داء الأمعاء الالتهابي (IBD) – الأعراض والأسباب

الدكتورة مريم الأحمد لـ"هي": مرض التهاب الأمعاء مناعي بالدرجة الأولى.. ويمكن السيطرة عليه

يصادف 19 مايو من كل عام، اليوم العالمي لمرض التهاب الأمعاء أو ما يُعرف أكثر بإسم داء الأمعاء الالتهابي (IBD)؛ وهو مناسبةٌ سنوية تهدف ليس فقط للحديث عن أسباب وأعراض هذا المرض فحسب، بل إلى تعزيز الوعي حول مجموعةٍ من الأمراض المُزمنة التي تُصيب الجهاز الهضمي، وفي مقدمتها داء كرون والتهاب القولون التقرّحي.

وأظنهُ بات معلومًا للجميع تقريبًا اليوم، أن صحة الأمعاء أساسٌ قوي للصحة العامة؛ كونها تؤثر على كل شيء تقريبًا: المناعة، المزاج، الهضم، الطاقة، وحتى الوزن. وأهميتها لا تتركز فقط على مجرد هضم الطعام — بل هي مركز توازن الجسم كله. لهذا نجد التوجه المُكثف من المختصين وعامة الناس في الآونة الأخيرة، مُنصَبًا على تحسين وتعزيز ميكروبيوم الأمعاء، الذي يُطلق عليه تسمية "العقل الخفي للأمعاء"، مجتمعٌ ضخم من تريليونات الميكروبات التي تتحكم في الهضم، المناعة، المزاج، الوزن، وحتى الشيخوخة. وقد أصبحت أهميته اليوم، من أقوى مجالات البحث الطبي، لأنه يؤثر على كل أنظمة الجسم تقريبًا.

بالعودة إلى الأمراض المزمنة التي تُصيب الجهاز الهضمي؛ تُصنَّف هذه الأمراض ضمن الحالات “غير المرئية” أو الخفية، إذ قد يبدو المصابون بها بصحةٍ جيدة ظاهريًا، بينما يواجهون يوميًا أعراضًا مُزمنة ومؤلمة تؤثر بشكلٍ مباشر على جودة حياتهم وصحتهم النفسية والاجتماعية. كما أن تشابه الأعراض مع اضطراباتٍ هضمية أخرى، قد يؤدي أحيانًا إلى تأخر التشخيص والعلاج، ما يجعل التوعية المجتمعية والتشخيص المبكر عنصرين أساسيين في تحسين حياة المرضى وتقليل المضاعفات.

في مقابلةً خاصة مع محررة صحة على موقع "هي"؛ تحدثت الدكتورة مريم الأحمد، استشاري الأمراض الباطنية، اختصاص الجهاز الهضمي ونائب مدير أمراض الأمعاء الالتهابية في مدينة الشيخ شخبوط الطبية في أبوظبي، عن داء الأمعاء الالتهابي ومختلف أمراض الجهاز الهضمي، وكيفية الوقاية منها.

الدكتورة مريم الأحمد استشاري الأمراض الباطنية في مدينة الشيخ شخبوط الطبية أبوظبي
الدكتورة مريم الأحمد استشاري الأمراض الباطنية في مدينة الشيخ شخبوط الطبية أبوظبي

أهلًا بكِ دكتورة مريم على موقعنا؛ بدايةً، هل لكِ أن تُعرَفينا ما هو مرض التهاب الأمعاء، وما الفرق بين داء كرون والتهاب القولون التقرّحي؟

داء الأمعاء الالتهابي IBD هو مصطلحٌ يشير إلى مجموعةٍ من الأمراض التي تُسبَب التهابًا مزمنًا يصيب الجهاز الهضمي والأمعاء، نتيجة مهاجمة الجهاز المناعي للجهاز الهضمي بصورة غير طبيعية؛ فيما يُعدَ داء كرون والتهاب القولون التقرحي من أكثر الأنواع شيوعًا بين أمراض الجهاز الهضمي.

قد يصيب داء كرون أي جزءٍ من هذا الجهاز، من الفم حتى الشرج؛ بينما يقتصر التهاب القولون التقرحي على القولون والمستقيم.

ما أبرز الأسباب والعوامل التي قد تزيد من احتمالية الإصابة بهذه الأمراض؟

لا يزال السبب الدقيق وراء الإصابة، غير معروف تمامًا حتى اليوم. ولكن يُعتقد أنه يتشـكل نتيجـةً لـرد فعـلٍ مناعـي يقـوم بـه الجسـم كاسـتجابةٍ لا إراديـة لدى الأفراد المستعدين وراثيًا، والتي قد تحدث بسبب التفاعل بين مُحفز بيئي والفلورا المعوية.

هناك عدة عوامل قد تؤدي إلى الإصابة بداء الامعاء الالتهابي:

•       التاريخ العائلي المرضي ووجود أشخاص مقربين مصابين بالمرض

•       الضغط النفسي

•       تناول بعض الأدوية مثل مضادات الالتهابات غير الستيرويدية.\

•       التدخين قد يزيد من خطر الإصابة بداء كرون

هل هناك فئات عمرية أو أشخاص أكثر عرضة للإصابة بداء كرون أو التهاب القولون التقرّحي؟

نعم، تظهر هذه المشاكل غالبًا عند الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 15-35 سنة. ولكن، يمكن أن تصيب أي شخص من الأطفال حتى سن الستين عامًا فأكثر.

ما أبرز الأعراض والعلامات التي تستدعي مراجعة الطبيب؟

أنصحُ مرضاي دومًا بمراجعة الاستشاري في حال ظهور الأعراض الآتية:

1.     إسهال مزمن

2.     وجود دم بالبراز

3.     رغبة ملحة ومتكررة للتبرَز

4.     ألم وتقلصات بالبطن

5.     تعب شديد أو فقدان غير مقصود للوزن.

هل يمكن أن تتشابه أعراض مرض التهاب الأمعاء مع مشاكل هضمية أخرى؟ وكيف يتم التشخيص الصحيح؟

نعم، قد تتشابه الأعراض مع أمراضٍ أخرى في الجهاز الهضمي؛ كآلام البطن، الإسهال أو الانتفاخ. وهذه الأعراض لا تقتصر على التهاب الأمعاء فقط ولا يمكن الاعتماد على الأعراض وحدها للتشخيص.

لذلك يجب اتخاذ عدة خطواتٍ للتأكد من الإصابة؛ كأخذ تاريخٍ مرضي مفصل وفحص سريري دقيق، إجراء تحاليل مخبرية كتحاليل الدم والبُراز، تنظير القولون وأخذ عينات الأنسجة أحيانًا، بالإضافة إلى إجراء التنظير الكبسولي واختبارات تصويرية كالأشعة المقطعية أو الرنين المغناطيسي.

داء الأمعاء الالتهابي من الأمراض الخفية
داء الأمعاء الالتهابي من الأمراض الخفية

لماذا تُصنَّف هذه الأمراض ضمن الحالات “غير المرئية” ، وكيف يؤثر ذلك نفسيًا واجتماعيًا على المرضى؟

تُعتبر أمراض التهاب الامعاء غير مرئية، لان المريض قد يبدو بصحةٍ جيدة ظاهريًا، خصوصًا بين النوبات؛ بينما يعاني من أعراضٍ مرهقة والتهاباتٍ مُزمنة ومؤثرة وظيفيًا لا يلاحظها الآخرون.

هذه الأمراض ذات تأثيرٍ نفسي، من حيث ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، بسبب الألم المزمن وعدم القدرة على التنبؤ بالنوبات؛ وهي أيضًا ذات تأثيرٍ نفسي ناجم عن تراجع جودة الحياة والقيود المستمرة على الغذاء والنشاط.

أما الحياة الاجتماعية فقد تصبح أكثر تعقيدًا للمرضى، بسبب الخوف من الخروج خشية عدم توفر دورات المياه بسهولة، تجنب السفر، المناسبات والتغيَب عن الدراسة أو العمل أثناء النوبات. مما يدفع بعض المرضى للإنسحاب تدريجيًا من الأنشطة التي كانوا يستمتعون بها سابقًا.

ننصحُ المريض بأن يحيط نفسهُ بالعائلة والاشخاص الداعمين ومقدمي الرعاية الصحية،  فالدعم النفسي والاجتماعي ذو تأثيرٍ كبير على جودة حياة المريض.

ما مدى أهمية التشخيص المبكر في السيطرة على المرض والحد من المضاعفات؟

يُعدَ التشخيص والعلاج المبكر لداء الأمعاء الالتهابي، عاملًا أساسيًا لإدارة المرض بفاعلية؛ كونه يساعد في السيطرة على الالتهاب قبل أن يُسبًب ضررًا دائمًا في الأمعاء، وتجنَب مضاعفات المرض والعمليات الجراحية التي قد تؤثر على جودة الحياة.

كيف يؤثر النظام الغذائي ونمط الحياة على المرضى؟ وهل هناك أطعمة أو عادات معينة يجب تجنبها؟

يؤثر النظام الغذائي ونمط الحياة بشكلٍ كبير ومباشر على أعراض مرضى التهاب الأمعاء وجودة حياتهم. فقد تؤدي بعض الأطعمة إلى تفاقم الأعراض، بالأخص أثناء النوبات.

إنما لا يوجد نظام غذائي واحد يناسب جميع المرضى؛ لذلك يُنصح بالاحتفاظ بمذكرة غذائية ويتم متابعتها من قبل أخصائي تغذية.

من جهة أخرى؛ يقوم التوتر، قلة النوم والتدخين خصوصًا في حالة الإصابة بداء كرون، بزيادة نشاط المرض، في حين يساعد النشاط البدني المعتدل، النوم الجيد وتقليل التوتر لجهة تحسين السيطرة على الأعراض.

هل يستطيع المصابون بمرض التهاب الأمعاء ممارسة حياتهم الطبيعية، العمل والدراسة بشكلٍ طبيعي؟

نعم؛ يستطيع المرضى أن يعيشوا حياتهم اليومية بصورة طبيعية، خصوصًا مع التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج. بينما قد تحدث فترات نشاطٍ للمرض والتي قد تؤثر على الأداء. لذا يتوجب على المريض الالتزام بالخطة العلاجية، اتباع نظامٍ غذائي مناسب حسب احتياجاته الخاصة، اتبَاع العادات الصحية، والتواصل الدائم مع فريق أطباء أمراض التهاب الأمعاء لإدارة الحالة بشكلٍ أفضل.

ما أحدث العلاجات والتطورات الطبية المتوفرة اليوم لمرضى التهاب الأمعاء؟

شهدت علاجات مرض التهاب الأمعاء تطورًا شاسعًا خلال السنوات الأخيرة، ولم يعد الهدف فقط السيطرة على الأعراض، بل أصبح المبتغى اليوم الوصول إلى شفاء بطانة جدار الأمعاء ومنع الانتكاسات، تحسين نوعية الحياة والتغذية، والحد من مخاطر المضاعفات التابعة للمرض.

ومن أهم التطورات الحديثة؛ العلاجات البيولوجية التي تستهدف مساراتٍ مناعية مُحددة بدقة، فضلًا عن بعض الأدوية الفموية الحديثة.

إضافةً إلى الفئة الدوائية المنتظرة من الجيل التالي، وبعضها قد يُغيَر طريقة العلاج بالكامل خلال السنوات القليلة المقبلة. وتُعتبر مدينة الشيخ شخبوط طبية أحد الرواد في الشرق الأوسط في إدارة التجارب السريرية لعلاج مرض التهاب الأمعاء.

داء الأمعاء الالتهابي (IBD) – الأعراض والأسباب - رئيسية
داء الأمعاء الالتهابي (IBD) – الأعراض والأسباب

ما أبرز المفاهيم الخاطئة المنتشرة حول هذه الأمراض؟

هناك بالفعل عدة مفاهيم خاطئة منتشرة حول هذه الأمراض؛ ومن أكثرها شيوعًا:

•       الغذاء هو المسبَب الرئيسي

•       الخلط بينه وبين القولون العصبي

•       الاعتقاد بأنه ليس خطيرًا، على الرغم من تسبَبه لبعض المضاعفات.

•       لا علاج له.

في الختام؛ ما الرسالة التي تودين توجيهها للجمهور، من خلال موقع "هي"، بمناسبة اليوم العالمي لمرض التهاب الأمعاء؟

مرض التهاب الأمعاء لا يعترف بالحدود، ولا يُفرَق بين طبقةٍ اجتماعية أو جنس؛ فهو يطرقُ أبواب الناس من مختلف نواحي الحياة. ولهذا، يجب يكون نهجنا في الرعاية ودعمنا بقدر هذا الشمول والإنسانية.

نحن نسعى إلى مستقبلٍ ينالُ فيه كل مريض نفس المستوى العالي من العلاج والاهتمام، أينما كان، في هذا العالم.

محررة صحافية وكاتبة محتوى، مسؤولة عن قسم الصحة والرشاقة وقسم التذوق في موقع "هي".