أحدث صيحات الصحة والعافية: ما هو العصب الحائر.. وكيف تتعرض وظائفه للاضطراب؟
في كل يوم، تُطالعنا وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي على العديد من الصيحات أو "الترندات" كما يعرفها كثيرون؛ بعضها غريب ولا يمت للحياة اليومية بصلة، وقد يكون الغرض منه تحقيق أعلى نسبة مشاهدات، والبعض الآخر قد يكون مهمًا وجديدًا ينبغي التعرف عليه، لأنه يدخل في صلب حياتنا وصحتنا.
من الموضوعات التي باتت حديث الساعة على الانترنت منذ فترة، العصب الحائر أو العصب العاشر؛ الذي بات حاضرًا بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي: يُردد الناس كلماتٍ في هواتفهم، يتمضمضون بحماسٍ مُبالغٍ فيه، يغمسون وجوههم في أوعيةٍ من الماء المُثلج، ويضغطون على آذانهم على أمل "تنشيطه". يصفه المؤثرون بأنه مفتاحٌ خفيٌ للهدوء، الهضم والتوازن العاطفي؛ فيما يزعم البعض أن تعلَم التحكم به يُمكن أن يُغير كل شيء، من القلق إلى الالتهابات.
كل هذا يُضفي عليه طابعًا غامضًا بعض الشيء. إنما في الواقع، العصب الحائر أو المبهم ليس مجرد موضةٍ عابرة في عالم الصحة؛ بل إنه عصبٌ حقيقيٌّ، وله أهميةٌ بالغة، نتعرف عليها في مقالة اليوم بناءً على معلومات جمعناها من عدة مواقع طبية ومختصة.
ما هو العصب الحائر حديث الانترنت حاليًا؟
في أحد حلقات بودكاست Strange Health، الذي يُبُ على موقع The Conversation؛ يتحدث أرشد ماجد، أستاذ علم الأعصاب الوعائي الدماغي في جامعة شيفيلد عن تحفيز العصب الحائر.
وعلى الرغم من انتشار المحتوى المتعلق بهذا العصب على الإنترنت، يتوخى ماجد الحذر من الادعاءات بإمكانية تنشيطه بسهولة. فالتنفس البطيء، الغناء، الهمهمة، أو رش الماء البارد على الوجه قد تؤثر بشكلٍ غير مباشر على نشاط العصب الحائر؛ لكنها ليست زر تشغيل/إيقاف، وتختلف التأثيرات بشكلٍ كبير بين الأشخاص. في بعض الحالات، قد تؤدي محاولة تحفيز العصب الحائر إلى الصداع وحتى الاكتئاب.
تحفيز العصب الحائر هو أكثر رسوخًا في الطب، يؤكد ماجد. فقد استُخدمت الأجهزة المزروعة التي تُحفَز العصب مباشرةً لسنواتٍ، لعلاج حالات مثل الصرع المقاوم للعلاج والاكتئاب. ومؤخرًا، بدأ الباحثون باستكشاف طرقٍ غير جراحية لهذا التنشيط؛ إذ تقوم بعض الأجهزة الطبية بتحفيز فرعٍ صغير من العصب الحائر في الأذن باستخدام نبضاتٍ كهربائية خفيفة.

ويجري ماجد وزملاؤه حاليًا تجربةً سريرية واسعة النطاق، لدراسة ما إذا كان هذا النوع من التحفيز غير الجراحي يُحسّن وظيفة الذراع لدى الأشخاص المتعافين من السكتة الدماغية، عن طريق تشجيع الدماغ على إعادة تنظيم نفسه. وإذا ما تكلَلت هذه التجربة بالنجاح، فقد تُحدث نقلةً نوعية في إعادة تأهيل العديد من المرضى.
إذن؛ وعلى الرغم من الضجة الإعلامية على الإنترنت، فإن العلماء بدأوا للتو في فهم ما يمكن أن يفعله هذا العصب وكيف يمكن استخدامه علاجياً. وإلى أن يتحقق ذلك، من الضروري التنبه إلى مخاطر تحفيز هذا العصب دون إرشادات أو متابعة من الطبيب المختص، كي لا يُحدث أي اضطراباتٍ، نتطرق إليها في الفقرة التالية.
إنما أولًا، دعينا عزيزتي نتعرفُ أكثر على ماهية العصب الحائر ووظائفه في الجسم..
ما هو العصب العاشر (العصب الحائر)؟
كما يوضح أرشد ماجد خلال البودكاست المذكور أعلاه، فإن العصب الحائر أو المُبهم هو أحد الأعصاب القحفية الاثني عشر cranial nerves التي تنشأ مباشرةً من الدماغ. إسمه مشتق من الكلمة اللاتينية Wanderer التي تعني "المتجول"، وهو إسمٌ مناسب بحسب ماجد. إذ يبدأ العصب الحائر من جذع الدماغ ويمتد عبر الرقبة إلى الصدر والبطن، متصلاً بالقلب، الرئتين، الأمعاء وحتى الكبد.
ويضيف: "العصب الحائر ليس مجرد عصبٍ وظيفي، بل أشبه بشبكة معلوماتٍ نشطة ثنائية الاتجاه. وتتمثل معظم وظائفه في نقل الإشارات من الجسم إلى الدماغ، لإبقائه على اطلاعٍٍ دائم بما يحدث داخليًا. كما أنه جزءٌ من الجهاز العصبي اللاإرادي، الذي يُنظَم العمليات التي لا نتحكم بها بوعي، مثل معدل ضربات القلب والتنفس والهضم."
في هذا النظام، يلعب العصب المبهم دورًا رئيسيًا في الاستجابة اللاودية، المعروفة أحيانًا باسم "الراحة والهضم". عندما يُهيمن هذا النظام، يتباطأ معدل ضربات القلب، ينخفض ضغط الدم، وينتقل الجسم إلى حالة أكثر هدوءًا وراحة. هذا أمرٌ راسخ، يقول ماجد؛ أما ما هو أقل وضوحًا فهو مدى سهولة تأثيرنا عليه بأنفسنا.
بدوره؛ يشير موقع "الطبي" إلى أن العصب الحائر أو العصب المُبهم Vagus Nerve هو العصب العاشر من الأعصاب القحفية، والتي تضم 12 زوجًا من الأعصاب تخرج من الدماغ، ويُعدَ العصب الحائر أطولها حيث يخرج من النخاع المستطيل في الدماغ ويصل إلى الأمعاء.
يُعتبر العصب العاشر جزءًا من الجهاز العصبي اللاإرادي، تحديدًا الجهاز العصبي الباراسمبثاوي أو اللاودي؛ حيث يلعب دورًا في تنظيم وظائف الجسم الحيوية اللاإرادية، مثل التنفس، معدل ضربات القلب، ضغط الدم، وعملية الهضم.
يتفرع العصب العاشر على نحوٍ مدهش في الجسم، بعد خروجه من الدماغ؛ على جانبي العنق الأيمن والأيسر مرورًا بالبلعوم، ثم الحلق، الصدر، حول القلب، الرئة، ثم يصل إلى المعدة والأمعاء.
هذه التفرعات المتعددة تجعل منه عضوًا متعدد الوظائف، ومهمٌ للغاية في صحة ورفاه الإنسان. وكما أشرنا سابقًا؛ يُعدَ العصب الحائر الجزء الرئيس في الجهاز العصبي الباراسمبثاوي المسؤول عن تهدئة الجسم، إذ يساعد على الاسترخاء، يُقلَل معدل ضربات القلب وضغط الدم، يُحفَز الهضم وعمليات الإخراج، كما أن له دورًا في الإثارة الجنسية.
وبالإجمال، يمكن تصنيف وظائف العصب الحائر على النحو التالي:
1. الوظائف الحسية: وتشمل نقل المعلومات الحسية للجلد في منطقةٍ خلف الأذن والجزء الخارجي من قناة الأذن وبعض أجزاء الحلق؛ تحفيز ردود الفعل الانعكاسية، مثل السعال، العطس، البلع، القيء، وكذلك التعرق وإفراز اللعاب؛ المساهمة في عملية التذوق؛ ونقل الإحساس من الأعضاء الداخلية إلى المخ وإليها، مثل القلب، الحنجرة، المريء، القصبة الهوائية، الرئتين، ومعظم أجزاء الجهاز الهضمي.
2. الوظائف الحركية: وتتضمن تحفيز العضلات المسؤولة عن البلع والكلام؛ إبطاء معدل ضربات القلب؛ وتحفيز حركة الجهاز الهضمي وعملية الهضم.
بالتأكيد، ستعود هذه الوظائف المهمة والحيوية بالعديد من التأثيرات الإيجابية على صحة الجسم ككل، والتي يختصرها موقع "الطبي" بالنقاط الآتية:
• المساعدة على التنفس بعمق، كونه يؤثر على الحجاب الحاجز، وهو ما يمنحكِ شعورًا بالاسترخاء.
• تقليل الالتهاب، عن طريق إرسال إشاراتٍ لأجزاء الجسم المختلفة، بغية الحد من الالتهاب الذي يتسبب بالأمراض.
• تهدئة الجسم بعد الشعور بالقلق والتوتر.
• التواصل بين الجهاز الهضمي والجهاز العصبي، ويُطلق عليه تسمية المحور الدماغي المعوي Gut-Brain Axis.
إلا أن تحفيز هذا العصب الهام، قد لا يكون إيجابيًا في العديد من الحالات؛ وهو ما قد ينتج عنه بعض الأعراض إليكِ تفاصيلها في السطور التالية..
ما هي أعراض اضطراب وظائف العصب الحائر؟
في حال عانيتِ من أيٍ من الأعراض المذكورة أدناه، فهذا قد يؤشر لحدوث خللٍ في وظائف العصب الحائر، والتي تستدعي مراجعة الطبيب المختص:
1. الارتجاع الحمضي.
2. الشعور بالامتلاء بعد تناول كميةٍ قليلة من الطعام.
3. المغص والانتفاخ.
4. غثيان وقيء.
5. غياب المنعكس البلعومي.
6. صعوبة البلع.
7. وجود بحة في الصوت.
8. صفير أو أزيز الصدر.
9. قلة الشهية وفقدان الوزن.
10. اضطراب المزاج.
11. دوخة أو إغماء.
خلل وظائف العصب الحائر وتداعياته على الصحة، يمكن أن يؤدي إلى اضطراباتٍ في العديد من وظائف الجسم، منها:
• خزل المعدة: وهي حالةٌ تُبطئ حركة المعدة الطبيعية وقدرتها على إفراغ الطعام إلى الأمعاء؛ مما يعوق عملية الهضم.
• تغيَر معدل ضربات القلب: يؤدي الخلل في نشاط العصب الحائر إلى التأثير السلبي على معدل نبضات القلب؛ إذ أن فرط نشاطه قد يُبطئ معدل ضربات القلب، في حين أن تهدئة العصب الحائر قد تتسبب بزيادة معدل ضربات القلب.
• تلف العصب الحائر: إن التهاب العصب الحائر أو تلفه لأسبابٍ عدة، قد يؤدي لظهور مجموعةٍ من الأعراض بناءً على المنطقة المتأثرة؛ منها صعوبة الكلام أو البلع، غياب المنعكس البلعومي، انخفاض ضغط الدم، ومشاكل الهضم.
• الإغماء الوعائي المبهم: وهي حالةٌ تحدث جراء المبالغة في ردة فعل العصب الحائر كاستجابةٍ لبعض المواقف؛ مما يؤدي إلى إبطاء معدل ضربات القلب بشكلٍ مفاجئ، الهبوط الشديد في ضغط الدم وفقدان الوعي. وتشمل بعض المواقف التي تُحفَز هذه الاستجابة بعضنا التعرض لضغطٍ نفسي، الشعور بالألم، الحر الشديد، والحمل.
في حال ملاحظة هذه الأعراض أو بعضها، يلجأ الطبيب لاختبار العصب الحائر للكشف عن أي ضررٍ فيه قبل وضع الخطة العلاجية للتخلص من هذه الأضرار، وكذلك للتأكد من سلامة هذا العصب.

تتضمن اختبارات العصب الحائر ما يلي:
1. اختبار المنعكس البلعومي: ويُجرى هذا الاختبار عن طريق لمس آخر الحلق بقطعةٍ من القطن، ما يثير الرغبة في التقيؤ؛ إنما في حال غياب التهوع أو محاولة التقيؤ، فقد يشير ذلك لوجود مشكلةٍ في العصب العاشر، قد تكون ناجمةً عن خلل في وظيفة جذع الدماغ.
2. قياس معدل نبضات القلب وضغط الدم: يُساعد في تشخيص العصب الحائر وتقييم عمله، قياس معدل ضربات القلب وضغط الدم، ومدى استجابة القلب للمجهود.
3. فحص دوبلر الموجات فوق الصوتية: هذا الفحص مفيدٌ في الكشف عن ترقَق العصب الحائر في الرقبة أو وجود مشاكل في الأوعية الدموية التي تُغذَيه.
النتائج المتأتية عن هذه الاختبارات، هي المقياس التي يعتمد عليها المختصون في تحفيز العصب الحائر؛ فكيف يتم هذا التحفيز، وما أهميته؟
ما هو تحفيز العصب الحائر؟
تحفيز العصب المبهم Vagus Nerve Stimulation or VNS وبحسب ما أورد موقع "الطبي"، هو علاجٌ يتم عن طريق تنشيط العصب العاشر، من خلال طريق زرع جهازٍ تحت الجلد في منطقة الصدر، يرسل نبضات كهربائية عبر العصب العاشر إلى جذع الدماغ.
هذا التنشيط أو التحفيز قد يُساعد في علاج العديد من الحالات، مثل الصرع، مرض الأمعاء الالتهابي، والاكتئاب المقاوم للعلاج.
لتجنب حدوث خلل في وظائف العصب الحائر، ينصح الخبراء بوجوب اتباع بعض الإرشادات، للحفاظ على صحة وسلامة هذا العصب. ويمكنكِ عزيزتي الالتزام بهذه النصائح على النحو التالي:
• اتباع نظام غذائي صحي ومتوازن غني بالفواكه والخضراوات.
• تناول الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك مثل الزبادي والكميتشي.
• ممارسة الرياضة والنشاط البدني بانتظام.
• محاولة الاسترخاء وممارسة التمارين التي تُساعد في ذلك، مثل التأمل الواعي واليوغا.
• ضرورة سعي مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم، للسيطرة على مستويات مقبولة للسكر في الدم، وضغط الدم.
في الخلاصة؛ فإن العصب الحائر أو العصب العاشر، هو عصبٌ حيوي بدرجةٍ كبيرة؛ وأي خللٍ قد يصيب وظائفه المتعددة، يترتب عليه الكثير من المشكلات الصحية والنفسية. لذا من الضروري دومًا الاعتناء بصحة هذا العصب، من خلال اتباع نمطٍ حياتي وبدني صحي، تنعكس آثاره الإيجابية ليس فقط على تعزيز صحة العصب الحائر، وإنما على الصحة ككل.