الدراسات الحديثة تؤكد: ترندات التغذية الشائعة تؤذي أجسادنا باسم الصحة.. إليكِ التفاصيل
في عالم يزداد وعيًا بالصحة والتغذية، نحن نعيش مفارقة غريبة "كلما انتشرت النصائح الغذائية، ازدادت معدلات السمنة والأمراض المرتبطة بالتغذية". وبالتالي السؤال الذي يراود ذهني، وربما يراود أذهان الكثيرات: "كيف يمكن لشيء يُقدم لنا على أنه "صحي" أن يكون في الواقع مصدرًا للمعاناة الجسدية؟".
في الحقيقة، لقد تحولت التغذية في عصرنا الحالي إلى ساحة حرب مليئة بالنصائح المتناقضة والوعود الخادعة. لقد أصبحنا نعاقب أجسادنا بحميات قاسية، ونحرمها من العناصر الأساسية، ونرهقها بتقلبات غذائية عنيفة، كل ذلك تحت شعار "الصحة المثالية".
ليس ذلك فحسب، بل باتت الحقيقة العلمية ضائعة بين ضجيج الصيحات العابرة. نحن نتبع نظامًا غذائيًا لأن أحد المشاهير ينصح به، أو نمتنع عن الكربوهيدرات لأنها "العدو الجديد"، من دون أن ندرك أننا ننساق إلى أسوأ صيحات الطعام التي ستقودنا إلى عالم الأمراض المزمنة بشكل مفاجئ.
من هذا المنطلق، دعينا نكتشف سويًا عبر موقع "هي" كيف تحولت بعض الأنظمة الغذائية الأكثر شيوعًا إلى أسوأ صيحات طعام تؤذي أجسامنا بدلًا من أن تنفعها، من خلال ما رصدته لنا استشارية التغذية العلاجية الدكتور مريم جمال لوقا من القاهرة.
أسوأ صيحات طعام في 2025 ترفض الأبحاث العالمية اتباعها في 2026

أكدت دكتورة مريم، أن مجال التغذية خلال العقد الأخير شهد انفجارًا هائلًا في النصائح السريعة والأنظمة الصارمة التي تُسوّق على أنها حلول صحية مؤكدة، مدعومة بلغة حاسمة وصور مثالية للجسد. إلا أن العلم، كما توضّح الجامعات والمؤسسات البحثية العالمية، يقف في كثير من الأحيان على النقيض تمامًا من هذه الصيحات. فالمشكلة لا تكمن فقط في محدودية فعاليتها، بل في التأثيرات الفسيولوجية والنفسية السلبية التي تُحدثها داخل الجسم، خصوصًا عند اتباعها من دون إشراف علمي متخصص. أما عن أسوأ الصيحات فهي:
أنظمة الحرمان الشديد (Fad Diets)
تعتمد على تقليل السعرات إلى مستويات منخفضة جدًا أو استبعاد مجموعات غذائية كاملة. وهنا تشير كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد إلى أن الحرمان الغذائي المزمن يؤدي إلى انخفاض معدل الأيض الأساسي، وفقدان الكتلة العضلية بدلًا من الدهون، وزيادة إفراز هرمونات التوتر مثل "الكورتيزول". أما فسيولوجيًا، فعندما يشعر الجسم بالجوع لفترات طويلة، يدخل في ما يُعرف بوضع "الحفاظ"، حيث يُبطئ الحرق ويزيد من تخزين الدهون كآلية دفاعية. والنتيجة الشائعة هي فقدان وزن مؤقت يعقبه استعادة الوزن بسرعة أكبر بعد التوقف عن النظام. لذا، يجب اتباع نظام غذائي معتدل السعرات، غني بالبروتين والألياف، وقابل للاستمرار من دون صدمات أو حرمان.
أنظمة شيطّنة الكربوهيدرات
أحد أشهر الاتجاهات الحديثة هي تصوير الكربوهيدرات كعدو مباشر للصحة. وهنا توضّح دراسات جامعة ستانفورد أن الكربوهيدرات تمثل المصدر الأساسي لطاقة الدماغ، وأن حرمان الجسم منها قد يؤدي إلى ضعف التركيز، تقلب المزاج، والإرهاق المزمن. كما أن نقص الكربوهيدرات يؤثر سلبًا على هرمونات الغدة الدرقية، وتوازن السكر في الدم، والأداء البدني والعضلي. لذا، ننصح دومًا بالتمييز بين الكربوهيدرات المعقدة مثل "الحبوب الكاملة والبقوليات"، والسكريات المكررة، بدلًا من إلغاء الكربوهيدرات تمامًا.
أنظمة الديتوكس.. بين الحقيقة العلمية والأسطورة الشعبية
شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا لأنظمة الديتوكس أو التطهير الغذائي، والتي يُروج لها على أنها وسيلة فعالة لإزالة "السموم" من الجسم، وتحسين الصحة العامة، وتسريع خسارة الوزن. هذه الأنظمة غالبًا ما تكون قصيرة المدى، وتقوم على استهلاك عصائر محددة، أو الامتناع عن مجموعات غذائية كاملة، أو اتباع برامج صيام جزئي أو كامل، مع تناول مشروبات يقال إنها "تطهر الجسم". وتشمل واحد أو أكثر من الآتي:
- شرب عصائر خضار وفاكهة فقط من دون أكل صلب.
- صيام جزئي مع شاي أعشاب أو مياه بالليمون.
- الامتناع التام عن البروتينات أو الكربوهيدرات أو الدهون.
- برامج مدتها من يوم إلى 7 أيام وأحيانًا أكثر.
- تناول مكملات أو مشروبات يُقال إنها "تسحب السموم".
أما عن آلية الدعاية حول الديتوكس فهي تسوق لاتباعها على إنها:
- تنظف الجسم من السموم المتراكمة.
- تدعم وظائف الكبد والكلى.
- تساعد على إنقاص الوزن بسرعة.
- تحسّن البشرة والطاقة والحيوية.
وبينماهذا التسويق يستند في كثير من الأحيان إلى فكرة أن الجسم "مليء بالسموم"، وقد يحتاج إلى تدخل خارجي للتخلص منها. فإن الدراسات والأبحاث العلمية الحديثة، بما في ذلك ما تؤكده منظمة الصحة العالمية (WHO) وكلية الصحة العامة بجامعة هارفارد (Harvard T.H. Chan)، تُشير إلى أن الجسم البشري يمتلك أجهزة طبيعية وفعالة لإزالة السموم، حيث "يحوّل الكبد المواد الضارة إلى شكل يمكن التخلص منه، تطرح الكلى الفضلات والماء الزائد عبر البول، وتلعب كل من الرئتان والأمعاء، وأيضًا الجلد دورًا تكميليًا في التخلص من الفضلات". وبالتالي، لا توجد أدلة علمية قوية تثبت أن أنظمة الديتوكس الغذائية تمنح الجسم قدرة أكبر على إزالة السموم مقارنة بوظائفه الطبيعية.
والجدير بالذكر، رغم الانتشار الكبير لأنظمة الديتوكس، إلا أنها قد تؤدي إلى تأثيرات سلبية على الجسم، منها: "هبوط ضغط الدم والدوخة، نقص معادن أساسية مثل (الصوديوم والبوتاسيوم)، اضطرابات في الجهاز الهضمي، بما في ذلك الإمساك أو الإسهال، فقدان الوزن السريع الناتج عن فقدان الماء وليس الدهون، مما قد يؤدي إلى استعادة الوزن بسرعة بعد انتهاء البرنامج، خلق علاقة غير صحية مع الطعام، تتسم بالخوف والذنب والحرمان، وهو ما قد يفتح الباب لاحقًا لاضطرابات الأكل".
أما عن البديل الصحي والآمن لها، فينصح باتباع نظام غذائي متوازن وغني بالألياف والخضار والفواكه، شرب كميات كافية من الماء يوميًا لدعم وظائف الكلى والكبد، تقليل الأطعمة المصنعة والسكريات المكررة، والمحافظة على نوم كافي وممارسة نشاط بدني منتظم". لأن هذا النهج يُعدّ الدعم الأكثر أمانًا وفعالية لأجهزة الجسم المسؤولة عن إزالة الفضلات والسموم، من دون تعريضه لصدمات أو حرمان غذائي.
الأنظمة عالية البروتين بلا توازن
رفع البروتين على حساب باقي العناصر الغذائية قد يؤدي إلى إجهاد الكلى لدى بعض الفئات، ونقص الألياف، واضطرابات هضمية، وزيادة الدهون المشبعة عند الاعتماد على مصادر حيوانية. كما أن الإفراط في البروتين مع نقص الكربوهيدرات قد يرفع الأجسام الكيتونية في الدم، مسببًا صداعًا وإرهاقًا عامًا. وهنا تنصح الأبحاث الحديثة أن يكون جزءًا من نظام متوازن يشمل "كربوهيدرات صحية ودهون جيدة".
أنظمة وهم الـ Superfoods
يتجاهل الترويج لأطعمة بعينها باعتبارها "خارقة" حقيقة علمية أساسية، وهي أنه لا يوجد غذاء واحد قادر على تلبية كل احتياجات الجسم. وهنا تؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن التنوع الغذائي هو العامل الأهم للصحة، وأن الاعتماد على عنصر واحد قد يؤدي إلى نقص عناصر غذائية أخرى. لذا تنصح الدراسات الحديثة بأن
تنويع مصادر الغذاء هو الأساس، وليس البحث عن عنصر واحد سحري.
أنظمة تقليل السعرات بأي ثمن
يُعد الاعتقاد بأن السعرات المنخفضة تعني صحة أفضل تصورًا خطيرًا علميًا. إذ تشير أبحاث منشورة في مجلة Frontiers in Nutrition إلى أن التقليل الحاد للسعرات قد يخلّ بالتوازن الهرموني ويؤثر سلبًا على صحة النساء بشكل خاص. ما يتطلب التركيز على جودة السعرات الغذائية وقيمتها، لا عددها فقط.
أنظمة التأثير النفسي واضطرابات الأكل

لا يمكن فصل التغذية عن الصحة النفسية. وهنا تُشير أبحاث كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد إلى أن الأنظمة القائمة على التقييد والحرمان تُسهم في تشويه العلاقة مع الطعام، وتحويله إلى مصدر دائم للقلق والشعور بالذنب. كما تحذر الجمعية الأمريكية لعلم النفس من أن تقسيم الطعام إلى "مسموح وممنوع" يعزز اضطرابات الأكل، مثل (الأكل القهري أو الأكل المقيد)، ويؤدي إلى اضطراب صورة الجسد. كذلك تُشير جامعة ستانفورد إلى انتشار ما يُعرف بـ Orthorexia، أو الهوس المرضي بالأكل الصحي، حيث تبدأ اضطرابات الأكل تحت غطاء "نمط حياة صحي" قائم على الانضباط القاسي والخوف من الطعام. علمًا كل الدراسات النفسية تؤكد أن أي نظام غذائي يزيد القلق، أو الشعور بالذنب، أو فقدان السلام النفسي تجاه الطعام، هو نظام غير صحي مهما بدا "مثاليًا".
وأخيرًا، التغذية ليست معركة ضد الطعام، ولا اختبار إرادة، ولا ترندًا موسميًا. هي علم متكامل يتعامل مع الجسم كمنظومة دقيقة بيولوجيًا ونفسيًا. أما عن الصيحات الغذائية التي قد تبدو جذابة، فهي غالبًا تتجاهل تعقيد الجسد البشري وتنوّع احتياجاته. والتالي الطريق الآمن للصحة، كما تتفق المؤسسات العلمية العالمية، يبدأ من "التوازن، الاستمرارية، واحترام إشارات الجسد، لا من الحرمان أو الخوف من الطعام".