الكشف المبكر عن أمراض الغدة الدرقية: خطوةٌ صغيرة تنقذ حياةً كاملة
نخشى جميعنا من المرض، ولا نحبُ أن تتدهور صحتنا لأي سببٍ من الأسباب؛ لكن المرض واقعٌ لا مفر منه، إلا أن الكشف المبكر عنه قد يُساعدنا بشكلٍ كبير، في التعافي منه سريعًا والعودة لحياتنا الطبيعية من جديد.
ومجددًا، نُعيد الحديث عن أهمية الكشف المبكر لأي مرضٍ أو علةٍ صحية؛ فهذا الكشف لا يُساهم فقط في "العلاج"، بل في تغيير مسار الحياة بالكامل. ويُعدَ الخط الفاصل بين التدخل في الوقت المناسب وبين مواجهة مضاعفاتٍ كان يمكن تجنبها. ومع تنامي الوعي بالصحة الوقائية في دولة الإمارات والمنطقة، بات موضوع الكشف المبكر أكثر حضورًا في النقاشات الصحية والطبية، وكذلك على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
من هنا؛ يتخذ موقع "هي" دورًا رياديًا في توعية الناس حول أهمية الكشف المبكر عن الأمراض كافة، لتعزيز الصحة، تسريع التعافي وتحسين جودة الحياة. وخلال شهر يناير الحالي، تبرز أمراض الغدة الدرقية كواحدةٍ من التحديات الصحية التي يواجهها الملايين حول العالم، والتي تستدعي وعيًا ومتابعةً طبية.
لمحة حول أمراض الغدة الدرقية حول العالم
تُعدَ أمراض الغدة الدرقية حول العالم، من أكثر الاضطرابات الهرمونية شيوعًا؛ وتمتد من القصور البسيط إلى السرطان، مع اختلافاتٍ واضحة بين المناطق بحسب التغذية، الجينات، والوعي الصحي. ويؤكد البحث العالمي أن العبء الصحي لهذه الأمراض في ازدياد، خصوصًا سرطان الغدة الدرقية الذي بات من بين أكثر السرطانات انتشارًا في بعض الدول.

إذا ما نظرنا الصورة العالمية لأمراض الغدة الدرقية، سنجد التالي:
1. انتشار سرطان الغدة الدرقية عالميًا
إذ يُعدَ سرطان الغدة الدرقية من السرطانات الأكثر شيوعًا عالميًا، ويحتل المرتبة السابعة من حيث عدد الحالات الجديدة وفق بيانات GLOBOCAN 2022. وقد سُجل أكثر من 821 ألف حالة جديدة حول العالم في عام 2022، فيما تختلف معدلات الإصابة بين القارات، مع أعلى الأرقام في آسيا وأوروبا.
2. اتجاهات المرض عبر العقود
تشير الدراسات المستندة إلى Global Burden of Disease إلى ارتفاعٍ مستمر في معدلات الإصابة بسرطان الغدة الدرقية منذ 1990 وحتى 2021. جزءٌ من هذا الارتفاع يعود إلى تحسّن وسائل الكشف المبكر مثل الموجات فوق الصوتية، لكن هناك أيضًا عوامل بيئية وجينية تلعب دورًا.
3. الوفيات أقل من السرطانات الأخرى
لحسن الحظ، ورغم ارتفاع الإصابات؛ فإن معدل الوفيات بهذا المرض منخفض نسبيًا مقارنةً بأنواع السرطان الأخرى، إذ يحتل سرطان الغدة الدرقية مرتبةً متأخرة عالميًا في الوفيات. ويرجع السبب في ذلك إلى أن معظم الأنواع (مثل الحليمي) قابلةٌ للعلاج بشكلٍ فعّال عند اكتشافها مبكرًا.
إذن، فالكشف المبكر هو الحلقة الأقوى التي ينبغي التركيز عليها؛ كونها تُسرَع من عملية العلاج والشفاء، كما تُساهم في زيادة الوعي حول اضطرابات الغدة الدرقية، وعلى رأسها قصور الغدة المنتشر بشكلٍ واضح خصوصًا بين النساء، لعوامل عدة منها نقص اليود، الحمل والولادة والسُمنة التي تشهد ارتفاعًا كبيرًا في المنطقة.
التوعية بأمراض الغدة الدرقية
بمناسبة شهر التوعية بأمراض الغدة الدرقية، نضمَ صوتنا إلى كلية الطب بجامعة سانت جورج في غرينادا، التي تسعى لإلقاء الضوء على أهمية تمكين الأفراد في دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط على نطاقٍ أوسع، لنشر الوعي حول اضطرابات الغدة الدرقية، وهي حالاتٌ صحية غالباً ما تبقى دون تشخيص رغم انتشارها الواسع.
وتُعدَ أمراض الغدة الدرقية، ولا سيما قصور الغدة الدرقية (خمول الغدة الدرقية) وفرط نشاط الغدة الدرقية، من بين أكثر المشكلات الصحية التي لا يتم تشخيصها على مستوى العالم؛ إذ تشير التقديرات إلى تأثر نحو 200 مليون شخص عالمياً بهذه الاضطرابات، كما تشير الأدلة إلى وجود تأثيرٍ صحي ملحوظ لهذه الأمراض في منطقة الشرق الأوسط أيضاً.
وتكشف الأبحاث أن اضطرابات الغدة الدرقية تصيب ما يقارب من 19.2% من البالغين في منطقة الشرق الأوسط، حيث يُسهم كلٌ من قصور وفرط نشاط الغدة الدرقية في هذه النسبة، مع ملاحظة ازدياد معدلات الانتشار خلال العقدين الماضيين. ورغم ذلك، كثيراً ما تمر هذه الاضطرابات دون تشخيصٍ لفترات طويلة بسبب طبيعة الأعراض الخفية وغير المحددة؛ مثل الإرهاق، التغيَرات غير المبررة في الوزن، تساقط الشعر وتقلبات المزاج، ما يدفع العديد من الأفراد إلى التعايش معها لسنوات دون إدراك إصابتهم بمشكلة في الغدة الدرقية.
أهمية الكشف المبكر لأمراض الغدة الدرقية
يمكن أن يُحدث التشخيص المبكر لاضطرابات الغدة الدرقية فارقاً هائلاً في حياة المرضى، وحياتكِ عزيزتي؛ فعند اكتشاف هذه الحالات وعلاجها في الوقت المناسب، يمكن تجنّب مضاعفاتٍ صحية خطيرة، من ضمنها العقم، أمراض القلب والأوعية الدموية، واضطرابات التمثيل الغذائي.
ويُوصي المتخصصون في الرعاية الصحية أن يحرص الأشخاص البالغون، لا سيما من تجاوزوا سن 35 عاماً أو لديهم تاريخٌ عائلي مع أمراض الغدة الدرقية، على إدراج فحوصات وظائف الغدة الدرقية ضمن الفحوصات الصحية السنوية. وتُعدَ فحوصات الدم البسيطة وسيلةً فعالة لقياس مستويات الهرمونات، وتمكين الأطباء من رصد أي خللٍ محتمل قبل تطوره.

وعليه؛ يمكنكِ القيام بالخطوات الوقائية التالية لحماية نفسكِ ومن تحبين من تداعيات أمراض الغدة الدرقية:
• إجراء فحوصات منتظمة للغدة الدرقية.
• الحفاظ على توازنٍ مناسب في تناول اليود.
• مراقبة الأعراض المستمرة أو غير المبررة.
• إدارة مستويات التوتر والضغط النفسي.
• اتباع نظامٍ غذائي صحي والحفاظ على النشاط البدني.
• تجنب الإفراط في استخدام المكملات الغذائية أو تناولها دون إشرافٍ طبي.
في الخلاصة؛ نُشجعكِ وجامعة سانت جورج على إدراك الأهمية البالغة لصحة الغدة الدرقية وتعزيز ثقافة الرعاية الوقائية لديكِ بشكلٍ فاعل، بما يسهم في تمكينكِ وتمكين مجتمعكِ من تحقيق مستوياتٍ أعلى فيما يخص الصحة والعافية. ومن خلال تبنّي نمط حياةٍ صحي وممارسة الوعي الذاتي بالصحة، يمكنكِ تقليل مخاطر إصابتكِ باضطرابات الغدة الدرقية بشكلٍ كبير، وترسيخ عاداتٍ صحية مستدامة على المدى الطويل.