تجنبي الإرهاق النفسي الناتج عن متابعة الأخبار.. رؤية نفسية لحماية هدوئك
لم نعد نبحث عن الأخبار بدافع الفضول فقط، بل بدافع القلق. نفتح الشاشات لنطمئن، فنخرج محملين بمخاوف جديدة، وكأن العالم يقتحم مساحتنا الداخلية بلا استئذان ويخترق سلامنا النفسي بقوة. تتسارع الأحداث، وتتراكم العناوين، وتتزاحم الصور، ومع كل خبر نشعر أن القلب يضيق والعقل يُرهق، حتى يصبح التوتر هو الحالة المسيطرة علينا، على اختلاف مخاوفنا. صحيح أن هذه المخاوف قد تتشابه في بعض ملامحها، لكن ذلك لا ينفي ارتباطها الوثيق بحياة كل منا، وبما نحمله في داخلنا من قلق شخصي وتجارب خاصة.
أنا هنا اليوم، لأساعد نفسي أولًا على النجاة من قبضة هذا التوتر، ولأشارككِ كيف تتجنبين الإرهاق النفسي الناتج عن متابعة الأخبار، وذلك من خلال إفادة أميرة داوود، دكتوراه في الصحة النفسية من جامعة سيلينس – إنجلترا، والمتخصصة في العلاج الشعوري والعلاج بالطاقة الحيوية، بهدف الحماية من توابع القلق، وبناء علاقة أكثر وعيًا وصحة مع متابعة الأخبار.
انتبهي: الإرهاق النفسي لا يحدث فجأة
الإرهاق النفسي لا يحدث فجأة، بل يتسلل إليكِ بهدوء. يبدأ بشعور بسيط بالقلق، ثم يزداد بداخلك شيئًا فشيئًا ليتحول إلى توتر دائم، ثم إلى ثقل نفسي يصعب تفسيره. متابعة الأخبار بشكل مكثف، خاصة الأخبار السلبية والمتكررة، تضع العقل في حالة استنفار مستمر، وكأن الخطر يلازمنا دائمًا.
ومن علامات الإرهاق النفسي ما يلي:
- قلق غير مبرر
- فقدان التركيز
- اضطراب النوم
- شعور بالحزن أو العجز
وهنا يصبح من الضروري التوقف قليلًا، لا لمقاطعة العالم، بل لحماية النفس.

لماذا تؤثر الأخبار فينا بقوة؟
إن عقولنا غير مهيأة لتلقي هذا الكم الهائل من المعلومات الصادمة يوميًا. الأخبار الحديثة لا تكتفي بنقل الحدث كما هو، بل تعيد تدويره، وتضخيمه، وتكراره من زوايا مختلفة من خلال المحللين السياسين وغيرهم. ومع كل إعادة، يتجدد الأثر النفسي وكأن الحدث يحدث من جديد.
إضافة إلى ذلك، فإن متابعة الأخبار غالبًا ما تتم قبل النوم، وفي أوقات التعب، والأخطر أننا لا نشعر بالوقت المنقضي في متابعتها وخصوصًا على مواقع التواصل التي أصبحنا مؤخرًا نزلاء دائمين في سجنها دون وعي منا بحدود البقاء متصلين بها. وهذا يجعل تأثير الأخبار علينا أقوى وأعمق وأقسى.
تأثير الأخبار السيئة على الإنسان
تؤثر الأخبار سلبًا في الصحة النفسية والجسدية كما يلي:
-
زيادة القلق والتوتر المستمر
المتابعة المتكررة للأخبار السلبية تُبقي العقل في حالة ترقب وخوف، وكأن الخطر قريب في كل لحظة. هذا التوتر المتواصل هو أحد أبرز أسباب الإرهاق النفسي الناتج عن متابعة الأخبار، ويؤدي إلى شعور دائم بعدم الأمان.
-
الإرهاق الذهني
كثرة المعلومات الصادمة تُرهق العقل وتشوش الذهن وتُضعف قدرته على التركيز واتخاذ القرار. ومع الوقت.
-
اضطرابات النوم
مطالعة الأخبار قبل النوم أو أثناء الليل تجعل العقل في حالة يقظة مفرطة، ما يسبب صعوبة في النوم أو نومًا متقطعًا، ويزيد الشعور بالتعب في اليوم التالي.
-
تقلب المزاج والميل للعصبية
الأخبار السيئة تؤثر مباشرة على الحالة المزاجية، فتزيد العصبية، وتسبب سرعة الانفعال، والشعور بالضيق، حتى دون وجود سبب واضح في الواقع اليومي.
-
الشعور بالعجز والإحباط
التعرض المستمر للأحداث السلبية، دون القدرة على التأثير فيها، يخلق إحساسًا بالعجز والضعف، وقد يؤدي إلى الإحباط أو الاستسلام النفسي مع الوقت.
-
تبلد المشاعر أو الحساسية المفرطة
إما أن يصبح الإنسان شديد الحساسية لأي خبر جديد، أو يدخل في حالة من التبلد العاطفي كحيلة دفاعية عن النفس.
-
تأثير سلبي على العلاقات اليومية
التوتر الناتج عن الأخبار ينعكس على التعامل مع الآخرين، فيقل الصبر، وتزداد الخلافات، ويضعف التواصل العاطفي داخل الأسرة أو العمل.
-
ضعف القدرة على الاستمتاع بالحياة
حين تسيطر الأخبار السلبية على التفكير، تقل القدرة على الاستمتاع باللحظات السعيدة في الحياة.

كيف أتوقف عن الشعور بالتوتر حيال الأخبار؟
لتجنب الإرهاق النفسي الناتج عن متابعة الأخبار، وللتوقف عن الشعور بالتوتر، يجب عليكِ البدء بتنفيذ ما يلي:
-
حددي علاقتك بالأخبار بوعي
أولى خطوات تجنب الإرهاق النفسي الناتج عن متابعة الأخبار هي إعادة تعريف العلاقة معها. ليس كل اطلاع صحي، وليس كل متابعة ضرورة.
اسألي نفسك الأسئلة التالية وأجيبي عنها في هدوء:
- ما الهدف من متابعة الأخبار هل أتابع لأفهم أم بدافع القلق؟
- هل أشعر بالطمأنينة بعد المتابعة أم بثقل أكبر؟
- هل أتحكم في وقت المتابعة أم أنسى الوقت المنقضي معها؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة هي البداية الحقيقية للتغيير، وتخفيف الأثر الناتج عن متابعة الأخبار عليكِ.
-
حددي وقتًا ثابتًا لمتابعة الأخبار
المتابعة العشوائية طوال اليوم تُبقي العقل في حالة توتر مستمر. الحل ليس في المنع، بل في التنظيم. لذا عليكِ باختيار وقت محدد لمتابعة الأخبار، لتقليل التشتت، ولتهدئة العقل جراء شعور بالسيطرة على النفس. ما يهم أن يكون هذا الوقت بعيدًا عن ساعات النوم أو الاسترخاء.
-
اختاري مصادر الأخبار بعناية
ليست كل المصادر متشابهة في أسلوب الطرح. بعض المنصات تعتمد على الإثارة والعناوين الصادمة، ما يزيد من التوتر دون إضافة حقيقية عن مستجدات الأحداث.
هنا تظهر أهمية اختيار مصادر الأخبار بعناية، فمن شأن ذلك أن يخفف العبء النفسي، ويساعد على الفهم، ويقلل من التوتر والقلق.
-
توقفي عن التحديث المستمر
توصي د.أميرة داوود بالتوقف عن التحديث اللحظي للأخبار لكي لا يزيد القلق بداخلك الخبر الذي لا يتغير في جوهره، لا يحتاج لمتابعة مستمرة. كما أن التوقف عن التحديث المستمر للأخبار يمنح العقل فرصة للراحة، ويقلل الشعور بالعجز، ويخفف التوتر الذي شُحنت به نفسيتك وطاقتك. واعلمي أن ليس كل جديد مهم، وليس كل عاجل يستحق انتباهك.
-
راقبي إشارات جسدك ومشاعرك
الجسد يرسل إشارات واضحة عند الإرهاق النفسي، لكننا غالبًا نتجاهلها. هذه الإشارات مثل: شعور الضيق بعد قراءة خبر مؤسف، تسارع ضربات القلب، أو رغبة مفاجئة في الانسحاب. هذه رسائل يطلقها جسدك إليكِ وتستحق الإصغاء.
الحل بيدك، حين تلاحظين أن متابعة الأخبار تزيد قلقك، وتؤثر على نومك، وتسرق هدوءك فهذا ليس ضعفًا، بل وعيًا يستدعي التوقف المؤقت.
-
وازني الأخبار بمحتوى داعم للنفس
يجب عليكِ إدخال محتوى إيجابي أو ملهم في يومك ليس تجاهلًا للواقع، بل حماية للصحة النفسية، لأن العقل يحتاج إلى توازن. كما يتعرض للمعلومات الصعبة، يحتاج إلى ما يرممه.
يمكن عمل ذلك من خلال الاستفادة من طاقة رمضان واللجوء إلى الله عز وجل وتكثيف الصلاة والعبادة بشكل عام، أو القراءة، أو ممارسة رياضة التأمل والمشي، أو الحديث إلى شخص قريب منكِ تشعرين معه بالراحة والأمان، فهي أمور تعيد للنفس توازنها من جديد.

-
تقبلي ما لا يمكنك التحكم فيه
جزء كبير من الإرهاق النفسي الناتج عن متابعة الأخبار يأتي من الشعور بالعجز. نتابع، نتأثر، نقلق، نفكر حتى تمام شعورنا بالعجز عن ما لا يروق لنا، لأننا لا نستطيع تغيير مجرى الأحداث.
الحل هنا في تقبل ما لا يمكنك التحكم فيه. إن ذلك لا يعني اللامبالاة، بل يعني معرفة حدودك وقدراتك حيال الأحداث الجارية، كما أن ذلك يجعلك تفصلين بين التعاطف والاستنزاف
ختامًا، تجنب الإرهاق النفسي الناتج عن متابعة الأخبار لا يعني الانفصال عن العالم، بل يعني الانفصال عن استنزاف مشاعرك، ويحميك من التأثيرات السلبية للقلق والتوتر والتي من أخطرها ارتفاع ضغط الدم. حين تختارين متى تتابعين، وكيف، وكم، فإنك لا تحجبين الحقيقة، بل تحمين قلبك من أن ينهك قبل الأوان. الهدوء ليس جهلًا، بل حكمة، وحماية النفس ليست أنانية، بل ضرورة قصوى في ظل الأحداث المتلاحقة.
مع خالص تمنياتي لكِ وللجميع بالسلامة الدائمة.