متلازمة المبيض متعدد الكيسات

متلازمة المبيض متعدد التكيسات: ليست خللًا هرمونيًا فقط.. ويتطلب تغيير نمط الحياة

جمانة الصباغ

ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه مجرد "اضطراب صحي نسائي"، تحوَل اليوم إلى "قضية صحة عامة"؛ المقصود هنا هو تكيَس المبايض PCOS، مرضٌ نسائي شائع مرتبط بصورة رئيسية بنمط الحياة.

فقد أصبح يُنظر إلى متلازمة المبيض متعدد الكيسات اليوم، كجزءٍ من منظومة الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة، مثل السُمنة والسكري من النوع الثاني. خصوصًا مع  ارتفاع معدلات السُمنة عالميًا – خاصةً في المدن – وارتفاع معدلات مقاومة الإنسولين لدى النساء، والتي تُعدَ المحرك البيولوجي الأساسي لدى كثير من المصابات. كما أن اضطرابات النوم، خاصةً الحرمان المزمن من النوم، ترتبط بزيادة الالتهاب واضطراب الهرمونات، ما يجعل PCOS أكثر تعقيدًا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تكيَس المبايض هو مرض العصر؟ لا شك في أن العوامل الوراثية تُعتبر عاملاً رئيسياً في تطور متلازمة المبيض متعدد الكيسات (PCOS)؛ إذ يزداد خطر الإصابة إذا وُجد تاريخٌ عائلي للمرض، مما يشير إلى وجود استعدادٍ عائلي مرتبط بجينات متعددة، تؤثر على إنتاج الهرمونات ومقاومة الأنسولين.

ناهيكِ عن عوامل أخرى مثل التلوث، ما قد يؤثر على حياة النساء المصابات بهذا المرض، في الوقت الحالي ولاحقًا في حال الرغبة بالإنجاب. فهل العقم هو المشكلة الوحيدة التي يتسبب بها تكيَس المبايض، ماذا عن الحالة الجسدية والنفسية للمريضات، وما هي العلاجات المتوفرة والمطروحة للبحث؟ كل هذه الأسئلة وغيرها، تجيب عليها الدكتورة لينا العفيف، أخصائية الأمراض النساء والتوليد في مستشفى جيلان الشارقة، في مقالة اليوم.

الدكتورة لينا العفيف أخصائية الأمراض النساء والتوليد في مستشفى جيلان الشارقة
الدكتورة لينا العفيف أخصائية الأمراض النساء والتوليد في مستشفى جيلان الشارقة

ما هي متلازمة المبيض متعدد الكيسات؟

تعد هذه المتلازمة من أكثر الاضطرابات الهرمونية شيوعًا لدى النساء في سن الإنجاب، إذ تُصيب ما يقارب 5-15% من النساء. وتؤثر متلازمة تكيَس المبايض على عمل المبيضين والهرمونات الأنثوية، وقد تنعكس آثارها على الدورة الشهرية، الخصوبة، والمظهر العام، إضافةً إلى تأثيراتها الصحية بعيدة المدى.

وبحسب الدكتورة العفيف، فمتلازمة المبيض متعدد التكيسات هي اضطرابٌ هرموني يحدث عندما يفرز المبيضان كميات زائدة من الهرمونات الذكورية (الأندروجينات)؛ مما يؤدي لحدوث خللٍ في عملية التبويض، وتشكَل حويصلاتٍ صغيرة (وليس أكياسًا حقيقية داخل المبيض)، ما يتسبب في فشل البويضة لجهة النضج أو الخروج بشكلٍ طبيعي.

ما أسباب متلازمة المبيض متعدد التكيسات؟

لا يوجد سببٌ واحد مباشر لهذه المتلازمة، تؤكد الدكتورة العفيف؛ بل تتداخل عدة عوامل في تسبَبها، أهمها:

1.     الخلل الهرموني: حدوث ارتفاع في هرمونات الذكورة (مثل التستوستيرون)، أو اضطراب هرموني في الهرمونات المسؤولة عن التبويض.

2.     مقاومة الإنسولين: أي عدم استجابة خلايا الجسم للإنسولين بشكل طبيعي؛ وقد يؤدي ذلك لارتفاع الإنسولين في الدم، ما يُحفَز المبيض على إنتاج المزيد من الأندروجينات (هرمونات الذكورة).

3.     العوامل الوراثية: كما ذكرنا آنفًا؛ فوجود تاريخٍ عائلي للإصابة بهذه المتلازمة، يزيد من احتمالية حدوثها عند نساءٍ آخريات.

4.     السُمنة وزيادة الوزن: تؤدي إلى تفاقم الخلل الهرموني ومقاومة الإنسولين.

لا شك في وجود بعض الأعراض التي تُنبأ بالإصابة بهذه المتلازمة، والتي نستعرضها معًا في السطور الآتية..

ما أعراض متلازمة المبيض متعدد التكيسات؟

تشير الدكتورة العفيف إلى أن الأعراض قد تختلف من امرأةٍ لأخرى، لكنها بالعموم تشمل:

•       عدم انتظام الدورة الشهرية أو انقطاعها.

•       تأخر الحمل أو العقم.

•       زيادة نمو الشعر في الوجه والجسم (الشعرانية).

•       ظهور حب الشباب بكثرة.

•       تساقط شعر الرأس .

•       زيادة الوزن، خاصةً في منطقة البطن.

•       تصبغات جلدية داكنة، خصوصًا في الرقبة وتحت الإبط.

كيف يتم تشخيص متلازمة المبيض متعدد التكيسات؟

يعتمد التشخيص عادة على معايير روتردام،  تجيب أخصائية الأمراض النساء والتوليد في مستشفى جيلان الشارقة الدكتورة لينا العفيف؛ حيث يتم تأكيد الإصابة عند توفر إثنين من ثلاثة معايير:

1.     اضطراب أو غياب التبويض.

2.     ارتفاع هرمونات الذكورة سريريًا أو مخبريًا .

3.     ظهور مبيض متعدد التكيسات في التصوير بالموجات فوق الصوتية (السونار).

وغالبًا ما يتم اللجوء إلى الفحوصات التالية، للتحقق من متلازمة المبيض متعدد الكيسات:

•       تحاليل هرمونيةLH FSH  التستوستيرون البرولاكتين.

•       تحليل السكر والإنسولين.

•       تصوير المبيض بالسونار.

•       استبعاد أمراضٍ أخرى مثل اضطرابات الغدة الدرقية.

وعليه تنتقل المريضة إلى الخطوة التالية، ألا وهي العلاج، والذي تضعه الطبيبة المختصة حسب الحالة الصحية لكل مريضة.

تغيير نمط الحياة نحو الأفضل يُخفَف من حدة متلازمة تكيس المبايض
تغيير نمط الحياة نحو الأفضل يُخفَف من حدة متلازمة تكيس المبايض

ما هي طرق علاج متلازمة المبيض متعدد الكيسات؟

وفقًا للدكتورة العفيف، لا يوجد علاج نهائي لهذه المتلازمة؛ لكن بالإمكان السيطرة على الأعراض وتقليل المضاعفات من خلال بعض الخطوات الأساسية والتي تتضمن:

1.     تغيير نمط الحياة: عن طريق إنقاص الوزن (حتى 5-10% يُحدث فرقًا كبيرًا)؛ اتباع نظام غذائي صحي قليل السكريات؛ وممارسة الرياضة بانتظام.

2.     العلاج الدوائي: وتشمل حبوب تنظيم الدورة لتقليل الأندروجينات وتنظيم الحيض؛ الميتفورمين لتحسين مقاومة الإنسولين؛ أدوية تقليل الشعر الزائد وحب الشباب، وأدوية تحفيز التبويض مثل كلوميفين، في حال الرغبة بالحمل.

3.     العلاج الجراحي (نادر): ويحصل عن طريق تثقيب المبيض بالمنظار، في الحالات المستعصية على العلاج الدوائي.

هناك العديد للأسف، من النساء المصابات بمتلازمة المبيض متعدد الكيسات، واللاتي لا يُعرنَ اهتمامًا كبيرًا بضرورة علاج أعراض هذه المتلازمة والتخفيف منها. ما قد يُعرَضهنَ لمضاعفات عديدة تستعرضها لنا الدكتورة العفيف في التالي..

ما هي المضاعفات المحتملة لعدم علاج متلازمة المبيض متعدد الكيسات؟

في حال عدم العلاج، قد تزيد احتمالية الإصابة بالمشاكل الآتية:

•       العقم.

•       السكري من النوع الثاني.

•       ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.

•       زيادة سماكة بطانة الرحم.

•       القلق والاكتئاب.

ماذا عن النظريات الحديثة حول متلازمة المبيض متعدد الكيسات؟

تربط هذه النظريات بين التعرض للمواد الكيميائية المُسبَبة لاضطراب الهرمونات (مثل BPA وPhthalates وبين زيادة معدلات PCOS.

كما أن تغيَر الميكروبيوم المعوي بسبب الغذاء الصناعي، المضادات الحيوية، وقلة التنوع الغذائي، قد تؤثر جميعًا على حساسية الإنسولين والهرمونات في جسم المرأة؛ فيما تخلق المدن الحديثة - بإيقاعها السريع، تلوثها، وقلة المساحات الخضراء فيها — بيئة "مجهدة هرمونيًا" للنساء.

هل تُساعد التغذية العلاجية في تخفيف حدة هذه المتلازمة؟

تشير بعض المصادر إلى أن أصنافًا معينة من الحميات (الكيتو أو الصيام المتقطع) قد يكون لها تأثيراتٌ إيجابية على مريضات متلازمة المبيض متعدد الكيسات.

وفي تحليلٍ علمي لهذه الأنظمة الغذائية، نجد أن:

•       الكيتو: قد يُحسّن مقاومة الإنسولين على المدى القصير، لكنه ليس مناسبًا للجميع.

•       الصيام المتقطع: يساعد على تنظيم الإنسولين، لكنه يحتاج إلى تكييفٍ خاص للنساء بسبب حساسية الهرمونات.

•       الحمية المضادة للالتهابات: تُعدَ الأكثر توازنًا واستدامة، كونها تُركَز على الخضار، الدهون الصحية، البروتينات النظيفة، وتقليل السكر.

هنا، قد يخطر على بال إحداكنَ طرح السؤال اللآتي؟ هل يمكن للطعام أن يكون علاجًا؟

والجواب: يمكن أن يكون جزءًا من العلاج، لكنه ليس العلاج الوحيد.

هذا على الصعيد البدني؛ لكن ماذا بخصوص الصحة النفسية، وتداعيات هذه المتلازمة على الحالة النفسية للمريضة؟ إليكِ الإجابة فيما يلي..

هل يتسبب تكيَس المبايض بمشاكل نفسية؟

من الطبيعي أن تتأثر أيَ امرأةٍ بمشاكلها الصحية التي تُنغص عليها العيش براحة، فكيف إذا كان مشكلتها جسدية ونفسية على حد سواء؟ فالقلق، الاكتئاب وصورة الجسد، كلها مضاعفات ترتبط بمتلازمة المبيض متعدد الكيسات، جراء التغيرات الهرمونية والضغط الاجتماعي.

كما أن بعض الأعراض مثل حب الشباب، زيادة الوزن، وتساقط الشعر، قد تؤثر على صورة الجسد والهوية الأنثوية للمرأة. وفي مثل هذه الحالات، تشعر النساء أحيانًا بأن أجسادهنَ "تخونهن"، ما يستدعي دعمًا نفسيًا موازًا للعلاج الطبي.

وبالتالي، يمكن القول ومن ناحية إنسانية بحتة، أن تكيَس المبايض "ليس فقط ما يحدث داخل الجسم… بل ما يحدث داخل الروح أيضًا."

متلازمة المبيض متعدد الكيسات - رئيسية
متلازمة المبيض متعدد الكيسات 

كيف يُساعد التشخيص المبكر على تفادي هذه المشكلات؟

للكشف المبكر أهميةٌ كبيرة خاصةً إذا ما بدأ في مرحلةٍ مبكرة؛ فهو يحمي مستقبل الخصوبة لدى المراهقات من خلال منع بعض المضاعفات كالسكري والعقم. والفحص قبل الزواج قد يكون خطوةً وقائية مهمة في المجتمعات العربية؛ كما يمنح الكشف المبكر النساء فرصةً لحماية خصوبتهنَ، قبل ظهور الأعراض الشديدة.

هل الحركة علاجٌ ممكن لتكيَس المبايض؟

يؤكد المختصون أن الرياضة مناسبةٌ لمريضات متلازمة المبيض متعدد الكيسات؛ إنما السؤال الذي يُطرح هنا: ما هي الرياضة الأنسب؟ تمارين HIIT أم اليوغا أم تمارين القوة؟

1.     HIIT:  فعّال، لكنه قد يرفع الكورتيزول لدى بعض النساء.

2.     اليوغا: ممتازة لخفض التوتر وتحسين النوم.

3.     تمارين القوة: الأفضل على المدى الطويل، كونها تزيد حساسية الإنسولين وتبني العضلات.

لماذا بناء العضلات أهم من خسارة الوزن؟ لأن العضلات هي مصنع حرق السكر؛ وبالتالي تحول تمارين القوة دون الإصابة بمقاومة الأنسولين أو مقدمات السكري.

في الختام؛ فإن متلازمة المبيض متعدد الكيسات قد تكون من المشكلات الصحية الشائعة عند النساء، وقد تتسبب لهنَ بأعراض مزعجة ومضاعفات خطيرة على المدى الطويل، كالسكري والعقم.

على الرغم من عدم وجود علاجٍ نهائي لهذه المتلازمة، إلا أن تغيير نمط الحياة نحو غذاءٍ صحي، ممارسة الرياضة بانتظام، تقليل التلوث والتوتر، والحفاظ على جودة النوم؛ كلها عوامل تُسهم في تحسين حياة المريضات بشكلٍ كبير.