تأثير الموسيقى على ضغط الدم ومستويات الكورتيزول: رحلة بين النغم والجسد
الموسيقى لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، فهي تخاطب القلب قبل العقل، وتصل إلى أعماق الإنسان بطريقة مؤثرة تتفوق في تأثيرها على الأدوية الطبية. الأصوات والإيقاعات الموسيقية تنشأ علاقة خفية بين الجسد والأحاسيس الداخلية، فتؤثر على التنفس والقلب والتركيز وغيرها من وظائف الجسم الحيوية. كما بدأ العلم في السنوات الأخيرة يدرس هذه اللغة الساحرة بجدية، في محاولة لفك شفرتها وفهم تأثيرها على صحتنا الجسدية والنفسية، ليكتشف أن الموسيقى ليست مجرد متعة فنية، بل علاج طبيعي يوازن الإيقاع الداخلي للإنسان.
فعلى سبيل المثال، الإيقاعات الهادئة قادرة على خفض ضغط الدم وتهدئة التوتر الناتج عن ضغوط الحياة اليومية، بينما تعمل النغمات الإيقاعية المنظمة على خفض مستويات هرمون الكورتيزول، المسؤول عن التوتر والقلق. وعليه، فإن الموسيقى تمثل رحلة بين النغم والجسد، ولديها قدرة كبيرة على ربط الحالة النفسية والمزاجية بالوظائف الحيوية للجسم.
ومن هنا تشرح دكتورة سامية خضر، أستاذة الطب النفسي بكلية البنات جامعة عين شمس، تأثير الموسيقى في تكوين الشخص وحالته المزاجية، مؤكدة أن أهميتها تتجاوز مجرد كونها وسيلة ترفيهية.

الموسيقى وتأثيرها على المخ والجسم
أكدت دكتورة سامية لـ"هي" أن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للتسلية، بل هي نظام صوتي له تأثير مباشر على المخ. عند الاستماع إلى مقطوعة موسيقية هادئة، تبدأ الموجات الدماغية في التباطؤ تدريجيًا لتقترب من الحالة التي تسبق النوم أو التأمل. هذه الحالة العصبية تسهم في استرخاء العضلات وخفض ضغط الدم، كما تساعد على تهدئة العقل والتقليل من التوتر النفسي.
ومن ناحية أخرى، الموسيقى ذات الإيقاع المنتظم والبطيء تعمل على تنظيم التنفس وتحفيز العصب الحائر، المسؤول عن التواصل بين الدماغ والأعضاء الداخلية. أما الموسيقى السريعة أو الإيقاعية، فهي تنشط الجهاز العصبي، فتزيد مؤقتًا مستويات الطاقة ويزداد تدفق الدم إلى العضلات. بذلك، يتفاعل الجسد مع الموسيقى كما يتفاعل مع محفزات خارجية حقيقية، وكأن كل نغمة رسالة تصل إلى كل خلية.
تأثير الموسيقى الهادئة على ضغط الدم
كشفت دكتورة سامية أن الموسيقى الهادئة تعمل كوسيلة طبيعية لتنظيم معدل ضغط الدم. عندما يصاب الإنسان بالخوف أو القلق، يفرز الجسم كميات أكبر من هرمون الأدرينالين، مما يؤدي إلى تسارع القلب وارتفاع الضغط. ولكن عند الاستماع إلى موسيقى بطيئة النغمات، تتلقى الدماغ إشارة للتهدئة، فيقل إفراز الأدرينالين، وتبدأ الأوعية الدموية في الاتساع، ما يساعد على عودة الضغط إلى مستواه الطبيعي.
كما أوضحت دكتورة سامية أن هذه الاستجابة تحدث تلقائيًا بسبب تفاعل الجهاز العصبي مع الموسيقى، دون الحاجة إلى مجهود أو وقت طويل، لذلك نصحت الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع الضغط النفسي أو الإرهاق الذهني بتخصيص وقت يومي للاستماع إلى موسيقى هادئة قبل النوم، كوسيلة بسيطة للهدوء والاسترخاء.
الموسيقى ومستويات الكورتيزول
الكورتيزول هو الهرمون المسؤول عن مواجهة التوتر، لكنه يصبح ضارًا عندما يفرز بكميات أكبر من المعدل الطبيعي. وتبين دكتورة سامية أن الموسيقى تلعب دورًا كبيرًا في ضبط الإيقاع الهرموني المضطرب. فالأصوات المتناغمة تحفّز الجهاز العصبي على تهدئة الجسم وخفض إفراز الكورتيزول، كما تساعد على تنظيم النفس ومعدل ضربات القلب.
علاوة على ذلك، كثير من المرضى الذين يعانون من القلق المزمن أو الإرهاق الذهني يستفيدون من إدخال الموسيقى الهادئة ضمن روتينهم اليومي. فهي تساعد بشكل كبير على إعادة برمجة الجسد ليستعيد توازنه الداخلي، فتصبح الموسيقى هنا ليست وسيلة ترفيه فقط، بل خطة لإعادة الاتصال بالنظام العصبي وتنشيط قدرته على الاتزان.

الأصوات الطبيعية وجودة النوم
أوضحت دكتورة سامية أن الموسيقى لا تقتصر على التأثير النفسي والمزاجي، بل تمتد لتشمل الأصوات الطبيعية مثل صوت المطر، الموج، أو العصافير وقت الفجر. هذه الأصوات تمتلك قدرة فريدة على تهدئة الجهاز العصبي، لأنها تعيد للإنسان شعور الأمان والطمأنينة.
كما نصحت بتخصيص موسيقى معينة قبل النوم ليربطها المخ بالراحة والاسترخاء، مما يسهل الدخول في النوم العميق ويقلّل من اضطرابات الأرق، إضافةً إلى خفض توتر العضلات وتحسين التنفس الليلي.
تأثير الموسيقى على الجهاز الهضمي والطاقة الذهنية
ما لا يعرفه الكثيرون أن الجهاز الهضمي أيضًا يتأثر بالموسيقى. فعندما يشعر الإنسان بالاسترخاء، يتحسن تدفق الدم إلى الأمعاء والمعدة، مما ينشط عملية الهضم ويزيد إفراز العصارات الهضمية بشكل طبيعي، وبالتالي تقل معدلات المشاكل الهضمية.
أما فيما يخص الطاقة الذهنية، فتوضح دكتورة سامية أن الموسيقى الإيقاعية ذات البنية المنتظمة تساعد على رفع مستوى التركيز والانتباه، حيث تنشط مناطق محددة من القشرة الدماغية المسؤولة عن التخطيط والحركة. لذلك، يلاحظ الطلاب والعاملون في المهام الذهنية أن أدائهم يكون أفضل عند الاستماع إلى موسيقى هادئة دون كلمات، ما يعزز التركيز ويزيد الإنتاجية.
خلاصة القول
الموسيقى ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل طاقة سحرية يمكنها إعادة الجسد إلى توازنه والنفس إلى صفائها. الأصوات الهادئة تخفض ضغط الدم المرتفع، والإيقاعات المنتظمة تُنعش الذهن وتعيد له الحيوية. لذلك، من المهم أن نخصص وقتًا يوميًا للاستماع للحن هادئ أو صوت الطبيعة، للاستمتاع براحة نفسية وجسدية.