جيل زد والدورة الشهرية: بين الفهم العلمي وتحسين جودة الحياة
ما الذي يريدهُ هذا الجيل تحديدًا؟ ماذا يدور في رأسه، ولماذا هو مختلف كثيرًا عن الأجيال السابقة؟
هذه نبذة عن بعض الأسئلة التي تدور في خاطر الكثير من الأهل في يومنا هذا (وأنا منهم) حول جيل زد (أو Generation Z — وهو الجيل المولود تقريبًا بين منتصف التسعينيات ومنتصف العقد الثاني من الألفية 2010–2015). يمتاز هذا الجيل بحضورٍ قوي اليوم، كونه أول جيل ينشأ بالكامل في عالمٍ رقمي متصل.
معروف عن جيل زد أنهم رقميون بالفطرة: يعيشون في عالمٍ سريع، متغيّر، ومليءٍ بالمعلومات؛ ويميلون للتعبير عن أنفسهم بطرقٍ مبتكرة ومباشرة. مبدعون، حساسون، تقنيون جدًا، عمليون وأصحاب قيمٍ واضحة، إذ يهتمون بالعدالة، التنوع، البيئة والصراحة.
قد يبدو من جميع التفسيرات المذكورة آنفًا، أن جيل زد هو الأوفر حظًا بين الأجيال الأخرى، السابقة واللاحقة؛ لكن الحقيقة أنه كغيره، يعاني من الكثير من التحديات، خصوصًا الصحية منها. فهذا العالم التقني الافتراضي الذي يحيطنا من كل جهة، لا يحمل وجهًا جميلًا على الدوام، خاصةً لجيل زد الذي يواجه مزيجًا من المشاكل الصحية والنفسية التي أصبحت واضحةً في السنوات الأخيرة، والبيانات الحديثة تؤكد أن هذا الجيل يمرّ بضغطٍ غير مسبوق مقارنة بالأجيال السابقة.
تحديات جيل زد الصحية، وللفتيات منهنَ تحديدًا، تحتاج لاهتمام ومتابعة من قبل الأهل والمختصين؛ كي تكون الشابة منهنَ، سواء في بداية بلوغها أو في مرحلة المراهقة والشباب، قادرةً على التعامل الأفضل مع متطلبات هذه التحديات وتعلَم كيفية مواجهتها وحلها بطرقٍ صحيحة. الموضوع يبدأ أولًا من الوعي بهذه المتطلبات، من خلال الفهم العميق للتحديات، وهو ما تبحث عنه شابات جيل زد ونعملُ من خلال موقع "هي" على تزويدهنَ به على الدوام، من خلال مقالاتٍ شاملة مع مختصين لديهم الكفاءة والمعلومات القيَمة، حول كل موضوع.
جيل زد وعلاقته بالدورة الشهرية موضوعٌ مهم للغاية، كون هذا الجيل يتعاملُ مع الصحة الإنجابية بطريقةٍ مختلفة تمامًا عن الأجيال السابقة. عندهم وعي أكبر، لكنهم في ذات الوقت، يواجهون تحدياتٍ جديدة مرتبطة بنمط حياتهم والضغوط النفسية.

نتعرف من الدكتورة منال منلا، أخصائية أمراض النساء والولادة في مستشفى السعودي الألماني، اليوم على ماهية فهم الدورة الشهرية بشكلٍ علمي، وكيفية إدارتها جيدًا بهدف تحسين جودة الحياة.
جيل زد والدورة الشهرية
تُعدَ الدورة الشهرية من أهم المؤشرات الحيوية على صحة الفتاة الجسدية والهرمونية، إلا أن جيل زد – الذي نشأ في عصر السرعة الرقمية والانفتاح المعرفي – يتعاملُ مع هذا الموضوع بوعيٍ أكبر، لكنه في الوقت ذاته يواجه تحدياتٍ مختلفة ترتبط بنمط الحياة، الضغوط النفسية، والتغيرات الغذائية والسلوكية.
فهم الدورة الشهرية علميًا لا يهدفُ فقط إلى إزالة الغموض، تقول الدكتورة منلا؛ بل يذهبُ أكثر نحو تمكين الفتيات من إدارة صحتهنَ بوعي، وتحسين جودة حياتهنَ اليومية. ويبدأُ كل ذلك بالفهم العملي الذي نستعرضه في السطور الآتية..
الفهم العلمي للدورة الشهرية
الدورة الشهرية هي عمليةٌ فسيولوجية مُعقدة، تُنظمها علاقةٌ دقيقة بين الدماغ والمبيضين عبر ما يُعرف بمحور الوطاء – الغدة النخامية – المبيض. إذ يقوم الدماغ بإفراز هرموناتٍ تُحفّز المبيضين على إنتاج البويضات وإفراز هرموني الإستروجين والبروجستيرون، المسؤولين عن تهيئة بطانة الرحم للحمل.
في حال عدم حدوث حمل، تنخفض مستويات هذه الهرمونات؛ فتنسلخ بطانة الرحم ويحدث الطمث. وتتراوح الدورة الطبيعية بين 21 و35 يومًا، فيما يُعدَ الانتظام النسبي مؤشرًا على توازنٍ هرموني جيد.
آلام الدورة الشهرية وإدارتها
عسر الطمث أو آلام الدورة الشهرية، من أكثر الشكاوى شيوعًا في هذه الفئة العمرية. ويعود سبب الألم الرئيسي لزيادة إفراز البروستاغلاندينات، وهي موادٌ تُحفّز انقباض عضلة الرحم لطرد بطانته، ما يؤدي إلى تقلصاتٍ مؤلمة قد تمتد لأسفل الظهر والفخذين.
لحسن الحظ، فإن هناك العديد من الطرق لإدارة هذه الآلام، تشير الدكتورة منلا؛ تشمل استخدام مضادات الالتهاب، الكمادات الدافئة، النشاط البدني الخفيف، وتنظيم النوم والتغذية. أما الألم الشديد أو المتكرر، فيستوجب تقييمًا طبيًا لاستبعاد أية أسبابٍ عضوية مثل بطانة الرحم المهاجرة.
اضطرابات الدورة وتأثيرها على الصحة
لا شك في أن اضطرابٍ يترافق مع الدورة الشهرية، تكون له تداعياتٌ جمة على الصحة.
اضطرابات الدورة قد تشمل عدم الانتظام، النزيف الغزير، أو انقطاع الطمث لفتراتٍ طويلة. النزيف الغزير قد يؤدي إلى فقر الدم، بينما قد يرتبط الانقطاع بخللٍ هرموني يؤثر على الخصوبة وصحة العظام مستقبلاً.

التأثيرات النفسية والفكرية
التغيَرات الهرمونية خلال الدورة الشهرية قد تُسبَب تقلباتٍ مزاجية وانخفاضًا مؤقتًا في التركيز والطاقة. لذا فالوعي بمراحل الدورة يساعد الفتاة على تنظيم التزاماتها الدراسية والعملية وفق طاقتها الجسدية والنفسية.
العلاقة بين التغذية وصحة الدورة الشهرية
تلعب التغذية المتوازنة دورًا أساسيًا ومحوريًا في استقرار الدورة. فنقص الحديد أو فيتامين د قد يزيد من شدة الأعراض، بينما يساعد النظام الغذائي الغني بالخضروات، البروتينات الصحية وأوميغا-3 على تقليل الالتهاب وتحسين المزاج.
وسائل التواصل الاجتماعي وصورة الجسد
ضغط صورة الجسد المثالي، كما تُصوره وتُروج له منصات التواصل الاجتماعي، قد يدفع ببعض الفتيات لاتباع حمياتٍ قاسية تؤثر على التوازن الهرموني، وتتسبب باضطراباتٍ في الدورة. لذا تنصح الدكتورة منلا بضرورة الاعتماد على مصادر طبية موثوقة واستشارة مختصين، قبل اتباع أي نصائح منتشرة عبر الإنترنت.
الخصوبة المستقبلية والمتابعة المبكرة
اضطرابات الدورة في سنٍ مبكرة قد تكون مؤشرًا على مشكلاتٍ مستقبلية في الخصوبة. فيما يُساعد التشخيص المبكر والمتابعة المنتظمة مع طبيب مختص على الوقاية من المضاعفات وتحسين جودة الحياة.
في الخلاصة؛ فإن الدورة الشهرية ليست عبئًا، بل مؤشرًا حيويًا على صحة المرأة. وتمكين جيل زد بالمعرفة الطبية الصحيحة للدورة الشهرية يُعزَز ثقتهنَ بأنفسهنَ، يحمي صحتهنَ الجسدية والنفسية، ويدعم مستقبلهنَ الصحي والإنجابي.