جودي شيلد تشارك "هي" أسرار الحفاظ على إيقاع متوازن للإنتاجية في شهر رمضان
لا يقتصر شهر رمضان على كونه فترة صيام فحسب، بل هو موسم يرتكز على التأمل، وصفاء النية، والانضباط الروحي؛ وهي قيم تنعكس بطبيعتها على أساليب عملنا وقيادتنا واتخاذنا للقرارات، لاسيما لدى النساء. وعلى الرغم من الاعتقاد الشائع بأن وتيرة الإنتاجية تتراجع خلال هذه الفترة، إلا أن كثيرًا من النساء يكتشفن أن رمضان يهيئ فرصة قوية للعمل بقدر أعلى من الوضوح، وتركيز أعمق، وإحساس أدق بالاتجاه.
وبدلاً من محاولة الحفاظ على نفس الوتيرة المعتادة طوال العام، يدعونا هذا الشهر إلى تبني إيقاع مختلف؛ إيقاع يوازن بين الأداء والرفاه في آنٍ واحد. وعندما تُدار الإنتاجية بنية واعية بدلاً من الضغط المستمر، فإن النتائج غالبًا لا تتراجع، بل ترتقي لتصبح أكثر دقة، وأكثر قيمة، وأكثر استدامة.
"جودي شيلد" Jody Shield، رائدة أعمال، ومتحدثة عالمية، ومُرشِدة نسائية ومن خلال عملها في دراسة أداء القيادة النسائية وإيقاعات الطاقة، لاحظت مرارًا أن الإنتاجية تتحسن عندما ينسجم الأفراد في تنظيم أعمالهم مع دورات طاقتهم الطبيعية، بدلاً من الالتزام الصارم بجداول زمنية ثابتة. وتميل فترات الصيام، على وجه الخصوص، إلى تعزيز الوعي بتذبذب مستويات التركيز خلال اليوم، مما يشجع على استثمار الوقت بوعي وقصد أكبر.

تنظيم العمل حسب إيقاع التركيز الطبيعي
بحسب "شيلد" خلال الصيام، تكون الطاقة الذهنية غالبًا في ذروتها خلال الساعات الأولى من اليوم، حين لا يزال السحور يدعم صفاء الذهن. وتُعد ساعات الصباح مناسبة بشكل خاص للتفكير العميق، والتخطيط الاستراتيجي، والكتابة، والعمل الإبداعي، واتخاذ القرارات المعقدة. إن تخصيص هذه الفترة كنافذة تركيز أساسية يمكن أن يعزز الأداء بشكل ملحوظ دون الحاجة إلى زيادة الجهد.
وتُفضَّل "شيلد"، قدر الإمكان، جدولة الاجتماعات والمهام الإدارية والنقاشات التعاونية في أوقات لاحقة من اليوم، مع تخصيص ساعات الصباح للمهام التي تتطلب مستوى عاليا من التركيز. ويتيح هذا التعديل التنظيمي البسيط للعقل أن يعمل عند ذروة كفاءته الطبيعية، بدلا من استنزاف طاقته في وقت لاحق من اليوم.
تقديم القيمة والأثر على عدد المهام
يوفّر شهر رمضان فرصة طبيعية لإعادة تقييم الأولويات. وتقول "شيلد" إن "بدلاً من إدارة قوائم مهام طويلة، يُستحسن التركيز على تحقيق نتيجتين أو ثلاث نتائج رئيسية يوميًا تحقق أكبر أثر ممكن. وغالبًا ما يقود التركيز العميق على عدد محدود من الأهداف ذات القيمة إلى نتائج أعلى جودة، مع الحفاظ على مستوى الطاقة". وتضيف: "يؤكد العديد من القادة أن هذا النهج يعزز الانضباط في اتخاذ القرار؛ إذ إن تقليص عدد الأولويات، مع تنفيذها بوضوح وقصد واعٍ، يحوّل الإنتاجية إلى ممارسة أكثر استراتيجية وأقل استنزافًا للموارد".
جعل النوم أولوية للحفاظ على الأداء
وفقًا لـ"شيلد"، "يُعد من أبرز العوامل المؤثرة في التركيز خلال شهر رمضان ليس الصيام بحد ذاته، بل التغيرات في أنماط النوم. فالسهر لوقت متأخر، والاستيقاظ المبكر لتناول السحور، وزيادة التجمعات الاجتماعية قد تؤدي تدريجيًا إلى تقليص ساعات الراحة، مما ينعكس سلبًا على الأداء الذهني والمرونة العاطفية. ويمكن لوضع استراتيجية بسيطة للنوم، تشمل روتينًا ثابتًا للاسترخاء قبل النوم، مع قيلولات قصيرة مجددة للطاقة عند الإمكان، أن يُحدث فرقًا ملحوظًا في الحفاظ على مستويات التركيز طوال الشهر".
تخصيص أوقات قصيرة لإعادة النشاط خلال اليوم
الإنتاجية المستدامة لا تتحقق بالعمل المتواصل، بل بالموازنة الذكية بين الجهد وفترات الاستراحة. تعتبر "شيلد" أن "التوقفات القصيرة بين الاجتماعات، والمشي الخفيف، وتمارين التنفس، ولحظات التأمل الهادئ، قادرة على إعادة صفاء الذهن سريعًا ومنع تراكم الإرهاق خلال اليوم. ورغم اختلاف أنماط الصيام الفردية، يظل المبدأ ثابتًا: عندما يتماشى العمل مع ذروات الطاقة الطبيعية للجسم، يكون التركيز أكثر وضوحًا، وتصبح الجهود أكثر كفاءة. ويُوفّر رمضان فرصة جماعية لتعزيز هذا الوعي بشكل مقصود، بما يرفع مستوى الأداء ويحافظ على الطاقة".
تغذية الطاقة بذكاء
وتتابع: "يلعب التوازن الغذائي في وجبتي السحور والإفطار دورًا محوريًا في الحفاظ على مستويات طاقة مستقرة طوال اليوم. فالوجبات التي تطلق الطاقة تدريجيًا، إلى جانب الترطيب الكافي، تساعد على استقرار التركيز خلال ساعات الصيام. ومن المهم أيضًا تجنب الإفراط في تناول الطعام عند الإفطار، إذ قد يؤدي ذلك إلى الشعور بالخمول وانخفاض الإنتاجية في المساء".
القيادة بوضوح وبوتيرة مستدامة
بالنسبة للنساء في المناصب القيادية، يشكّل رمضان فرصة لقيادة الفرق نحو إيقاع أداء أكثر استدامة. وتقول "شيلد" إن "التواصل الواضح، ووضع جداول زمنية واقعية، وتحديد أولويات المشاريع ذات الأثر الأكبر، تساعد المؤسسات على الحفاظ على الإنتاجية مع مراعاة التغيرات الطبيعية في مستويات الطاقة خلال الشهر. وعندما يجسّد القائد وتيرة عمل مدروسة ويتخذ قرارات مركّزة، غالبًا ما تستجيب الفرق بدرجة أعلى من التوافق والكفاءة. رمضان ليس شهرًا لمزيد من الضغط في العمل، بل هو فرصة للعمل بنية أكبر، وانتقائية أعلى، وحضور ذهني أعمق".
نهج متطور للأداء
يكمن سرّ الإيقاع المتوازن للإنتاجية خلال شهر رمضان في إدراك أن الفاعلية لا تتحقق بالكثافة وحدها. فعندما تتناغم الجداول الزمنية مع مستويات التركيز الطبيعية، ويتم الحفاظ على فترات الراحة، وتحديد الأولويات بدقة، ودمج فترات الاستعادة ضمن اليوم، تصبح الإنتاجية أكثر استدامة وغالبًا أكثر تأثيرًا مما يُتوقع. ويذكّرنا رمضان بأن الإنتاجية الحقيقية لا تُقاس بعدد ساعات العمل، بل بمدى الوضوح، والنية، والحضور الذهني في الأمور الجوهرية. وعندما تصمم النساء إيقاع عملهن بما يتوافق مع طاقتهن ويركزن على ما يحقق أثرًا حقيقيًا، يصبح الأداء أكثر نضجًا وتطورًا، بدلًا من أن يتراجع.
لا يُعد الشهر فترة توقف عن الإنجاز، بل فرصة لإعادة ضبط قوية، تُمكّن القادة من المضي قدمًا بدقة أكبر، ومرونة أعلى، وقوة هادئة تستمر حتى بعد انتهاء رمضان.