مشاهير فقدوا جزءًا من بصرهم بسبب الجلوكوما.. مرض صامت لا يكتشفه الكثيرون

مشاهير فقدوا جزءًا من بصرهم بسبب الجلوكوما.. مرض صامت لا يكتشفه الكثيرون

عبير عباس

في شهر التوعية بالجلوكوما، تتجدد الدعوة للانتباه إلى واحد من أخطر أمراض العيون وأكثرها خفاءً. فالجلوكوما، أو ما يُعرف بالمياه الزرقاء، لا تُصدر إنذارًا مبكرًا في أغلب الأحيان، وقد تتسلل بصمت لتسلب الإنسان جزءًا كبيرًا من بصره، وفي بعض الأحيان تسلب النظر تمامًا دون أن يلاحظ أي أعراض واضحة.

وربما ما يجعل الجلوكوما أكثر قسوة، أنها لا تختار ضحاياها بعناية، ولا تفرق بين شخص عادي وآخر يعيش تحت الأضواء… وهنا تبدأ الحكايات التي تكشف الوجه الإنساني للمرض.

وحين نقترب أكثر من الواقع، نكتشف أن هذا الخطر الصامت لم يمر مرور الكرام على حياة كثيرين، حتى من ظنّ العالم أنهم محصنون بالشهرة والنجاح، فكان لإصابتهم به أثر بالغ في حياتهم وتجاربهم الإنسانية.

راي تشارلز.. حين تحول العتمة إلى موسيقى

تلقت كريستي برينكلي العلاج المناسب لحالتها الصحية (1)
تلقت كريستي برينكلي العلاج المناسب لحالتها الصحية 

ومن بين كل هذه القصص، هناك حكاية لا تُنسى، لأنها لم تكن فقط عن فقدان البصر، بل عن إعادة اكتشاف الحياة من زاوية أخرى.

وُلد الموسيقار الأمريكي الشهير راي تشارلز مبصرًا، لكنه بدأ يفقد بصره تدريجيًا في طفولته، حتى أصبح كفيفًا تمامًا في سن مبكرة، وتحديدًا في عمر السابعة.

الصدمة التي صنعت الإبداع

لكن العتمة التي دخلت حياته مبكرًا، لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بداية مسار مختلف، اختبر فيه راي تشارلز معنى الصدمة، ثم معنى التحدي.

ورغم تعدد الروايات حول أسباب فقدانه للبصر، إلا أن الجلوكوما كانت العامل الأهم في تدهور حالته. وفي أكثر من مناسبة، تحدث عن تجربته مع العمى، مشيرًا إلى أن فقدان البصر كان صدمة قاسية، لكنه تعلّم التكيف معها وتحويلها إلى دافع للإبداع. واستطاع لاحقًا أن يصبح واحدًا من أعظم الموسيقيين في القرن العشرين، مؤكدًا أن الإعاقة البصرية لم تمنعه من رؤية العالم بطريقته الخاصة.

بوب ديلان.. التقدم في العمر لا يعني الاستسلام

وإذا كانت تجربة راي تشارلز قد بدأت في الطفولة، فإن الجلوكوما أحيانًا تختار توقيتًا آخر، وتظهر عندما يظن الإنسان أن رحلته الصحية أصبحت أكثر استقرارًا.

ففي مراحل متقدمة من حياته، كُشف عن إصابة المغني والشاعر الأمريكي بوب ديلان بالجلوكوما. وعلى الرغم من حرصه الدائم على الخصوصية، فإنه أكد في وقت سابق معاناته من تراجع في قوة الإبصار نتيجة المرض، مشددًا بأكثر من طريقة على ضرورة الحفاظ على الحواس، ومؤكدًا أن التقدم في العمر والمرض لا يعنيان الاستسلام، بل التكيف مع التغيرات الصحية ومواصلة الإبداع.

اكتشاف مبكر أنقذ البصر

وعلى الجانب الآخر من القصص المؤلمة، تظهر حكايات تحمل قدرًا من الطمأنينة، وتذكرنا بأن الاكتشاف المبكر قد يصنع فارقًا حقيقيًا.

فقد اكتشفت عارضة الأزياء الأمريكية كريستي برينكلي إصابتها بالجلوكوما خلال فحص دوري كانت تجريه عام 2021، وخضعت وقتها لجراحة بالليزر لتصريف السائل الزائد ومنع فقدان البصر.

وبين هذه التجارب المختلفة، تظل الحقيقة واحدة: الجلوكوما لا تعلن عن نفسها، ولا تمنح فرصة ثانية في كثير من الأحيان.

ولا تقتصر قصص الجلوكوما على هذه الأسماء فقط، فهناك فنانون وكتاب وشخصيات عامة عانوا بصمت من هذا المرض، ولم يكتشفوه إلا بعد أن تسبب في فقدان جزء من مجال الرؤية. لكن القاسم المشترك بينهم جميعًا أن المرض كان يسير ببطء ومن دون ألم، مما جعل اكتشافه يأتي متأخرًا في كثير من الأحيان.

ما هي الجلوكوما؟

تعتبر أعراض الجلوكوما صامتة ويصعب اكتشافها مبكرا
تعتبر أعراض الجلوكوما صامتة ويصعب اكتشافها مبكرا

وبعد كل هذه الحكايات الإنسانية، يصبح من الضروري أن نفهم العدو الخفي نفسه، وكيف يعمل داخل العين بهدوء قد يكون قاتلًا للبصر.

فالجلوكوما مرض يصيب العين نتيجة ارتفاع الضغط داخلها، مما يؤدي إلى تلف العصب البصري المسؤول عن نقل الصورة إلى المخ. ويؤكد دكتور أحمد عبد المعز، استشاري طب وجراحة العيون، في تصريحات خاصة لـ”هي “، أن خطورة هذا المرض تكمن في أنه غالبًا لا يسبب أعراضًا واضحة في مراحله الأولى، لكن مع مرور الوقت يبدأ المصاب في فقدان الرؤية تدريجيًا، وقد لا يلاحظ ذلك إلا بعد حدوث ضرر كبير لا يمكن إصلاحه.

أعراض مرض الجلوكوما خادعة في البداية

والمقلق أكثر، أن الجلوكوما لا تبدأ بأعراض صارخة، بل تترك إشارات خافتة قد نتجاهلها أو نُرجعها للإرهاق العادي.

فقد يشعر بعض المرضى بصداع متكرر، أو إحساس بثقل في العين، أو تشوش بسيط في الرؤية، خاصة في الإضاءة الخافتة.

متى يتحول الصمت إلى خطر؟

لكن حين يعلو صوت المرض، يكون قد قطع شوطًا طويلًا في الخفاء.

ففي المراحل المتقدمة، قد تظهر هالات حول الأضواء والأجسام المرئية، ويضيق مجال الرؤية بشكل واضح. وفي بعض الأحيان، قد يحدث ألم شديد واحمرار في العين مع تدهور سريع في البصر، وهي حالة تستدعي تدخل الطبيب على الفور للتعرف على تطورات الحالة الصحية واتخاذ الإجراءات المناسبة.

ومع إدراك خطورة ما يحدث داخل العين، يأتي السؤال الأصعب: ماذا بعد التشخيص؟

ويشير دكتور أحمد إلى أن الهدف الأساسي من علاج الجلوكوما هو خفض الضغط داخل العين والحفاظ على ما تبقى من القدرة البصرية، إذ من المستحيل استعادة البصر المفقود مجددًا.

طرق علاج الجلوكوما

ووفقًا لاستشاري طب وجراحة العيون، يبدأ العلاج غالبًا باستخدام قطرات للعين تُستعمل بانتظام وفق إرشادات الطبيب. وفي بعض الحالات، قد يلجأ الأطباء إلى العلاج بالليزر أو التدخل الجراحي لتحسين تصريف السوائل داخل العين وتقليل الضغط، موضحًا أن نجاح العلاج يعتمد بشكل كبير على الاكتشاف المبكر والالتزام بالخطة العلاجية.

الفحص الدوري.. خط الدفاع الأول

ورغم أن الجلوكوما لا يمكن الشفاء منها بالكامل، فإن تجنب أسوأ سيناريوهاتها ما زال ممكنًا بخطوات بسيطة لكنها حاسمة.

ويؤكد دكتور أحمد أن الوقاية الحقيقية تكمن في الفحص الدوري للعين، خاصة لمن تجاوزوا سن الأربعين، أو من لديهم تاريخ عائلي مع المرض، أو يعانون من أمراض مزمنة، فالفحص المنتظم قد يكشف المرض في مراحله الأولى قبل حدوث تلف دائم، وهو ما تؤكد عليه حملات التوعية وأطباء العيون حول العالم.

خلاصة القول

تذكرنا قصص مشاهير مثل راي تشارلز وبوب ديلان بأن الجلوكوما لا تفرق بين شخص وآخر، وأن النجاح والشهرة لا يمنعان الإصابة بمرض صامت قد يغير مسار الحياة، وبما أننا في شهر التوعية بالجلوكوما فهي فرصة للتأكيد على أن إجراء الفحوصات الدورية لديها القدرة على حماية العين والحفاظ على البصر الذي لا يمكن تعويضه، وأن الوعي هو الخطوة الأولى للحفاظ على نعمة البصر.