تُسهم العوامل الذكورية في ما يقارب نصف حالات العقم.

تختلف أسباب العقم أيضاً باختلاف مناطق العالم. ففي العديد من الدول الغربية، لا يزال تأخر الإنجاب السبب الرئيسي للعقم المرتبط بالعمر؛ أما في العديد من الدول النامية، لا يزال العقم ناتجاً عن التهابات الحوض غير المُعالجة، الأمراض المنقولة جنسياً، السل التناسلي، ومحدودية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الإنجابية. ورغم استمرار هذه الأسباب، إلا أن تأخر الإنجاب والاضطرابات المرتبطة بنمط الحياة باتت أكثر شيوعاً على مستوى العالم.

الخصوبة والإنجاب في دول مجلس التعاون الخليجي

يُشكّل مجلس التعاون الخليجي بيئةً فريدةً فيما يتعلق بالصحة الإنجابية. فإلى جانب تأخر سن الزواج والإنجاب، لا تزال زيجات الأقارب شائعةً نسبيًا في بعض مناطق المنطقة، مما يزيد من احتمالية الإصابة ببعض الاضطرابات الوراثية. كما تُسجّل المنطقة بعضًا من أعلى معدلات السُمنة، داء السكري من النوع الثاني، مقاومة الأنسولين، ومتلازمة التمثيل الغذائي المتعددة الغدد الصماء في المبيض، وكلها عوامل قد تؤثر سلبًا على الخصوبة. كما لا يزال نقص فيتامين د شائعًا بشكلٍ مُثيرٍ للدهشة، على الرغم من وفرة أشعة الشمس؛ ويستمر التدخين، بما في ذلك الشيشة، في التأثير سلبًا على الصحة الإنجابية لدى كلٍ من الرجال والنساء.

في الوقت ذاته، باتت دولة الإمارات العربية المتحدة رائدة إقليمياً في مجال رعاية الخصوبة المتقدمة داخل دول مجلس التعاون الخليجي. حيث يمكن للمرضى الآن، الوصول إلى أحدث مختبرات التلقيح الاصطناعي، علم الوراثة الإنجابية المتطور، والاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في تقييم الأجنة وتخطيط العلاج، مما يسمح بتخصيص الرعاية بشكلٍ كبير. ويُعدَ الاختبار الجيني قبل الزرع لاختلال الصيغة الصبغية (PGT-A) والاختبار الجيني قبل الزرع للاضطرابات أحادية المنشأ (PGT-M) من الأدوات المهمة في هذا الإعداد.

نشهد اليوم أيضًا بعض التغيَرات في صحة الرجل الإنجابية
نشهد اليوم أيضًا بعض التغيَرات في صحة الرجل الإنجابية

إذ يُساعد PGT-A في تحديد الأجنة الطبيعية كروموسوميًا لدى مرضى التلقيح الاصطناعي المختارين بشكلٍ مناسب، وخاصةً النساء في حال سن الأم المتقدمة، أو أولئك الذين يعانون من فقدان الحمل المتكرر، أو فشل التلقيح الاصطناعي المتكرر أو العقم الشديد لدى الذكور. فيما يسمح PGT-M للأزواج الذين يحملون نفس الحالة الموروثة، بتقليل خطر نقل هذا الاضطراب إلى أطفالهم بصورة كبيرة.

وعلى الرغم من أن PGT-A لا يُحسَن جودة الجنين أو يخلق المزيد من الأجنة، إلا أنه يساعد في اختيار الجنين الذي يتمتع بأعلى فرصة للزرع مع تقليل خطر الإجهاض بسبب تشوهات الكروموسومات. وفي الأسر المختارة بعناية، أدى الفحص الموسع للحامل وتسلسل الإكسوم الكامل، إلى تعزيز الاستشارة الإنجابية، من خلال تحديد المتغيَرات الجينية المُسببة للأمراض قبل الحمل، مما يسمح للأزواج باتخاذ قراراتٍ إنجابية مستنيرة والتخطيط لأسرٍ أكثر صحة.

في الختام؛ الرسالة هنا اليوم ليست خلق الخوف عند النساء في عمر 35، بل خلق الوعي. فالعديد من النساء فوق سن 35 عامًا يحملنَ بشكلٍ طبيعي ويستمررنَ في الحمل الصحي. ومع ذلك، فإن فهم كيفية تأثير العمر، التغذية، نمط الحياة، الصحة الأيضية وعلم الوراثة على الخصوبة، يُمكّن النساء والأزواج من اتخاذ خياراتٍ مستنيرة. ويمكن لتقييم الخصوبة المبكر، عادات نمط الحياة الصحية والتشاور في الوقت المناسب مع أخصائي الخصوبة، أن يُحدث فرقًا كبيرًا.

لم تعد رعاية الخصوبة الحديثة تقتصر فقط على مساعدة الأزواج لتحقيق حلم الحمل؛ بل يتعلق الأمر بتقديم الطب الإنجابي الشخصي، الذي يجمع بين الغدد الصماء التناسلية، علم الأجنَة وعلم الوراثة لزيادة فرصة ليس فقط الحمل الناجح ولكن أيضًا ولادة طفلٍ سليم. وتتمتع النساء اليوم بفرصٍ وخياراتٍ أكثر من أي وقت مضى، كما يستحقنَ الحصول على معلوماتٍ دقيقة تُمكَنهنَ من التخطيط لمستقبلهنَ الإنجابي بثقة.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".