التمرين الثابت: هل هو نظام اللياقة البدنية الأكثر فعالية؟
كم مرة حاولتِ عزيزتي القيام بتمرين بلانك Plank خلال مراحل حياتكِ المختلفة؟ كم مرة نجحتِ في إنجاز دقيقة أو أكثر من هذا التمرين، وكيف شعرتِ بعد كل تمرين قمتِ به؟
هذه الأسئلة وغيرها لا بدَ من طرحها، في خضم الحديث عن نجاعة وفعالية تمرين البلانك كواحد من التمارين المتساوي القياس Isometric Exercises التي تُسهم بناء قوة الجسم وخفض ضغط الدم.
نعم؛ ما قرأتهِ صحيح؛ فهذه التمارين لا تنعكس إيجابًا فقط على لياقة الجسم، بل إن لها أبعادًا ومنافع صحية عدة لا ينبغي إغفالها. إذ تُساهم التمارين الثابتة - التي تتضمن الثبات في وضعياتٍ معينة - في بناء القوة وخفض ضغط الدم؛ وذلك من خلال تخصيص 14 دقيقة فقط لكل جلسة، ثلاث مرات أسبوعيًا، لتحقيق فوائد كبيرة.
اللياقة البدنية العالية التي يسمو إليها معظمنا، لا تتطلب قضاء ساعاتٍ في صالة الرياضة نركضُ على جهاز المشي، نؤدي تمارين البيربي، أو نرفع الأثقال. تُظهر الأبحاث الحديثة أنكِ لستِ بحاجة لبذل جهدٍ كبير لتحقيق بعض هذه الفوائد. في الواقع، بالكاد تحتاجين إلى الحركة - يكفي ثباتكِ في وضعيةٍ معينة لبضع دقائق. تُحسّن التمارين الثابتة، مثل البقاء في وضعية القرفصاء أو الجلوس على كرسي مع مد إحدى الساقين أمامك، صحة القلب وتُعزز قوة العضلات.
في مقالة اليوم، التي نستقصي معلوماتها من مقالة حول التمارين الثابتة منشورة على موقع BBC، نتعرفُ سويًا عزيزتي على هامية التمارين متساوية القياس، الأدلة المتزايدة حول فوائدها، كيفية القيام بها والفوائد التي نجنيها منها، على صعيد تعزيز الصحة وتحسين لياقة الجسم.

التمرين الثابت أو التمرين متساوي القياس
بحسب منظمة الصحة العالمية، ارتفعت مستويات الخمول البدني في جميع أنحاء العالم بنسبة خمس نقاط مئوية لتصل إلى 31% بين عامي 2010 و2022. فهل تُعدّ التمارين متساوية القياس الحل الأمثل؟
تتزايد الأدلة الداعمة لفوائد التمارين متساوية القياس منذ عقود، مع وجود مؤشراتٍ على قدرتها لجهة خفض ضغط الدم، تعود إلى تسعينيات القرن الماضي. إلا أن الدراسات الفردية لا تُقدّم سوى قدرٍ محدود من المعلومات، ولذلك يُجري العلماء عادةً تحليلات تجميعية تجمع بياناتٍ من تجارب متعددة. فلنلق نظرةً على نتائج هذه الأبحاث..
في عام 2023، قارن تحليلٌ تجميعي للتجارب المنشورة بين عامي 1990 و2023، فعالية أنواعٍ مختلفة من برامج التمارين الرياضية في خفض ضغط الدم، مستندًا إلى نتائج ما يقرب من 16000 شخص مارسوا الرياضة لمدة أسبوعين على الأقل.
تناولت الدراسات المدروسة ثلاثة تمارين محددة: تمرين قبضة اليد (الضغط على جهاز أو كرة)، تمرين القرفصاء على الحائط، وتمرين مد الساق. واستخدمت التجارب في أغلب الأحيان نفس خطة التدريب الأساسية: أربع جولات، كل جولة دقيقتان، من التمرين المذكور، مع دقيقة أو دقيقتين من الراحة بين كل جولة. تُجرى هذه الجلسة التي تستغرق 14 دقيقة ثلاث مراتٍ أسبوعيًا، وهو ما يُفترض نظريًا أن يتناسب مع الروتين اليومي لأي شخص.
كانت النتائج لافتة للنظر بصورةٍ كبيرة لكل من يهتم بصحته؛ إذ أظهرت أن تمارين الثبات المتساوي القياس أكثر فعالية من تمارين الكارديو، تمارين رفع الأثقال، التدريب المُركب، والتدريب المتقطع عالي الكثافة (HIIT). يُقاس ضغط الدم برقمين يُمثَلان وقت نبض القلب ووقت الراحة؛ وتُعتبر القراءة الصحية، أي قراءة أقل من 120/80 ملم زئبق.
بلغ انخفاض ضغط الدم الناتج عن التمارين الهوائية 4.49/2.53 ملم زئبق فقط، مقارنةً بـ 8.24/4.00 ملم زئبق لتمارين الثبات المتساوي القياس.
بالمقارنة، تُقلَل الأدوية التقليدية لخفض ضغط الدم، هذا الضغط عادةً بمقدار 9/4.00 ملم زئبق تقريبًا، وهو ما يُعدّ أفضل بقليل من التمارين متساوية القياس. ونظرًا لأن ارتفاع ضغط الدم يُعدّ عامل خطرٍ رئيسي لأمراض القلب والأوعية الدموية والوفاة المبكرة، فإن الفوائد المحتملة لصحتنا مع التقدم في العمر تبدو هائلة.
تقول ميلاني ريس-روبرتس، الباحثة الرئيسية في مركز دراسات الخدمات الصحية بجامعة كنت في المملكة المتحدة، إن سهولة تطبيق هذا النظام تجعله جذاباً للغاية. وتضيف: "يمكنكِ القيام بذلك في منزلكِ؛ لستِ بحاجة إلى معدات. لستِ مضطرةً للخروج إذا كان الجو ممطراً. ولن تبذلي مجهوداً كبيراً في القيام بذلك."
يتفق جيم وايلز، المؤلف المشارك في التحليل التلوي وأستاذ علوم التمرينات الرياضية في جامعة كانتربري كريست تشيرش بالمملكة المتحدة، مع هذا الرأي؛ مؤكدًا أن تمرين القرفصاء المتساوي القياس على الحائط، قد يكون مفيدًا بشكل خاص للأشخاص الذين يعانون من مشاكل في المفاصل أو الحركة، ويجدون صعوبةً في أداء التمارين الديناميكية التي تتطلب تحمل الوزن، مثل الجري أو رفع الأثقال. ويضيف: "يُعدّ تمرين القرفصاء المتساوي القياس على الحائط، طالما أنه يُؤدى بشكل صحيح، أكثر أمانًا على الأرجح من منظور صحة القلب والأوعية الدموية والجهاز العضلي الهيكلي مقارنةً بأنواع التمارين الأخرى."

التمرين متساوي القياس.. وكيفية عمله
عند أداء تمرين متساوي القياس، تنقبض عضلة (أو عدة عضلات) وتثبت على هذه الوضعية، مما يعني أن طول العضلة لا يتغير كما هو الحال في أنواع التمارين الأخرى التي تتضمن حركةً مستمرة.
ويؤدي هذا الثبات إلى ضغط الأوعية الدموية، مما يُسبَب نقصًا في الأكسجين وتراكمًا للفضلات في العضلة النشطة. هذا بدوره يُحفز الدماغ على محاولة إرسال المزيد من الأكسجين إلى المنطقة، الأمر الذي، بالإضافة إلى زيادة المقاومة، يرفع ضغط الدم. وعندما يتوقف انقباض العضلة، تتمدد الأوعية الدموية مرةً أخرى، مما يزيد من تدفق الدم إلى المنطقة ويُسبَب انخفاضًا مؤقتًا في ضغط الدم.
الفكرة هي أن تكرار هذه العملية قد يؤدي إلى انخفاض ضغط الدم على المدى الطويل.
لا تقتصر فوائد هذه التمارين على خفض ضغط الدم فحسب؛ بل إن التمارين متساوية القياس، ومن خلال تحفيز الأوعية الدموية، تُقلَل من تصلب الشرايين، وتشير الدراسات الحديثة إلى أنها تُحسّن من وظائف القلب أيضًا بصورة عامة.
يمكن للتمارين متساوية القياس أن تُعزَز قوة العضلات من خلال مساعدتنا على توليد قوةٍ أكبر. ويعود ذلك إلى أنها تُفعّل الخلايا العصبية في الدماغ والحبل الشوكي، والتي بدورها تُنشّط "الوحدات الحركية" - وهي مجموعاتٌ من الأعصاب المتصلة بالعضلة - مما يؤدي إلى انقباضها. ويوضح دان جوردون، أستاذ علم وظائف الأعضاء الرياضية في جامعة أنجليا روسكين بالمملكة المتحدة: "بمجرد تثبيت العضلة في وضعٍ ثابت، فإنها تُنشّط الوحدات الحركية فقط"؛ مضيفًا أن هذا قد يُساهم في تحسين الأداء الرياضي العام.
التمرين متساوي القياس: تجربة شخصية
يملك غوردون، حامل الرقم القياسي العالمي في سباقات الدراجات على المضمار، تجربةً شخصية في هذا الأمر. فخلال تدريباته في مضمار مانشستر للدراجات الهوائية مع المنتخب البريطاني، كان يمسك بقضيبٍ ثقيل جدًا (150 كجم) في وضعية القرفصاء قبل ركوب الدراجة. ويقول: "كنت أطلبُ من أحدهم أن يسحب القضيب وأركب الدراجة؛ وبفضل تنشيط جميع وحدات العضلات، أصبحتُ قادرًا على زيادة سرعتي."
ويضيف غوردون أن هذه الطريقة لا تقتصر فائدتها على الرياضيين فقط. فكبار السن الذين يجدون صعوبةً في النهوض من الكرسي، على سبيل المثال، يمكنهم البدء بالضغط على أذرعهم لأسفل لفترةٍ قبل الاسترخاء، مما يُنشّط وحدات العضلات قبل رفع أنفسهم بالكامل.
التمارين المتساوية القياس: كيفية البدء
إذا كنتِ لا تمارسين الكثير من النشاط البدني، فقد يكون التدريب المتساوي القياس هو الطريقة الأمثل للبدء. أما إذا كنتِ نشيطةً بالفعل، فلا ينبغي بالضرورة استبدال برنامجكِ التدريبي الحالي، كما يحذر وايلز، لأن تلك الأنواع الأخرى من التمارين قد تُحقق فوائدها الخاصة.
تُعدّ تمارين الكارديو، على سبيل المثال، أكثر فعالية بكثير في إنقاص الوزن وزيادة قدرة الجسم على امتصاص الأكسجين، مما يُحسّن القدرة البدنية وصحة القلب والأوعية الدموية. ولكن إذا كنتِ تُركّزين بشكلٍ خاص على خفض ضغط الدم، فقد ترغبين في دمج تمارين الأيزومترية، مثل تمرين القرفصاء الثابت، ضمن روتينكِ الرياضي.

التمارين متساوية القياس: هل جميعها فعالة؟
بالنظر إلى أن التحليل التلوي ركَز فقط على تلك التمارين الثلاثة المحددة، لا يمكننا افتراض أن أنواعًا أخرى، مثل تمرين البلانك، ستؤدي نفس الغرض، مع أن وايلز يرجح أنها ستفعل. وقد أظهرت دراسةٌ عشوائية مضبوطة صغيرة أُجريت عام 2025 على 12 شابًا بالغًا، أن جلسة واحدة من أربع تمارين بلانك لمدة دقيقتين، تُخفّض ضغط الدم بعد 24 ساعة. لكن الباحثين أنفسهم يقولون إن هناك حاجةً للمزيد من البحث على مجموعاتٍ أكبر ولفترات زمنية أطول لتأكيد ذلك.
ورغم أن البدء بتدريبات الأيزومترية لمدة تقل عن دقيقتين ثم زيادتها تدريجيًا قد يبدو مغريًا، إلا أن الأدلة المتعلقة بضغط الدم تستند عادةً إلى ممارسة التمرين لمدة دقيقتين كاملتين في كل مرة. لذا، يقترح وايلز البدء بشدة أقل بدلًا من مدة أقصر؛ ويقول إن معظم الناس لا يستطيعون الحفاظ على وضعية القرفصاء على الحائط بزاوية 90 درجة لمدة دقيقتين، لذا يُنصح بالبدء بوضعية أكثر استقامة بين 110 و130 درجة.
من الممكن بالطبع أن يكون تقليل مدة كل تمرين فعالًا أيضًا، لكننا لا نملك أدلة كافية حتى الآن. يقول غوردون في هذا الصدد: "لا نعرفُ حقًا من أين أتت فكرة الدقيقتين. قد يكون أن دقيقتين بحمل 40% من الجهد تُنتج نفس تأثير 10 ثوانٍ بأقصى جهد".
من بين الأسئلة الأخرى التي لا تزال مطروحة، الفوائد طويلة المدى (على مدى أشهر أو سنوات)، على سبيل المثال، وكيف يكون تأثيرها على الأشخاص الذين يتناولون بالفعل أدوية لعلاج ارتفاع ضغط الدم.
قد تُجاب هذه الأسئلة قريبًا. يُجري وايلز وريس-روبرتس وزملاؤهما حاليًا تجربة سريرية عشوائية مضبوطة واسعة النطاق؛ وقد استقطبوا بالفعل أكثر من 700 شخص، جميعهم يعانون من ارتفاع ضغط الدم. سيؤدي المشاركون، وبعضهم يتناول أدوية، تمارين القرفصاء على الحائط بشكلٍ مستقل في المنزل. كما ستتم متابعتهم لمدة ستة أشهر، مع تعديل صعوبة التمارين الثابتة لضمان تحقيق أفضل النتائج على المدى الطويل.
ستُساعد هذه النتائج في تحسين فهمنا للفوائد وتطوير التمارين متساوية القياس، لتُناسب مختلف مستويات اللياقة البدنية؛ ولكن بالنظر إلى الأدلة المتوفرة حتى الآن، هناك بالفعل العديد من الأسباب الوجيهة لبدء برنامجٍ تدريبي أساسي. وسواء كنتِ من محبي الجلوس أمام التلفاز أو من رواد الصالات الرياضية، فإن دمج بعض تمارين القرفصاء على الحائط ومدّ الساقين في روتينكِ اليومي، قد يُسهم في تحسين صحتكِ بشكلٍ عام.