اضطرابات الأكل لدى نساء الجيل Z

بين المرآة والمنصات الرقمية: اضطرابات الأكل وصراع القبول الذاتي لدى نساء الجيل Z

جمانة الصباغ
26 فبراير 2026

تعيش نساء الجيل Z في عصرٍ تسيطر فيه الصورة الرقمية على تفاصيل الحياة اليومية..

فالجسد اليوم، لم يعد مجرد كيانٍ بيولوجي، بل أصبح مساحةً للمقارنة والتقييم المستمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وفي خضم هذه البيئة، تتشكل علاقةٌ حساسة بين صورة الجسد، القبول الذاتي، والسلوك الغذائي. ومن خلال الممارسة الإكلينيكية في مجال التغذية العلاجية، لوحظ الازدياد في السلوكيات الغذائية غير المتوازنة بين الشابات، والتي غالبًا ما تبدأ برغبةٍ في تحسين الشكل، لكنها قد تتطور إلى اضطرابٍ صحي متكامل.

قد يبدو الأمر بسيطًا، في حال رفضت ابنتكِ تناول الطعام لأي سبب؛ لكنه في الواقع، وفي حال تفاقمه واستمراره لفترةٍ طويلة، يمكن أن يُلحق الضرر الكبير بصحتها ونموها. لهذا من الضروري معرفة المزيد عن اضطرابات الأكل لدى نساء الجيل Z، والتي تُطلعنا عليها سوابنا ماري جون، أخصائية التغذية السريرية في المستشفى الدولي الحديث دبي https://www.imh.ae/، في مقالة اليوم.

سوابنا ماري جون أخصائية التغذية السريرية في المستشفى الدولي الحديث
سوابنا ماري جون أخصائية التغذية السريرية في المستشفى الدولي الحديث

اضطرابات الأكل لدى نساء الجيل Z

للعلم؛ فاضطرابات الأكل ليست مجرد اتباع حميةٍ قاسية، وهي بالتأكيد ليست دليلًا أيضًا على ضعف الإرادة لدينا. هي أنماطٌ مُعقدة من العلاقة غير الصحية مع الطعام، تتداخل فيها عوامل نفسية، اجتماعية وبيولوجية.

من أكثر السلوكيات شيوعًا لاضطرابات الأكل بين بنات الجيل Z:

•       التقييد الشديد للسعرات الحرارية.

•       الامتناع عن مجموعاتٍ غذائية كاملة دون سببٍ طبي.

•       نوبات الإفراط في الأكل.

•       الشعور بالذنب بعد تناول الطعام.

•       الهوس المستمر بالميزان أو حساب السعرات.

صورة الجسد هي التصور الداخلي الذي تُكوّنهُ المرأة عن شكلها وحجمها. والمشكلة أن هذا التصور قد لا يعكس الواقع الفعلي؛ فالتعرض اليومي لصور مُعدلة وفلاتر رقمية يُعيد تشكيل مفهوم "الجسد المثالي"، فتبدأ المقارنات، ويترسخ الشعور بعدم الرضا. ومع الوقت، يتحول الطعام إلى وسيلةٍ للسيطرة على هذا الشعور، إما من خلال حرمان أنفسنا منه أو الإفراط في تناوله.

من الناحية البيولوجية، فالتقييد المزمن للسعرات الحرارية يؤثر بشكلٍ مباشر على الهرمونات والتمثيل الغذائي. وهو قد يؤدي إلى اضطراب الدورة الشهرية أو انقطاعها، انخفاض مستويات الطاقة، تساقط الشعر، شحوب البشرة، وضعف المناعة. في حين أن نقص الحديد وفيتامين D وفيتامينات B المركبة شائعٌ في هذه الحالات أيضًا، ويؤثر على التركيز والمزاج.

أما نوبات الإفراط المتكررة في الأكل، فتُسبَب تقلباتٍ حادة في مستوى سكر الدم، ما ينعكس على الشعور بالإرهاق والتهيَج. وعندما تتبعها فترات تقييدٍ صارمة، يدخل الجسم في دائرة إجهادٍ مستمرة تؤثر على استقراره الهرموني والنفسي.

القبول الذاتي يُمثَل عنصرًا وقائيًا أساسيًا لكل هذه المشكلات. والقبول لا يعني تجاهل الصحة أو رفض تحسين نمط الحياة، بل عدم ربط القيمة الشخصية بالمظهر الخارجي. إذ عندما تصبح قيمة المرأة مرهونةً بالرقم على الميزان، يتحول الطعام إلى أداة قياسٍ للرضا عن الذات؛ أما حين يكون تقدير الذات مبنيًا على جوانب متعددة مثل الإنجاز، المهارات، والعلاقات، فإن العلاقة مع الطعام تصبح أكثر توازنًا.

الأكل العاطفي من أكثر الأنماط التي نراها في العيادة، تؤكد ماري جون. فكثيرٌ من الشابات يتناولنَ الطعام استجابةً للتوتر الدراسي، أو القلق الاجتماعي، أو الشعور بالوحدة، وليس بدافع الجوع الحقيقي. وبعد انتهاء النوبة، يظهر الشعور بالذنب؛ فتبدأ محاولة التعويض عبر الامتناع عن الأكل، مما يُعيد الدورة ذاتها من جديد.

كيفية الحد من اضطرابات الأكل لدى نساء الجيل Z

إعادة بناء علاقةٍ صحية مع الطعام، تبدأ بالعودة إلى إشارات الجوع والشبع الطبيعية. والجسم يمتلك نظامًا دقيقًا لتنظيم احتياجاته، لكن الحميات المتكررة تُضعف هذا النظام. لذا من المهم إزالة التصنيفات الأخلاقية عن الطعام؛ فليس ثمة طعامٌ "خاطئ" أو "مُحرّم" بشكلٍ مطلق، بل هناك توازن واعتدال.

الهوس بالنحافة والشكل الخارجي يزيد من اضطرابات الأكل الضارة بالصحة
الهوس بالنحافة والشكل الخارجي يزيد من اضطرابات الأكل الضارة بالصحة

كما أن إدخال جميع المجموعات الغذائية ضمن خطةٍ متوازنة، يُعزَز الاستقرار الفسيولوجي ويُقلَل من نوبات الرغبة الشديدة. والتركيز، تضيف ماري جون، يجب أن يكون على كيف يجعلنا الطعام نشعرُ من حيث الطاقة، التركيز والنوم، وليس فقط لناحية تأثيره على الشكل الخارجي.

دور الأسرة والمجتمع محوريٌ كذلك الأمر في الوقاية من اضطرابات الأكل. فالتعليقات المتكررة حول الوزن أو الشكل، حتى لو بدافع المزاح، قد تترك أثرًا عميقًا لدى الفتيات. ومن المهم تعزيز ثقافةٍ تُركَز على الصحة، القوة والرفاه النفسي بدلًا من النحافة فقط. كما أن التوعية المدرسية حول صورة الجسد والتفكير النقدي تجاه المحتوى الرقمي يمكن أن تُقلَل من الضغوط المبكرة.

تجدر الإشارة هنا، إلى أن الحالات المتقدمة من اضطرابات الأكل، تحتاج لتعاونٍ متعدد التخصصات يشمل طبيب الأسرة، الطبيب أو المعالج النفسي، واختصاصية التغذية. يمنع التدخل المبكر المضاعفات طويلة الأمد مثل هشاشة العظام، اضطرابات القلب، والمشكلات النفسية المصاحبة. كما ينبغي طلب الاستشارة الطبية عند ملاحظة تغيراتٍ ملحوظة في الوزن، انقطاع الدورة الشهرية، نوبات إفراطٍ متكررة، أو انشغالٌ مفرط بالسعرات والميزان؛ وكلما كان التدخل مبكرًا، كانت فرص التعافي أكبر.

في النهاية، الجسد ليس مشروعًا يحتاج إلى تصحيحٍ دائم، بل نظامٌ متكامل يعمل للحفاظ على الحياة. وعندما تتحول التغذية من أداة عقابٍ إلى وسيلة رعاية، تبدأ رحلة التوازن الحقيقي.

الهدف ليس الوصول إلى صورةٍ مثالية، بل بناء علاقةٍ مستقرة مع النفس والطعام، قائمة على الوعي والقبول والاحترام. سارعي لاكتشاف اضطرابات الأكل في وقتٍ مبكر لدى بناتكِ والفتيات المحيطة بكِ، لتأمين العلاج الفعال والسريع، حتى لا تتفاقم هذه الاضطرابات وتضرَ بصحتهنَ الجسدية والنفسية.